٢٦* عن علي بن زيد بن جدعان «٣» قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى
[ ٧٨ ]
ليحب [أن] «١» يُرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه» «٢» .
وعن ابن جريج قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى ليحب البيت* ٢٧ الخصب «٣»» .
وعن عطاء عن عبد الله بن عمر ﵃ قال: أحب الطعام إلى الله تعالى ما كثرت عليه الأيدي «٤» .
وعن شهر بن حوشب قال: كان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع «٥» فقد كمل «٦» كل شيء: إذا كان أوله حلالًا، وذُكر اسم الله تعالى عليه حين يوضع، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله تعالى حين يفرغ منه.
وعن جابر بن عبد الله ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «كفى بالمرء* ٢٨ شرًا أن يتسخَّط ما قرِّب إليه «٧»» .
[ ٧٩ ]
وقال جابر ﵀: هلاكٌ بالرجل يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه له، وهلاكٌ بالقوم أن يحتقروا ما قرِّب إليهم «١» .
وعن الأصمعي عن إسحق بن إبراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد ﵀، فقدم إلينا إحدى عشرة تمرةً حمراء، وقال: هذا الجهد «٢» من أخيكم، والله المستعان.
وقال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس فيهن انتظار: الجنازة «٣» إذا وجدت من يحملها. والأيِّم «٤» إذا أصبت لها كفؤًا. والضيف إذا نزل لم يُنتظر له الكلفة.
وعن بكر بن عبد الله المزني «٥» ﵀ قال: إذا أتاك الضيف فلا تنتظر به ما ليس عندك وتمنعه ما عندك، قدِّم له ما حضر، وانتظر بعد ذلك ما تريد من إكرامه.
وقال أبو خلدة «٦»: دخلنا على محمد بن سيرين ﵀ أنا وعبد الله «٧» بن عون فقال: ما أدري ما أتحفكم؟ كل منكم في بيته خبزٌ ولحم، ولكن
[ ٨٠ ]
سأطعمكم شيئًا لا أراه في بيوتكم، فجاء بشهدة «١»، فكان يقطع بالسكين ويلقمنا.
وعن الأعمش عن خيثمة «٢» قال: كان عيسى ابن مريم صلى الله عليه إذا دعا أصحابه قام عليهم، ثم قال: هكذا اصنعوا بالقِرى.
وعن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من السُّنة أن* ٢٩ يمشي الرجل مع ضيفه إلى باب الدار «٣»» .
عن أبي قتادة ﵁ قال: «لما قدم وفد النجاشي على النبي* ٣٠ ﷺ قام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، فأنا أحب أن أكافئهم «٤»» .
وسئل مجاهد ﵀ عن قول الله تعالى: ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
[الذاريات ٢٤] قال: خدمته إياهم بنفسه «٥» .
عن ثابت البناني ﵀ قال: جئت إلى أنس بن مالك ﵀ لأبيت عنده، فلما تعشينا جاء الغلام بالطسْت، فوضعه بين يدي أنسٍ، فأخذه أنسٌ، وضعه بين يديَّ، فرددته إليه، فقال لي: يا ثابت، إذا دخلت
[ ٨١ ]
على أخيك المسلم فأكرمك فاقبل كرامته: حيث أجلسك فاجلس، وما قدَّم إليك فكُل، فإن المؤمن إنما يكرم ربه ﷿ «١» .
٣١* وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وضعت المائدة فليأكل الرجل مما يليه، ولا يرفع يديه وإن شبع، وليعذِّر، فإن ذلك يخجل جليسه» . التعذير: التقصير. «٢»
وكان بعض السلف ﵃ يقول: مؤاكلة الأسخياء دواء، ومؤاكلة البخلاء داء.
وروي: الخير أسرع إلى البيت الذي يطعم فيه الطعام من السيل إلى مستقره «٣» .
٣٢* وعن عبد الله بن عمرو ﵀: «أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ قال:
أي الإسلام خيرٌ؟ قال: تُطعم الطعام وتفشي السلام على من عرفت ومن لم تعرف «٤»» .
