كان بين عرب الحجاز العدنانيين، وعرب اليمن القحطانيين فروق كثيرة في شتى نواحي التفكير والحياة والمعيشة:
فمن حيث كان عرب الجنوب يعيشون عيشة استقرار وإقامة غالبا؛ لأنهم كانوا يسكنون في مدن عامرة، كان عرب الشمال على عكس ذلك؛ لا يستقرون في مكان، بل ينتقلون غالبا وراء أرزاقهم في بادية العرب، ومساكنهم تبعا لذلك يحملونها معهم على ظهور الإبل ويضربونها حيث يطيب لهم المقام؛ لأنها كانت خفيفة تنسج من صوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز، ولم يتحضروا إلا في مكة والمدينة والطائف وبعض مدن قليلة في الحجاز، إبان ذلك العصر الجاهلي البعيد.
وحين كان يغلب على أهل الجنوب الحضارة والمدنية، إذ كان لهم حظ كبير في العلوم والمعارف، ويحذقون كثيرا من الصناعات المختلفة: كصقل السيوف، وتقويم الرماح، ونسج البرود والأكسية والثياب، كان عرب الشمال أهل بداوة، يحتقرون الصناعات وبعض العلوم غالبا؛ وذلك تبعا للبيئة والأمم المجاورة.
[ ١٦٠ ]
٢- وكانت الأمية تغلب على العرب جميعا، سواء منهم أهل الجنوب أم الشمال، غير أن أهل الجنوب كانوا أكثر إلماما بصناعة الكتابة من أهل الشمال، كما كانوا أسبق منهم إلى معرفة الخط.
وكان الخط اليمني يكتب بحروف منفصلة ويسمى المسند الحميري، وهو مشتق من الخط الفينيقي المأخوذ من الهيروغليفي "المصري القديم". ومن اليمن انتقل الخط المسند إلى كندة والنبط، ومنها إلى الحيرة والأنبار، ثم نقل إلى الحجاز على يد حرب بن أمية بعد أن دخله تغيير أبعده عن صورة المسند الحميري.
فالخط المصري من أقدم الخطوط المعروفة، وهو مبدأ سلسلة الخط العربي باتفاق المؤرخين غربيين وشرقيين، وعنه أخذ الفينيقيون "سكان ساحل الشام غربي جبال لبنان" خطهم الفينيفي لترددهم على مصر بالتجارة، إلا أنهم زادوا فيه حروفا، وأدخلوا عليه من التعديل ما صيره أسهل تناولا. وعن الفينيقيين أخذت أمم شتى "أصول" خطوطها؛ ففي شمال بلاد العرب الآراميون وهم من الأمم السامية القديمة التي كانت تسكن شمالي بلاد العرب في فلسطين والشام والعراق، وفي جنوبها الحميريون.
ومن هنا اختلف مؤرخو العرب والفرنجة، فيرى الأولون أن النبطيين "سكان مدين والعقبة والحجر وفلسطين وحوران" أخذوا خطهم عن الحميريين وأصحاب المسند، بدليل ما عثر عليه فيها من الآثار الكتابية بالخط المسند، ولأن النبط كانوا متصلين باليمن تجاريا، وكان اليمنيون في ذلك الوقت على جانب عظيم من الحضارة، ثم أخذ أهل الحيرة والأنبار خطهم عن هؤلاء النبط، وعن كندة التي أصلها من حمير، وعن هاتين المدينتين انتقل الخط الحميري "النسخي" إلى الحجاز بوساطة بعض التجار الحيريين١ ولكن لم يتعلمه منهم
_________________
(١) ١ ويقال: إن حرب بن أمية كان قد صادق بشر بن عبد الملك أخا أكيدر صاحب دومة الجندل، بسبب أسفاره التجارية، واستصحبه إلى مكة، وزوجه بنته =
[ ١٦١ ]
إلا القليل ولذا سموا بالأميين، وكان خطهم ضعيفا، ودون ما كان عليه عند حمير بمراحل؛ لمكانهم من البداوة ومكان أولئك من الحضارة، كما يقول ابن خلدون. وقد عمل رسول الله -ﷺ- بعد غزوة بدر على نشره بتشجيعه المعروف.
