وقد اختلف النقاد كذلك في نسبة اللامية التي مطلعها:
إن بالشعب الذي جنب سلع لقتيلا دمه ما يطل
فنسبها بعضهم، كأبي تمام في حماسته١، إلى تأبط شرا، ولم يشر إلى أنها قد تنسب إلى غيره. ونسبها بعضهم إلى الشنفرى٢، ولم يشر كذلك إلى أنها قد تنسب إلى غيره. ونسبها بعضهم إلى ابن أخت تأبط شرا، قالها في خاله.
وسواء أكانت هذه القصيدة لتأبط شرا أم لابن أخته أم للشنفرى، فهي جاهلية صحيحة وليست منحولة. وهؤلاء جميعا كانوا يضطربون في بيئة حجازية؛ فناظم هذه القصيدة إذًا -وأيا كان هذا الاختلاف- جاهلي حجازي، بيد أن عقدة هذا الموضوع فيما ذكروه من أن خلفا هو ناظم هذه القصيدة، وقد نحلها تأبط شرا.
_________________
(١) ١ جـ١ ص٣٤٨. ٢ الأغاني ٦/ ٨٦، ٨٧، وأمالي المرتضى ١/ ٢٨.
[ ٣٦٣ ]
فلنبدأ بمناقشة أقوال من ذهب إلى أنها منحولة، ثم نعقب بما يثبت رأينا من الأخبار والأقوال.
قال التبريزي: قال: قال النمري١: ومما يدل على أنها لخلف الأحمر قوله فيها: "جل حتى دق فيه الأجل"، فإن الأعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا. قال أبو محمد الأعرابي٢: هذا موضع المثل: "ليس بعشك فادرجي" وليس هذا كما ذكره، بل الأعرابي قد يتغلغل إلى أدق من هذا لفظا ومعنى، وليس من هذه الجهة عرف أن الشعر مصنوع، لكن من الوجه الذي ذكره لنا أبو الندى٣.
قال: "مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه سلعا، وهو بالمدينة، وأين تأبط شرا من سلع؟ وإنما قتل في بلاد هذيل ورمي به في غار يقال له: رخمان". وفي هذا النقض دليل على إحساس الأقدمين أنفسهم بضعف قول من قال: إن هذه القصيدة لخلف نحلها تأبط شرا أو ابن أخته، وما هو هذا المعنى الفلسفي العميق الذي لا يستطيع أن يتغلغل إليه الأعرابي؟ إنه كما قالوا نصف بيت في القصيدة كلها وهو قوله: جل حتى دق فيه الأجل. فإذا كشفت عن هذا المعنى لم تجده يعني شيئا غير قوله: إن وفاة هذا الرجل لأمر عظيم يصغر بإزائه كل عظيم من الأمور. فأي عمق في هذا القول لا يدركه الأعرابي ومن هو دون الأعرابي٤.
بيد أن الدليل الذي أقامه أبو الندى على أنقاض هذا الدليل؛ لإثبات أن هذه القصيدة مصنوعة، وهو أن الشاعر ذكر سلعا وسلع: جبل بالمدينة،
_________________
(١) ١ أحد شراح حماسة أبي تمام المتقدمين قبل التبريزي. ٢ هو الحسن بن أحمد المعروف بالأسود الفندجاني، علامة نسابة، عارف بأيام العرب وأشعارها، من رجال آخر القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس. "ترجمته في نزهة الألباء ٢٣٩، ومعجم الأدباء ٧/ ٢٦١-٢٦٥". ٣ هو محمد بن أحمد، أبو الندى، كان أبو محمد الأعرابي يكثر من الرواية عنه والاعتماد عليه "معجم الأدباء ١٧/ ١٥٩-١٦٤". ٤ المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، تأليف: الدكتور عبد الله الطيب ص٧٦، ٧٧، التعليق رقم ١.