٣٣* وعن أبي هريرة ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إنَّ كل جوادٍ في الجنة، حتم على الله تعالى، وأنا به كفيلٌ. ألا وإن كل بخيل في النار حتمٌ على الله تعالى، وأنا به كفيل. قالوا: يا رسول الله: مَنِ الجواد، ومن البخيل؟
[ ٨٢ ]
قال: الجواد من جاد بحقوق الله في ماله، والبخيل من منع حقوق الله تعالى وبخل على ربه. وليس الجواد من أخذ حرامًا وأنفق إسرافًا «١»» .
وعن أبي هريرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن السخيَّ* ٣٤ قريبٌ من الله، قريبٌ من الناس، قريبٌ من الجنة، بعيدٌ من النار. وإن البخيل بعيدٌ من الله، بعيد من الناس، بعيدٌ من الجنة، قريبٌ من النار.
ولَجاهلٌ سخيٌ أحبُّ إلى الله تعالى من عابد بخيل. وأكبر الداء البخل «٢»» وعن عبد الله بن عمرو ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ: «خلقان يحبهما* ٣٥ الله ﷿، وخلقان يبغضهما الله ﷿: فأما اللذان يحبهما الله تعالى فالسخاء وحسن الخُلُق. وأما اللذان يبغضهما الله ﷿ فالبخل وسوء الخلق.
وإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله على قضاء حوائج الناس «٣»» .
رفع الواقدي ﵀ إلى المأمون رقعةً يذكر فيها كثرة الدين وقلة* ٣٦ صبره عليه. فوقَّع فيها المأمون: أنت رجلٌ فيك خلتان: السخاء والحياء.
فالسخاء أطلق ما في يديك، والحياء منعك من إبلاغنا ما أنت عليه. وقد أمرت لك بمائة ألفٍ، فإن كنتُ أصبتُ إرادتك فازدد في بسط يدك «٤» وإن لم
[ ٨٣ ]
أصبْ إرادتك فبجنايتك على نفسك. وأنت كنت حدثتني- إذ كنت على قضاء الرشيد- عن محمد بن اسحق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش، يبعث الله ﷿ إلى عباده على قدر نفقتهم، فمن قَلَّل قُلِّل له، ومن كثَّر كُثِّر له» .
فقال الواقدي: فلمذاكرة أمير المؤمنين أعجب إليَّ من الجائزة.
٣٧* وعن جابر بن عبد الله ﵀ قال: «سُئل رسول الله ﷺ عن الإيمان؟
فقال: الصبر والسماح» .
وعن الحميدي قال: قدِمَ الشافعي ﵁ مرةً من اليمن، ومعه عشرون ألف دينار، فضرب خيمته خارجًا من مكة، وأقام حتى فرقها كلها.
٣٨* وعن أبي الحسن المدائني عن النبي ﷺ: «أنه اطَّلع من وافد قومٍ على كذبةٍ، فقال: لولا سخاءٌ فيك وَمِقَكَ الله «١» عليه لشرَّدت بك من وافد قومٍ «٢»» .
وقال: أوحى الله ﵎ إلى موسى ﵇: أن لا تقتل السامري، فإنه سخي.
وقيل للحسن بن علي رضوان الله عليهما: من الجواد؟ قال: الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك حقوقًا.
وقال أبو الحسن المدائني: تحمَّل الهُذيْل بن زُفر بن الحارث دِياتِ
[ ٨٤ ]
قومه، فأتى يزيد بن المهلب، فقال: أصلحك الله، إنه قد عظُم شأنك عن أن يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تصنع شيئًا من المعروف إلا أنت أعظم منه، وليس العجب أن تفعل، إنما العجب أن لا تفعل! فقال: حاجتك؟
فسأله أن يعينه في الديات التي تحمل، فأمر له بها وبمائة ألف درهم، فقبل الديات ولم يقبل المائة ألف درهم، وقال: ليس هذا موضعها «١» .
ودعا الحسن ﵀ حجَّامًا ليُسوِّي من شار به، فأعطاه درهمين، فقيل له في ذلك: فقال لا تدَنِّقوا فيدَنَّق عليكم «٢» .
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: ربَّ رجلٍ فاجرٍ في دينه، أخرق «٣» في معيشته-: يدخل بسماحه الجنة.