وخلاصة رأي هؤلاء المؤرخين: أن الخط الحجازي النسخي مأخوذ عن المسند، لا عن الآرامي أخيه، فمنشأ الخط كان في اليمن١، ثم انتقل منها إلى العراق، حيث
_________________
(١) = الصهباء، فأقام بمكة مدة، علّم بها نفرا من أهلها الكتابة، منهم حرب هذا، وقيل: إن الذي علمه هو عبد الله بن جدعان وقيل غير ذلك، وقد أشار إلى الرواية الأولى بعض الشعراء فقال: ولا تجحدوا نعماء بشر عليكم فقد كان ميمون النقبة أزهرا أتاكم بخط الجزم حتى حفظتمو من المال ما قد كان شتى مبعثرا فأجريتمو الأقلام عودا وبدأة وضاهيتمو كتاب كسرى وقيصرا وخط الجزم هو الخط الذي تفرع من المسند الحميري.
(٢) ويذهب البعض إلى أن الخط العربي من وضع جماعة من طيء، سكنوا الأنبار، وضعوه قياسا على هجاء السريانية "٤/ ٢٤٢ العقد الفريد"، ثم تعلمه منهم أهل الأنبار، وأخذه عنهم أهل الحيرة، أخذه بشر بن عبد الملك أخو أكيدر صاحب "دومة الجندل"، وكانت له صحبة بحرب بن أمية لتجارته عندهم في بلاد العراق، فتعلم حرب منه الكتابة، ثم سافر مع بشر إلى مكة، فتعلم منه جماعة من أهلها "٣/ ٣٦٨ بلوغ الأرب، ٢/ ٢٤٦ المزهر". ورأى بعض آخرون أن أهل مكة تعلموا الكتابة من إياد أهل العراق، وكانوا يكتبون "٣/ ٣٦٩ بلوغ الأرب". ويذهب آخرون إلى أن إسماعيل هو الذي وضع الكتابة العربية "٢/ ٢٤٢ المزهر". وذهب غيرهم إلى أن أول من وضع الكتابة هم أبناء إسماعيل "ص٧ الفهرست لابن النديم". وقيل: واضعها جماعة، هم: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، فكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، والباقون ملوكا بمدين، وقيل: ببلاد مضر "٢/ ٣٤٨ المزهر".
[ ١٦٢ ]
تعلمه أهل الحيرة، وعنهم تعلمه أهل الأنبار، وعنهم أخذه جماعة من أهل الحجاز، وينسب هذا الرأي لابن عباس١.
ومهما كان فالحجازيون هم الذين عرفوا الكتابة قبل عرب الجزيرة الشماليين. ولما جاء الإسلام كان في قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب، ومنهم: الشفاء بنت عبد الله العدوية، كانت تحسن الكتابة، وكذلك جماعة من النسوة، وفي المدينة قليل من الأوس والخزرج يكتبون، ومنهم سويد بن الصامت، وحضير الكاتب، وكانا من أهل يثرب٢.
أما مؤرخو الفرنجة فيقولون: إن الخط الحيري مأخوذ عن النبطي كما قال مؤرخو العرب، ولكنهم يقولون: إن النبط أخذوا خطهم عن الخط الآرامي؛ لقرب الآراميين من النبط، وإن الخط الكوفي متولد عن نوع من الخط السرياني، يسمى السطرنجيلي قبيل الإسلام، بدليل تشابههما في الحروف، واتفاقهما في بعض قواعد الرسم: كحذف ألف المد من "الظالمين" و"كتاب"، وفي الأغراض التي يستخدمان فيها، وهي: النقش على جدران المعابد، وكتابة الكتب السماوية.
وعلى هذا الرأي، فالمسند لا دخل له في سلسلة الخط العربي بنوعيه، بخلاف الآرامي، وهذا عكس ما يقول مؤرخو العرب في هذه النقطة وكانت الكتابة على العسب والرقوق والعظام حتى اخترع الورق سنة ١٢٠هـ.
_________________
(١) ١ ٢/ ٣٤٩ المزهر للسيوطي. ٢ ١٥/ ١ تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي.