[ ٣٦٤ ]
منقوض أيضا؛ فإن سلعا -كما ورد في القاموس مادة سلع، وفي معجم البلدان- اسم لعدة مواضع، ومنها كما نص الأقدمون أنفسهم جبل بهذيل، وقد وضح نقض هذا الخبر الذي يتهم خلفا بوضع هذه القصيدة ونحلها الشنفرى أو تأبط شرا أو ابن أخته، حيث قد رجح لدينا أن أكثر هذه القصيدة لا يمكن أن يكون موضوعا متكلفا منحولا.
ويجدر بنا -بعد هذا- أن نورد كيف التبس الأمر على القوم في هذه القصيدة؟ فقد أورد الخالديان اثني عشر بيتا من هذه القصيدة ونسباها الشنفرى، ثم قالا: وقد زعم قوم من العلماء أن الشعر الذي كتبنا للشنفرى هو لخلف الأحمر، وهذا غلط. ونحن نذكر الخبر في ذلك: أخبرنا الصولي، عن أبي العيناء، قال: حضرت مجلس العتبي، ورجل يقرأ عليه الشعر للشنفرى، حتى أتى على القصيدة التي أولها:
إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل
فقال بعض من كان في المجلس: هذه القصيدة لخلف الأحمر. فضحك العتبي من قوله، فسألناه عن سبب ضحكة؟ فقال: والله ما لآل أبي محرز خلف من هذه القصيدة بيت واحد، وما هي إلا للشنفرى، وكان لها خبر طريف لم يبق من يعرفه غيري. قلنا: وما خبرها؟ قال: جلسنا يوما بالمربد، ونحن جماعة من أهل الأدب، ومعنا خلف الأحمر نتذاكر أشعار العرب، وكان خلف الأحمر أروانا لها وأبصرنا بها، فتذاكرنا منها صدرا، ثم أفضينا إلى أشعارنا، فخضنا فيها ساعة، فبينا خلف ينشدنا قصيدة له في روي قصيدة الشنفرى هذه وقافيتها، يذكر فيها ولد أمير المؤمنين عليهم الرحمة، وما نالهم وجرى عليهم من الظلم، إذ هجم علينا الأصمعي، وكان منحرفا عن أهل البيت، وقد أنشد خلف بعض الشعر، فلما نظر الأصمعي قطع ما كان ينشده من شعره ودخل في غيره إلا أنه على الوزن والقافية، ولم يكن فينا أحد عرف هذا الشعر ولا رواه للشنفرى، فتحيرنا لذلك وظنناه شيئا عمله على البديهة. فلما انصرف الأصمعي قلنا له: قد عرفنا غرضك فيما فعلت، وأقبلنا نطريه
[ ٣٦٥ ]
ونقرظه، فقال: إن كان تقريظكم لي لأني عملت الشعر، فما عملته والله، ولكنه للشنفرى يرثي تأبط شرا، ووالله لو سمع الأصمعي بيتا من الشعر الذي كنت أنشدكموه ما أمسى أن يقوم به خطيبا على منبر البصرة فيتلف نفسي. فادعاء شعر، لو أردت قول مثله ما تعذر علي، أهون عندي من أن يتصل بالسلطان، فألحق باللطيف الخبير. قال أبو العيناء: فسألنا العتبي شعر خلف الذي ذكر فيه أهل البيت، فدافعنا مدة، ثم أنشد:
قدك مني صارم ما يفل وابن حزم عقده لا يحل
ينثني باللوم من عاذليه ما يبالي أكثروا أم أقلوا
"وهي ٤٧ بيتا أوردها كلها، ثم قال": كتبنا هذه القصيدة بأسرها؛ لأنها في سادتنا ﵈، ولأنها أيضا غريبة لا يكاد أكثر الناس يعرفها١.
_________________
(١) ١ حماسة الخالديين "مخطوط في دار الكتب المصرية رقم ٥٨٧ أدب" ورقة ١٢٠-١٢٢.
[ ٣٦٦ ]