هذا الصنف من التكرار أبسط الأصناف جميعًا وهو الأصل في كل تكرار تقريبًا، وإليه قصد القدماء بمطلق لفظ "التكرار" الذي استعملوه. وقد مثل له البديعيون بتكرار ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن. والغرض العام من هذا الصنف هو التأكيد على الكلمة المكررة أو العبارة. فالشاعر مالك بن الريب، وهو يحتضر في مدينة مرو، على مبعدة من أهله في "الغضى" يحس بالحنين إلى دياره وذويه فيكرر لفظ "الغضى" في شبه حمى حتى يبلغ ما كرره خمس مرات في بيتين:
[ ٢٨٠ ]
فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه وليت الغضى ماشى الركابَ لياليا
لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى مزارٌ، ولكن الغضى ليس دانيا
إن إلحاح هذا الشاعر على كلمة "الغضى" يدل على حرقة الحنين التي تعصف بقلبه ساعة الموت. ومثله العذوبة التي يلوح أن ابن الفارض يحسها وهو في نجواه الصوفية المختلجة بالعواطف حين ينادي:
يا أهل ودي أنتم أملي، ومن
ناداكمو، يا أهل ودي، قد كُفي١
إن هذين النموذجين، كسواهما من نماذج الشعر القديم، يعرضان في التكرار أسلوبًا "جهوريًّا" يماشي الحياة العربية القديمة التي كان الشاعر فيها يعتمد على الإلقاء أكثر مما يعتمد على الحروف المكتوبة، والتكرار يقرع الأسماء بالكلمة المثيرة ويؤدي الغرض الشعري. ومن ثم فلا بد لنا من ملاحظة الفرق بين هذه الجهورية وتلك الرهافة والهمس في تكراراتنا الحديثة التي يؤدي بها الشاعر معاني أكثر اتصالًا بخلجات النفس والحواس. لنأخذ مثلًا هذه الأبيات لبدر شاكر السياب:
وكان عام بعد عام
يمضي، ووجه بعد وجه، مثلما غاب الشراع
بعد الشراع ٢
_________________
(١) ١ هذا البيت يدخل في نطاق ما يسميه البديعيون "رد العجز على الصدر" وإن كان بالنسبة لبحثنا هذا تكرارًا محضًا. ٢ أساطير، لبدر شاكر السياب. النجف ١٩٥٠ – ص١٤.
[ ٢٨١ ]
فأية حركة ملموسة في هذا التكرار الذي يضع أمامنا شريطًا يتحرك ببطء وتتعاقب في الأعوام كما تتلاشى أشرعة السفن.
وهذا بيت آخر لبدر شاكر السياب يعبر عن حركة مماثلة تزخر بها الكلمات إلى درجة أخاذة:
ودم يغمغم وهو يقطر ثم يقطر
"مات مات"١:
وليس في إمكان قارئ هذا البيت إلا أن يقف معجبًا بهذا التوازن الهندسي بين "يقطر ثم يقطر" و"مات مات" فكأن كل قطرة من الدم تغمغم "مات مات". والواقع أن الفعل "غمغم" نفسه يحتوي في داخله على تكرار لحرفي الغين والميم. وذلك لا ريب جزء غير واعٍ من البناء الهندسي المحكم للبيت. إنه مثال جيد لتكرار ناجح، فلو حذفنا منه التكرار لأسأنا إلى البيت وقضينا على هذه التعبيرية العالية فيه.
هذا إذن هو التكرار الذي يصور "حركة". ومن معاني التكرار البياني: "التردد" ومن أطرف نماذجه بيت لنزار قباني من قصيدة "الفراء الأبيض" يخاطب به قطة:
يا يا مزاحمة الذئاب أرى
في ناظريك طلائع الغزو٢
إن تكرار حرف النداء "يا" هنا يكاد يكون نكتة لطيفة تعمدها الشاعر فكأنه يريد أن يكون خطابه للقطة مهذبًا مجاملًا، ولذلك يترفق بها قبل أن يناديها "يا مزاحمة الذئاب" فيبدأ بحرف النداء ثم يتردد لحظة متهيبًا، مستجمعًا شجاعته. وهذا نموذج ثانٍ لهذا الصنف:
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٣ ٢ الفراء الأبيض، قصيدة لنزار قباني، مجلة الأديب فبراير ١٩٥٢.
[ ٢٨٢ ]
صدى هامسًا في الدجى أننا أننا جبناء١
ونموذج ثالث:
وسدى حاولت أن تؤوب معنا فهي فهي رفات٢
وشرط هذا الصنف أن تحتوي الكلمة التي يتردد عندها الشاعر على ما يبرر تحرجه من التلفظ بها، فمن دون الصدمة التي تأتي بها "مزاحمة الذئاب" و"جبناء" و"رفات" يصبح التكرار عقيمًا مفتعلًا. وقد وقع في هذا الافتعال نزار قباني نفسه في قصيدة حديثة له:
لعلك يا.. يا صديقي القديم
تركت بإحدى الزوايا٣
فإن تكرار "يا" هنا خالٍ من الغرض لأنه ليس من داعٍ قط يجعل هذه الفتاة تتحرج من أن تنادي المخاطب بأنه "صديقها القديم" فهي لا تهينه بالنداء، ولا تبوح بأكثر مما باحت به في القصيدة المكشوفة. فما الداعي إلى تلكؤها؟ والواقع أن من السهل جدًّا أن يقع الشاعر في تكرار لا داعي له سدًّا لثغرة في الوزن، وهو أمر نجد له عشرات الأمثلة المحزنة في شعرنا اليوم، خاصة في الشعر الحر الذي أردنا يوم دعونا له أن نحرر الشاعر من "الرقع" و"العكاكيز" فإذا الحرية الجديدة تزيده التجاء إليها. والشاهد التالي من شعر عبد الوهاب البياتي معروف للمتتبعين:
أبواي ماتا في طريقهما إلى قبر الحسين
عليه -ماتا في طريقهما- السلام٤
_________________
(١) ١ قرارة الموجة لنازك الملائكة "بيروت ١٩٥٧" ص٩٣. ٢ شظايا ورماد لنازك الملائكة الطبعة الثانية "بيروت ١٩٥٩" ص٣١. ٣ مجلة شعر. العدد الثاني من السنة الأولى ربيع ١٩٥٧. ٤ مجلة الآداب. تشرين الثاني ١٩٥٣.
[ ٢٨٣ ]
والحق أن البياتي لا يسامح على هذا. فإنه ذو شاعرية غنية لا تبيح له التهاون. ولعل مبالغته في استعمال التكرار في بعض قصائده توقعه في مزالق هو في غنًى عنها. ومثل هذا يقع لكثير من الشعراء الجدد الذين لا يدركون أن التكرار، ككل أسلوب شعري، يجب أن يرد في مكانه من البيت حيث يستدعيه السياق النفسي والجمالي والهندسي معًا وإلا أضر بالقصيدة.
[ ٢٨٤ ]