[ ١٦٣ ]
إسكنر
٣- وأما اللغة فقد كانت الحميرية هي السائدة بين عرب الجنوب، ويقال: إن إسماعيل -﵇- تكلم بلسان جرهم، وكان لسانه قبل ذلك: إما سريانيا كأهل فلسطين، أو كلدانيا كأهل كلدانيا؛ لأن إبراهيم أباه عاش في كليهما، أو مصريا تبعا لأمه هاجر. ويظهر أن لغة إسماعيل تأثرت بكل من هذه اللهجات الثلاث، وقد نشأت سلالته في الحجاز على العربية الفصحى.
على هذا كانت لغة أهل الحجاز تخالف لغة أهل اليمن من بعض الوجوه، وتظهر بعض الفوارق في المفردات؛ فمثلا: المدية عند اليمنيين تسمى سكينا في لغة أهل الحجاز، كما تظهر أيضا في أسماء الإشارة والضمائر وأدوات التعريف وأوجه الإعراب إلخ. ولما نزل القرآن الكريم بلغة قريش أهملت العرب لغة حمير، فكادت تنعدم ولم يبق منها إلا القليل، كالتي تسمى جعجعة قضاعة، وشنشنة اليمن، وتلتلة بهراء، وطمطمة حمير١.
_________________
(١) ١ الجعجعة: جعل الياء جيما، تقول في "الراعي خرج معي": الراعج خرج معج، والشنشنة: جعل الكاف شينا، تقول في "أطع أباك وأمك": أطع أباش وأمش، والتلتلة: كسر حرف المضارعة كلهجة المصريين، والطمطمة: جعل أم بدلا من ال كقول بعض بني حمير للنبي -ﷺ: "أمن أمبر أمصيام في أمسفر؟ "، أي: أمن البر الصيام في السفر؟
[ ١٦٤ ]
٤- وتوجد فوارق أخرى خِلْقِيَّة بين عرب الشمال والجنوب ترجع إلى لون البشرة وشكل الرأس وطول القامة؛ فأهل الشمال يغلب عليهم جمال الوجه واستدارته، وكبر الرأس وطول القامة، والبياض الضارب إلى السمرة، وهي خصائص الجنس السامي.
أما أهل اليمن، فقليلا ما تتوفر فيهم هذه الصفات السامية، بل يغلب عليهم السواد، وتشبه سحنهم من وجوه كثيرة سحنة الإفريقيين من الأحباش.
وكان أساس الاجتماع عند العرب كما تقدم شماليين وجنوبيين هو الأسرة التي يكونها الرجل منهم بالزواج والتناسل ولا يزال يقوم عليها، ويعنى بكل حاجياتها حتى تشتد سواعد أبنائها، ويصبحوا قادرين على الكسب، فيقوم فيهم الوالد يرشدهم بما كسبه من التجارب ويدلهم على طرق الخير بما أفاءت عليه الظروف من حكمة وعقل، ويفصل بينهم في المنازعات المختلفة التي قد تقوم بينهم، فلا يتركهم يتفرقون حتى لا يطمع فيهم طامع، إذ هم مصدر عزته وجاهه، وتستمر الأسرة في الزيادة حتى تتكون القبيلة.
والعرب الحجازيون: بدو وحضر، وبين الفريقين تفاوت كبير في التقاليد والعادات والأخلاق:
أما البدو، فهم قوم رحّل يسكنون الخيام، ولا يقرون في مكان، ينتجعون الكلأ، ويتتبعون مساقط الماء ومنابت العشب، يرحلون إليها بأنعامهم التي يغتذون بلحومها وألبانها، ويكتسون بأصوافها وأوبارها، وهم -لجدب بلادهم، وانصرافهم عن أوجه التكسب الأخرى- كانوا يقنعون من العيش بالكفاف، ولا يفتنّون في المطاعم والملابس، بل كانوا يعيشون غالبا على اللبن والتمر واللحم. ولقلة مواطن الكلأ لديهم، وميلهم إلى الانتقام
[ ١٦٥ ]
والأخذ بالثأر، كثرت الحروب بينهم كثرة مفزعة، وكانت نيرانها لا تخبو إلا لتشتعل، وكانوا يأنفون من الاشتغال بالزراعة والصناعة، ويرون أنهم لم يخلقوا إلا للقتال ولم يعدهم الدهر إلا للصراع والنزال، وأنه لا ينبغي أن يتناولوا رزقهم إلا من سيوفهم ورماحهم، ولم يكن لديهم سوى نظام القبيلة.
