أما الموضوع فهو، من وجهة نظر الفن، أتفه عناصر القصيدة؛ لأنه في ذاته، قاصر عن أن يصنع قصيدة، مهما تناول من شئون الحياة. إنه مجرد موضوع خام، فليست فيه خصائص تدل الشاعر على طريقة يعالجه بها. وإنما هو أشبه بطينة في يد نحات، يستطيع أن يصنع منها ما يشاء. إن القصيدة ليست كامنة في الموضوع، وإن كان هذا لا ينفي أن من الممكن أن نصوغ، من أي موضوع، عددًا لا نهاية له من القصائد. وهذا يجعل من الضروري أن نقرر أن الموضوع شيء غير القصيدة ولا دخل له في تكوينها.
إن نظرتنا هذه إلى الموضوع تجعل الدعوة الاجتماعية -أو دعوة الالتزام- التي تضج بها الصحافة منذ سنين - دعوة غير منطقية بالنسبة
[ ٢٣٤ ]
للشعر. ذلك أنها تطالب بتحديد ما لا صلة له بالقصيدة، وهو الموضوع، وبذلك تقحم على الشعر عنصرًا غريبًا عنه. والواقع أن قيام القصيدة على موضوع اجتماعي شيء لا غبار عليه إطلاقًا، بشرط ألا نعد هذه الاجتماعية فضيلة فنية مميزة تعطي الموضوع شعرية خاصة غير عادية.
وإنما يصبح الموضوع مهمًّا، ويستحق الالتفات، في اللحظة التي يقرر فيها الشاعر أن يختاره لقصيدته، فهو إذ ذاك يوجه الهيكل ويمشي معه. وأول شرط في الموضوع أن يكون واضحًا محددًا، لا كموضوعات تلك القصائد التي تدور وتدور فلا يخرج منها القارئ بطائل. ومن هذا الصنف تلك القصائد التي يكون موضوعها عامًّا يشمل جوانب واسعة لا حدود لها من الأفكار والتصورات وهو صنف يتخلص منه الشاعر عندما يضع له عناوين عامة مثل "خواطر" أو "تأملات" أو "رباعيات" ونحو هذا. مثل هذه القصائد تستند، في واقع الأمر، إلى عقيدة واهمة من الشاعر في أن الموضوع وحده يكفي لإنشاء قصيدة، وما دامت القصيدة تعالج أفكارًا مفيدة ذات طلاوة فهي تبرر وجودها تبريرًا تامًّا. وليس هذا مقبولًا من وجهة نظر الشعر. وإنما ينبغي أن تكون القصيدة موحدة، مبنية، لا أن تمتلئ بمادة تكفي لإنشاء عشرين قصيدة.
وخلاصة ما يمكن أن نقول في الموضوع أن القصيد ليست موضوعًا وحسب وإنما هي موضوع مبني في هيكل.
[ ٢٣٥ ]