وقال شيخٌ من بني عمرو بن كلابٍ: خرج عبد الله بن جعفر ﵄ يريد الشأم، فألجأه المطر إلى أبيات، فإذا قبةٌ حمراء بفنائها رجلٌ ينادي: الذَّرى الذَّرى «٤» ! قال عبد الله: فأنخنا فدخلنا القبة، وحُطَّ عن رواحلنا، ثم أتى بجزورٍ فنحرها، فبتْنا في شِواءٍ وقديد «٥» وتحدث معنا من الليل هنيهة ثم انصرف. فلما أصبح وقف عن القبّة «٦»، وسألنا عن تنبيتنا؟
[ ٨٥ ]
وانصرف، فأتى بجزورٍ فعقرها، فقلنا: رحمك الله ما تريد إلى هذا؟! قال:
كلوا رحمكم الله طريًا، فإنا لا نطعم الضيف غابًَّا «١» . قال عبد الله ﵀:
فدعوتُ بثوبٍ فجعلت فيه زعفرانًا وصررتُ في طرفٍ منه مائة دينارٍ، ثم بعثت به إلى أهله، فقالوا: إنا لا نقدر على أخذه إلا بإذنه، فسألته أن يقبله مني، فأبى، فلما ارتحلنا وودعته أمرْتُ فألقي الثوب بين البيوت، ومضينا.
فإنا لنسير إذ لحقنا على فرسٍ مشْرعًا رُمحه «٢»، قد احمرَّت عيناه، والثوب بين يديه، فصاح بنا: أغنوا عني هذا «٣»، ونبذه إلينا، وولّى وهو يقول:
وإذا أخذتُ ثواب ما أعطيتُهُ فكفى «٤» بذاكَ لنائِلي تكديرا
عن محمد بن سلاَّم «٥» قال: أخبرني أبان بن عثمان قال: أراد رجلٌ أن يضارَّ عُبيد الله بن العباس﵄- فأتى وجوه قريشٍ، فقال:
يقول لكم عبيد الله: تغدُّوا عندي اليوم. فأتوه فملئت عليه الدار، فقال:
ما هذا؟! فأُخبر بما صنع الرجل، وعرف ما أراد. فأمر بالباب فأُغلِق، وأرسل الى السّوق فجيىء بالفاكهة، وأرسل قومًا فذبحوا وخبزوا وشووا، فلم ينقض أكلهم الفاكهة حتى جاء الطعام، وكان فيما أتاهم من الفاكهة الأُتْرُجُّ والعسل، قال: فأكل القوم حتى صدروا، فقال عبيد الله لو كلائه: أموجودٌ هذا كلما أردت؟ قالوا: نعم، قال: فليتغدّ عندنا هؤلاء «٦» في كلّ يوم.
[ ٨٦ ]
وقال مصعب الزبيري «١» حجّ معاوية بن أبي سفيان، فلما انصرف مرّ بالمدينة، فقال الحسين بن علي لأخيه الحسن- رحمهما الله-: لا تلقَه ولا تسلِّم عليه. فلما خرج معاوية ﵀، قال الحسن: يا أخي، إن علينا دينًا ولا بد لي أن أذهب إليه، فلحقه بثنية النول «٢»، وهو منحدر على الوادي، فسلّم عليه وأخبره بدينه، فمروا ببختيٍّ «٣» عليه ثمانون ألف دينار، وهو يضلعُ «٤» وهم يُزَجُّونه «٥»، فقال معاوية: ما هذا؟ قالوا: أعيى «٦» وعليه المال، ونحن نزجِّيه ليلحق، فقال: اصرفوه إلى أبي محمد «٧»، فدفعه إليه وعليه ثمانون ألف دينار.