والقبائل العربية كانت متعادية، متنافرة، أما أفراد القبيلة الواحدة فكانوا متضامنين أشد التضامن؛ ما يغنمه أحدهم فهو للقبيلة، وما يصيبه فعليها، يعتز كل منهم بنسبها ويفاخر بحسبها ويوافقها على خطئها وصوابها:
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد
وإذا اعتدي على أحدهم، هبوا إلى نصرته سراعا، زرافات ووحدانا:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا١
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
لكن أخاهم، إذا جرّ عليهم المغارم، واسترسل في جناياته، تخلوا عنه وأعلنوا براءتهم منه، ويسمى عندهم "خليعا".
وقد كان أساس العصبية عند العرب هو النسب؛ ولذلك كانت العصبية القبلية هي أقوى العصبيات؛ لقربها واتحادها، وشدة ارتباط أفرادها، وهنالك عصبيات أخرى كالحلف والولاء:
الحلف:
فالحلف -أو المعاهدة- يجمع بين القبائل ولو تباعدت أنسابها، وإنما يلتجئون إلى هذا النوع -في الغالب- حينما يفتقدون القوة والنصرة في ذوي القرابة، فيتعاقدون ويتناصرون مع الأباعد لتتوفر لهم أسباب القوة التي ينالون بها الرياسة، أو يدفعون عن أنفسهم الظلم والعدوان، أو يغالبون بها من سواهم، وهذه العصبية أضعف من العصبية القبلية.
_________________
(١) ١ بضم الواو: جمع واحد وواحدة بمعنى منفرد، والزرافات: جمع زرافة -بفتح الزاي- الجماعة وهذا كقول سلامة بن جندل: كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصراخ له قرع الطنابيب
[ ١٦٦ ]
الولاء:
والولاء هو الرابطة التي كانت توجد بين العرب والأعاجم الذين عاشوا بينهم، ويسمون هؤلاء الأعاجم موالي، ومثلهم الأسرى الذين لم يستطيعوا فداء أنفسهم، وكان العرب يسمون هؤلاء جميعا بسمة القبيلة؛ لأن كل قبيلة كان لها سمة خاصة تعرف بها، وتسم بها رايتها وإبلها كيا بالنار.
وكان المولى يرث من القبيلة التي استلحق بها، كما يرث الصريح من أبنائها.
الخلع:
وضد الولاء "الخلع"، فكان الرجل إذا ساءه أمر من ابنه أو من مولاه خلعه أي: نفاه عن نفسه، فيصبح غير مرتبط بالمولى وتصبح قبيلته -تبعا له- في حل من جميع التصرفات التي يرتبط بها المولى ولا يتحملون جريرتها، وقد يعلنون ذلك الخلع في سوق عكاظ، فيبعثون مناديا ينادي فيه بذلك، وقد يكتبون به كتابا١.
عصبية الأبوة:
وعصبية النسب معناها الانتساب إلى الأب، فقد كان هو المعول عليه في القرابة عند العرب٢. وقد روى المبرد أن رجلا من الأزد كان يطوف بالبيت وهو يدعو لأبيه، فقيل له: ألا تدعو لأمك؟ فقال: إنها تميمية٣.
_________________
(١) ١ من أشهر حوادث الخلع -قبل الإسلام- خلع كل من عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد من عشيرتهما، وسبب ذلك أنهما ذهبا في الجاهلية بتجارة إلى الحبشة واختصما في الطريق، فأساء عمارة إلى عمرو فأضمر عمرو له الشر، فكتب إلى أبيه أن يخلعه؛ دفعا لما قد يجره عليه من المكروه إذا هو آذى عمارة، وكتب كذلك عمارة إلى أهله بمثل ما كتب عمرو، فخلعت كل من العشيرتين صاحبها، وأرسلوا بذلك مناديا إلى مكة. راجع التمدن الإسلامي جـ٤ ص١٩ عن الأغاني. ٢ قال شاعرهم: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد ٣ الكامل جـ١ ص١٩٨.
[ ١٦٧ ]
عصبية الخئولة:
ومع شدة تمسك العرب بعصبية الأبوة وتقديمها على عصبية الأمومة، فقد كانوا إلى جانب ذلك يرعون حق الأمومة، ويسمونها "عصبية الخئولة".
وأوضح شواهد على ذلك نصرة أهل المدينة للنبي؛ لأن أم النبي -ﷺ- من بني النجار من الخزرج، وهي قبيلة قحطانية، وأبوه من قريش، وهي قبيلة عدنانية، فلما توفي والده التجأت أمه إلى أخواله بني النجار بالمدينة فأكرموا وفادتها، ولما بلغ أشده واستوى وآتاه الله العلم والحكمة واضطهدته قريش ومن تبعه، هاجر إلى المدينة في حماية أخواله وأتباعه؛ لأن خئولة بني النجار جعلت الخزرج كلهم أخواله، وكل الحوادث في المدينة تدل على أن بني النجار كانوا دائما في مقدمة المحامين عن الرسول وأتباعه بعد الهجرة.
ونذكر بعد ذلك أيضا من الحوادث، أن بني كلب انضمت إلى معاوية بن أبي سفيان حينما نهض للمطالبة بدم عثمان، ولعل أهم سبب في انضمامهم أن نائلة زوج عثمان كانت من قبيلتهم، وأمثلة ذلك كثيرة في الجاهلية وبعد الإسلام.
آثار العصبية القبلية:
ومن الواضح أن العصبية القبلية كانت من أهم أسباب النزاع الذي نشب بين العرب في الجاهلية، وقد اتخذت هذه العصبية أشكالا مختلفة، ظهرت في شكل مفاخرات، وفي شكل منافرات، وأخيرا جرّت إلى نشوب معارك دموية، وأورثت أحقادا وحزازات تأصلت في نفوس العرب. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها صاحب الدعوة -﵇- في محوها من نفوسهم، فقد بقيت تشغل معظم تاريخ النزاع في جزيرة العرب، وفي غيرها أيضا حوالي ثلاثة قرون من الزمان.
وأشهر حوادث المنافسة ما كان بين القبائل القحطانية والعدنانية، وقد يفوت القارئ ملاحظة ذلك أثناء اطلاعه على تاريخ المعارك؛ لأنهم قلما يذكرون انتساب القبائل إلى إحدى هاتين العصبيتين، فيقولون مثلا:
[ ١٦٨ ]
"ونشبت الحرب بين قيس وكلب" ولا يذكرون أن قيسا من العدنانية وكلبا من القحطانية لاعتقادهم أن القارئ يعلم ذلك، وعلى هذا النحو قولهم: تفاخرت قحطان ونزار، أو معد واليمن، أو مضر وحمير، أو هوازن وكهلان، أو قيس وهمدان إلخ.
على أن النزاع الذي حدث بين هذه القبائل، لم يكن أعظم عنفا وأثرا مما حدث بين بني العباس وبني أبي طالب وهما جميعا من بني هاشم، ولا مما حدث بين بني هاشم وبني أمية، وكلاهما من بني عبد مناف.
موقف الإسلام منها:
أما موقف الإسلام من العصبية القبلية، فكان موقفا عدائيا، فإن صاحب الرسالة -﵇- قد دعا إلى الوحدة، والتضامن، ونبذ الخلاف والشقاق والأنانية، وعمل على إزالة الفوارق، ونشر العدالة، وأعلن المساواة بين الناس، وكان آخر ما خاطب به الناس في حجة الوداع: "إن ربكم واحد، وأباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى".
٥- مكانة الشاعر:
وكانوا يحبون الشعر والاستماع له؛ لأنه ديوانهم الذي يخلد مفاخرهم، ويسجل أنسابهم ووقائعهم، ويذكي نار الحماسة في نفوسهم، وكان لكل قبيلة شاعر أو أكثر، يناضل عن أحسابها، ويشيد بمفاخرها، ويذود عن حياضها.