قال: لما قدم مصعب بن الزبير «٨» - رحمهما الله- من العراق القدمة الأولى مر بالمدينة ليلًا، فجاوزها ونزل البيداء، فبلغ عبد الله بن جعفر وعاصم بن عمر بن الخطاب ﵃ ما صنع من ذلك، فالتقيا في صلاة الصبح في المسجد، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك بنافيه، فلا ينجيه منا ما فعل؟
فركبا إليه، حتى أتياه بالبيداء خلف الشجرة إلى مكة، فوجدوا فسطاطًا مضروبًا وقد فُرش، فقيل لهما: انزلا حتى يخرج إليكما، فأتاهما يمشي، حتى دخل عليهما الفسطاط، فسلَّم عليهما وحياهما، ثم قال له عبد الله بن جعفر: إنه قد بلغنا خبر وأردنا أن نلقيه إليك لتكون منه على علم: إن أخاك عبد الله بن
[ ٨٧ ]
الزبير لا يضع عبد الله بن أبي فروة «١» من لسانه، فجعل عليه: لئن أظفره الله به ليقطعن يده وليأتين على ما وراء ظهره، فخذ حذرك، فإنما يريد قتلك.
فأمر مصعب براحلتين فرحلتا «٢»، ثم قال: عليَّ بعبد الله بن أبي فروة، فأتاه عبد الله بن أبي فروة، فقال له: إنه بلغني أن أمير المؤمنين عليك غضبان، ولا قرار على غضبه، فعزمت عليك إلا ركبت وعون معك من أعوانك هاتين الراحلتين، ثم مضيت حتى تدفع يدك في يده، ثم لا يسألك «٣» عن شيء إلا صدقته عنه، اركب، فركب ومضى لوجهه. ثم أقبل مصعب على عبد الله بن جعفر وعلى عاصم، فقال: كأني بكما التقيتما في المسجد، فذكرتما مروري بالمدينة ليلًا، ثم تجاوزتها ولم أنزل بها، غير صلاةٍ صليتها في مسجد رسول الله ﷺ، وقلتما: لا ندعه، ولنغيظنه؟! والله ما يغيظني من أمير المؤمنين شيء، وما عندنا إلا السمع والطاعة، ولكني أعتذر إليكما: إنه كتب إلي يأمرني أن أطوي المدينة فلا أجعلها منزلًا حتى يكون منزلي البيداء، ثم لا أريمها «٤» حتى يأتيني أمره، فلم أجاوز ما أمرني به، وما أجهل حقوقكما وما يجب لكما علي، يا عاصم، احتكم وسل ما شئت. فجعل عاصم يقول كذا وكذا، حتى ذكر الغلة والماشية والرقيق وما يحتاج إليه الانسان، فقال: قوِّم هذا، قال:
عشرين ألف دينار، قال: هي لك، قال: وصلتك رحم أيها الأمير. ثم أقبل على عبد الله بن جعفر وقال: هي لك وضعفها، فقال له عبد الله: ما منعك أن
[ ٨٨ ]
تحكِّمني كما حكَّمت صاحبي؟! قال: أنا أعرف سرفك! ولك في هذا مقنع! قال: أما لو فعلت لأخرجتك صفرًا، أو لألحقتك عجزًا! فأمر لهما بالمال وانصرفا.
قال: قدم المغيرة بن خنساء- أظنه «ابن حبناء» - «١» - على طلحة الطلحات «٢» يطلب صلته فأخرج إليه حجري ياقوت في درج «٣»، فقال: أيما أحبُّ إليك: عشرة آلاف «٤»، أو هذان الحجران؟ فقال:
ما كنت لأختار الحجارة على الدراهم! فأعطاه عشرة آلاف «٥» درهم فقال:
إن نفسي قد تتبعت أحد «٦» الحجرين، فدفعهما إليه «٧»، فقال المغيرة:
أرى الناس عاضوا ثم غاضوا «٨» ولا أرى بني خَلَفٍ إلا رواءَ المواردِ
إذا نفعوا عادوا لمن ينفعونهُ وكائنْ ترى من نافعٍ غير عائدِ
وقال مصعب: قدم الراعي «٩» على سعيد بن عبد الرحمن بن عتَّاب بن أسيد
[ ٨٩ ]
بن أبي العيص «١»، فأنشده مديحه، فقال له: حاجتك؟ قال: ثلاثة آلاف «٢» دينار، فأمر له بها. فقال: حاجةٌ أخرى. قال: ما هي؟ قال: ترحلني الساعة، فرحله إلى أهله، فقال:
وأنضاءٍ «٣» أنخن «٤» إلى سعيدٍ طُروقًا ثم عجَّلن ابتكارا
حمدن مزاره ورضين منه «٥» عطاءً لم يكن عدةً ضمارا «٦»
قال أبو الحسن المدائني: لقي ابن أبي بكرة سعيد بن عثمان بن عفان «٧» ﵃- وقد ولاه معاوية خراسان، وابن أبي بكرة يريد المدينة- فرأى خباءً مضروبًا رثًّا، فقال: لمن هذا؟ قالوا: لسعيد بن عثمان بن عفان، يريد خراسان. فمشى إليه، وقال: أنت ابن أمير المؤمنين عثمان والي خراسان في هذه الهيئة؟! اجعل طريقك بالبصرة، وأكتب إلى وكيلي يجهزك.