اللهو:
كما كانوا يلهون بالخمر، وغناء القيان، ولعب القمار، وصيد الوحوش بالكلاب المعلّمة أو بالخيل أو بحفر "الزبية". ومن أمثالهم: بلغ السيل الزبى، وكل الصيد في جوف الفرا.
[ ١٦٩ ]
أثر المرأة:
وكانت المرأة البدوية تشاطر زوجها أعباء الحياة؛ فتواسي الجرحى وتقف خلف الصفوف تبعث الحمية في نفوس الرجال فيستميتون في القتال؛ خوفا على نسائهم أن يقعن في السبي. وفي السلم تنسج الخيام والملابس وتخيطهما، وتحضر الماء وتطهي الطعام وتصنع الأقط والزبد، وكانت سافرا تقابل الضيوف وتقريهم، وتستشار في زوجها فتقبل أو ترفض.
وقد كثر ذكرها في أشعارها واحتلت الذروة منها وافتتحوا بها قصائدهم، وكثيرا ما نراها واقفة في وجه زوجها تصده عن الاسترسال في الكرم والقتال ضنا بنفسه وبماله، فلا يثنيه ذلك عما ركب في طبيعته من حب السخاء والشجاعة؛ إيثارا لحسن الأحدوثة وجمال الذكر.
قال أحد شعرائهم القدامى:
وعاذلة هبت بليل تلومني ولم يغتمز في قبل ذاك عذول
تقول: اتئد لا يدعك الناس مملقا وتزري بمن يابن الكرام تعول
فقلت: أبت نفس علي كريمة وطارق ليل غير ذاك يقول
ولكن العرب -لشدة غيرتهم على نسائهم وحرصهم على أعراضهم أن تثلم، ولأن حياتهم حياة حربية، ثم لفقرهم- كرهوا البنات، وقالوا: دفن البنات من المكرمات. ومما يروى في ذلك، أن رجلا تحول عن بيت زوجه إلى بيت جاره حين ولدت بنتا، فسمعها ذات يوم تغني، وهي ترقصها:
ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا والله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا ونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوه فينا
فأثر ذلك في نفسه، وعاوده حدب الوالد على ولده.
وقد أسرف بعضهم في بغضهن فاستباح وأدهن. واستفظع ذلك كثير من عقلائهم، فكانوا يفدونهن من أهلهن ويحتضنونهن، ومن هؤلاء صعصعة بن ناجية، وبه افتخر الفرزدق، فقال:
[ ١٧٠ ]
ومنا الذي أحيا الوئيد، وغالب وعمرو، ومنا حاجب والأقارع
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا -يا جرير- المجامع
ومن الحجازيين الذين استنكروا الوأد، زيد بن عمرو بن نفيل القرشي كان يستحيي الموءودات، فإذا بصر برجل يهم بوأد بنته، قال له: لا تقتلها، أنا أكفيك مئونتها، ويأخذها وينفق عليها حتى تكبر، ثم يقول لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مئونتها. ويقال: إنه أحيا ستا وتسعين موءودة١.
وأما ما أثر من أخبار العهر٢، فخاص بالإماء دون الحرائر.
أما الحضر:
فكانوا يسكنون المدن، ويبنون الدور والقصور، ويفتنون في المطعم والمشرب والمسكن، ويشتغلون بالصناعة والزراعة والتجارة، ولا يرون في ذلك بأسا ولا غضاضة، وهؤلاء هم سكان مكة والمدينة والطائف وبعض القرى الحجازية الأخرى.
القرشيون والتجارة:
وكان القرشيون أهل تجارة يغدون ويروحون في جزيرة العرب آمنين مطمئنين وقد اتسعت تجارتهم، فامتدت إلى الشام واليمن وكانت إلى الأولى رحلتهم الصيفية، وإلى الثانية رحلتهم الشتوية، كما شملت الحبشة والفرس والهند، وقد تقسم أولاد عبد مناف هذه الأقطار: فكان هاشم يذهب إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس. وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار، بحبال هؤلاء الإخوة، فلا يتعرض لهم؛ لأن كل أخ منهم كان قد أخذ من ملك ناحية سفره أمانا له٣ وإنما استأثرت قريش بالتجارة لما كانت تتمتع به بين العرب من
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب للألوسي ٣/ ٤٥، وراجع ٥٠/ ٥ البخاري. ٢ عهر المرأة كمنع عهرا وعهورا وعهارة وعاهرها: أتاها الفجور، أو زنى "قاموس". وفي المصباح: عهر كتعب وقعد في لغة: فجر. ٣ وفي ذلك يقول الشاعر: يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف؟ الآخذون العهد من آفاقها والراحلون لرحلة الإيلاف والخالطون غنيهم بفقيرهم حتى يكون فقيرهم كالكافي
[ ١٧١ ]
أمن على أموالها وقوافلها لمنزلتهم الدينية في نفوس سكان الجزيرة. قال الزمخشري وصاحب القاموس: وكان لقريش رحلتان: يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتهم آمنين؛ لأنهم أهل حرم الله، وولاة بيته، والناس يتخطفون من حولهم، فإذا عرض لهم عارض، قالوا: نحن أهل حرم الله، فينصرف عنهم من غير أن يمسهم بسوء. ولهذه الرحلات وما فيها من مشاهدات أثر كبير في رقيهم الثقافي والفكري؛ لذلك كانوا أرقى عرب الشمال عقلا، وأسماهم فكرا وثقافة.
النسيء:
ومعناه: التأجيل والتأخير، وأصله أن العرب كانوا على دين إبراهيم -﵇- يعتقدون تعظيم الأشهر الحرم، وهي أربعة: المحرم، رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، وكانوا يتحرجون فيها من القتال، ولكنهم كانوا يكرهون توالي ثلاثة أشهر من غير قتال ونفوسهم مجبولة على الحروب وشن الغارات، فكانوا إذا احتاجوا إلى الحرب في المحرم أخّروا تحريمه إلى صفر، فإن احتاجوا أيضا إلى الحرب في صفر أحلوه وحرموا مكانه ربيعا الأول، وهكذا حتى استدار التحريم على جميع فصول السنة، وانعدم ضبط الأشهر الحرم، وضاعت خصوصيتها اعتمادا على تحريم مجرد العدد.
أما كيفية ذلك، فكان الرجل من كنانة يقوم على باب الكعبة، أو عند جمرة العقبة إذا صدر الحاج من منى، فيقول: أنا الذي لا أعاب، ولا أخاب، ولا يرد لي قضاء، فيقولون: صدقت، أنسئنا شهرا، فيقول: إني أحللت لكم شهر كذا وأنسأته وحرمت مكانه شهر كذا "ويسمي الشهر".
وكان من عادتهم أيضا تأخير أشهر الحج أو أشهر أخرى، يقصدون بذلك أن يأتي الحج في فصل معين من السنة لا يختلف باختلاف الفصول حتى
[ ١٧٢ ]
يتمكنوا من أدائه من غير مشقة ولا عنت، ومن غير أن تتأثر مصالحهم بأدائه؛ لأن حجهم -حسب شريعة إبراهيم- كان يقع في شهر ذي الحجة، وهو من الشهور الهلالية التي تدور في كل فصل من فصول السنة ولا توافق فصلا معينا، فربما أدركهم هذا الشهر وهم مشغولون بشئون معاشهم، فلا يستطيعون السفر للحج والتجارة كما هي عادتهم.
وقد حرم الله النسيء بنوعيه، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية.
أما تخصيص هذه الأشهر بالحرمة، فلفضل مزيتها؛ لأن المحرم يبدأ به العام ورجبا وسطه والقعدة والحجة آخر العام، إشارة إلى وجود السلم في العام كله، فإذا حدثت الحرب لا ينبغي أن تشغل جميع العام، بل يجب أن تنقطع بفترات من السلم في الأول والوسط والآخر؛ تهدئة لنارها، وإراحة للناس من عنائها وويلاتها، وفتحا لمجال المصالحات والمهادنة، وإنما كان الختم بشهرين لوقوع فريضة الحج فيهما وهي التي لا تؤدى إلا في سلام ووئام تامين.
[ ١٧٣ ]