فكتب إلى وكيله سليم الناصح: أن أعطه عشرين ألفًا وعشرين عبدًا وعشرين برذونًا وعشرين بعيرًا وعشرين طيلسانًا. فظن سعيد «٨» بن عثمان بن عفان
[ ٩٠ ]
﵀ أنه يهزأ به، فدخل البصرة، فنزل على مولى لعثمان بن عفان ﵀، وقال: إن ابن أبي بكرة قد كتب إلى وكيله بشيء، أفتراه ينفذ ما كتب به؟
فأرسل إلى وكيله، فأعطاه الكتاب، فقال: أجلني جمعةً، فأجله، فأتاه بما في الكتاب. ثم قال له سليم: ألك حاجةٌ؟ فقال له سعيدٌ: ولو كانت لي حاجةٌ كنت تقضيها؟ قال: أما في مثل ما أعطاك مولاي ما كنت لأفعل، فقال سعيد: ما أدري أيكما أكرم؟!.
عن سليمان بن عياش قال: قال إبراهيم بن هشام- وكان في مالٍ له قريبًا من أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة: - هل لكم أن أبخل أبا عبيدة «١» بن عبد الله؟! فركب إليه في سبعين راكبًا، وأبو عبيدة «٢» بما له بالفرش «٣»، فوافاه قبل طلوع الشمس؛ فقال له: أصلحك الله، انزل بنا، قال: لسنا ننزل، ولكن عجّل لنا ما حضر، فوافاهم بسبعين رأسًا قد شويت من الليل، فغاظه ما رأى من تعجيل ذلك عليه، فانصرف ولم يأكل عنده شيئًا.
قال أبو الحسن المدائني: قال عبد الله بن عباس ﵀: لقد رأيت من.
عبد الله بن عامرٍ «٤» منظرًا وددت أني كنت فعلته! كنا في الربيع في المسجد،
[ ٩١ ]
فنشأت سحابةٌ فأمطرت فتقوضت الحلق «١»، فدعا ابن عامرٍ بطيالسةٍ، فألقى على كل رجلٍ من جلسائه طيلسانًا مطبقًا، ثم لم تلبث أن تجلت، فقال: قوموا بها.
قال مصعب الزبيري: حدثني مصعب بن عثمان قال: كان قيس بن سعد بن عبادة ﵀ بعين «٢»، وكان بينه وبين رجلٍ عداوةٌ، وكان لقيسٍ على الناس دينٌ كثيرٌ، فذهب الرجل إلى الناس، فقال: يدعوكم قيسٌ، فحضره ناسٌ كثير، فقال: ما بال الناس؟! فأخبر بذلك، فأخذ صكاكًا كانت عنده بعشرين ألف دينار فقال: هذه لكم، فتوزعوها بينكم.
قال: وباع ثابت بن عبيد الله دار الشقاق من مقاتل بن مقاتل «٣» بنسيئة «٤»، ثم تقاضاه، فلزمه في مسجد ابن أبي عبيدة «٥»، فرأى عبيد الله مقاتلًا، فقال له: مالك يا أبا المهاجر؟ قال: لزمني ابنك، قال: بم؟ قال: بثمن دار الشقاق «٦»، قال: يا ثابت، ما وجدت محبسًا لغرمائك «٧» إلا داري؟ ادفع إليه صكه وأعوضك، فعوضه عنها.
[ ٩٢ ]
كان الحزين الكناني «١» مع قوم من أهل المدينة يقامر، فقمر ثيابه، فكان عريانًا في جانب البيت، وكانوا بالعقيق، فبيناهم كذلك إذ أقبل عبد الله بن جعفر ﵄، فقال الحزين: أعطوني ثوبًا حتى ألقاه، فلعله يخلف علي ثيابي، فما أمنوه حتى تبعه رجلٌ يمسك بطرف رداء أعاروه «٢» إياه، فقال له:
أَقُولُ لَهُ حِينَ وَاجَهْتُهُ: عَليْكَ السلاَمُ أَبَا جَعْفَرِ
قال: وعليك السلام، فقال:
فَأَنْتَ المُهَذبُ مِنْ هَاشِمٍ وَفِي البَيْتِ مِنْهُ الذِي يُذْكَرُ
فقال: كذبت! ذاك رسول الله ﷺ، فقال:
فَهَذِي ثِيَابِيَ قد أَخْلَقَتْ وَقَدْ عَضني زَمَنٌ مُنْكَرُ قال: فثيابي لك بها، وانصرف حتى أتى منزله، وبعث إليه بثيابه التي كانت عليه.
قال أبو الحسن المدائني: كان لبيد بن ربيعة «٣» لا يمر به يومٌ إلا أراق فيه دمًا، وكان يفعل ذلك إذا هبت الرياح، وربما ذبح العناق إذا أضاف، فصعد الوليد بن عقبة المنبر وقد هبت الرياح، فقال: أعينوا أبا عقيل على مروءته، وبعث إليه بمائة ناقةٍ، فلما جاءته قال لابنته: أجيبيه عني، وكان لبيدٌ قد ترك قول الشعر، فقالت ابنته:
إِذَا هَبتْ رِيَاحُ أَبِي عَقِيلٍ دَعَوْنَا عِنْدَ هَبتِهَا الوَلِيدَا
[ ٩٣ ]
طَوِيلَ البَاعِ أَبْيَضَ عَبْشَمِيًا «١» أَعَانَ عَلَى مُرُوءَتِهِ لَبِيدَا
بِأَمْثَالِ الهِضَابِ كَأَن رَكْبًا عَلَيْهَا مِنْ بنى حام قعودا
أبا وهب جزاك اللهُ خَيْرًا نَحَرْناهَا وأَطْعَمْنَا «٢» الثرِيدَا
فَعُدْ إن الكَريمَ لَهُ مَعَادٌ وَظَني يَابْنَ أَرْوَى أَنْ تَعُودَا
فقال لها أبوها لبيد: أحسنت، لولا أنك سالت! فقالت: إن الملوك لا يستحي من مسئلتهم، قال: وأنت في هذه أشعر.
قال: خرج عبد الرحمن بن هشام في بعض طرقه، ثم انصرف على طريق الكوفة، فمر بالوليد بن عقبة، فلما صار بقصر ابن مقاتل «٣» أنفض «٤» من الزاد، فبعث إلى الوليد بن عقبة براحلتين، ولم يدخل الكوفة، ومضى على طريق المدينة، وقال: إنا أرملنا من الزاد، فابعث إلينا من زاد العراق، فبعث إليه عليهما ستين ألف درهم.
قال أبو الحسن المدائني: بلغني أن أسد بن عبد الله قدم خراسان، ومعه مرزبان مرو الروذ، فلما صار بأصبهان «٥» بعث إلى واليها خالد بن ورقاء
[ ٩٤ ]
الرياحي «١»: أن ابعث إلينا من شهد بلادك. فنظر خالد فوجد في بيت المال سبع مائة ألف درهم، فأمر بحملها إليه، وكتب إليه: إنّي قد بعثت إليك بجميع ما كان عندي من الشّهد، ولو حضرني أكثر منه لبعثت [اليك] به. فقال المرزبان: لست أعجب من قدر المال، ولكن من بعثه كلّ شيء عنده! قال ابن عائشة: كان طلحة بن عبد الله «٢» بن عوف جوادًا، وولي المدينة، وأنشدني بعض قريش فيه:
يا طلح أنت أخو النّدى وعقيده إنّ النّدى إن مات طلحة ماتا «٣»
إنّ الفعال إليك أطلق رحله فبحيث بتّ من المنازل باتا
قال: وقدم الفرزدق المدينة وقد مات طلحة، فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذلّ قوم في الأرض. قالوا: وما ذاك؟ قال: غلبكم الموت على طلحة!.
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: حدثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة قال: بلغني أنّ رجلًا من قريش من بني أميّة بن عبد شمس، له قدرٌ وخطرٌ، لم يسم لي-: رهقة «٤» دينٌ، وكان له مال من نخل وزرع، فخاف أن يباع ماله عليه، فشخص من المدينة يريد الكوفة، يعمد «٥» خالد
[ ٩٥ ]
بن عبد الله القسري- وكان واليًا لهشام بن عبد الملك على العراق، وكان يبرّ من قدم عليه، من قريش- فخرج الرجل إليه، وأعدّ له الهدايا من طرف المدينة، فسار حتّى قدم فيدًا «١» فأصبح بها، فنظر إلى فسطاط عنده جماعة، فسأل عنه؟ فقيل له: الحكم بن المطلب بن حنطب «٢»، فلبس نعليه ثم خرج حتّى دخل عليه، فلما رأه قام إليه فتلقاه وسلّم عليه، وأجلسه في صدر فراشه، ثم سأله عن مخرجه؟ فأخبره بدينه وما أراد من إتيان خالد بن عبد الله القسري، فقال له الحكم: انطلق بنا إلى منزلك، فلو علمت بمقدمك لسبقتك إلى إتيانك، فمضى معه حتى أتى منزله، فرأى الهدايا التّي أعدّ لخالد، فتحدث معه ساعة ثم قال: إن منزلنا أحضر عدة، وأنت مسافر ونحن مقيمون، فأقسمت عليك إلا قمت معي إلى المنزل وجعلت لنا من هديّتك نصيبا، فقام معه، وقال: خذ منها ما أحببت، فأمر بها فحملت إلى منزله، وجعل الرجل يستحي أن يمنعه شيئًا منها، حتّى صار معه إلى منزله، فدعا بالغداء فتغدّى «٣»، وأمر بالهدايا ففتحت، فأكل منها هو ومن حضر، ثم أمر ببقيّتها فرفع إلى خزانته، وقام الناس. ثم أقبل على الرجل فقال: أنا أولى بك من خالد وأقرب
[ ٩٦ ]
إليك «١» رحمًا ومنزلًا، وهاهنا مال للغارمين أنت أولى الناس به، ليس عليك فيه منّة إلا لله تعالى، يقضى به دينك. ثم دعا بكيس فيه ثلاثة ألاف «٢» دينار، فدفعه إليه، وقال: قد قرّب الله عليك الخطوة، فانصرف إلى أهلك مصاحبًا «٣» محفوظًا. فقام الرجل من عنده وهو يدعو «٤» ويشكر، ولم يكن له همّة إلا الرجوع إلى أهله، وانطلق الحكم معه ليشيّعه، فسار معه، ثم قال:
لكأني بزوجتك قد قالت لك: أين طرائف العراق؟ أما كان لنا معك نصيب؟! ثم أخرج صرّة فيها خمس مائة دينار، وقال: أقسم عليك إلا جعلت لها هذه عوضًا عن هدايا العراق. وودعه وانصرف.
قال مصعب «٥»: كان الحكم بن المطلب من أبرّ الناس بأبيه، وكان أبوه- المطلب بن عبد الله- يحب ابنًا له يقال له «الحارث» حبًا شديدًا مفرطًا، وكانت بالمدينة جارية مشهورة بالجمال والفراهة، فاشتراها الحكم من أهلها بمال عظيم، فقال له أهلها- وكانت مولدة عندهم-: دعها عندنا حتى نصلح من شأنها، ثم نزفها إليك بما تستأهل الجارية منا، فإنما هي لنا ولدٌ.
فتركها عندهم حتى أصلحوا حالها، ثم نقلوها كما تزف العروس إلى زوجها، وتهيأ الحكم بأجمل ثيابه وتطيب. ثم انطلق، ثم بدأ بأبيه ليراه في تلك
[ ٩٧ ]
الهيئة ويدعو له- تبركًا بدعائه- حتى دخل عليه وعنده الحارث بن المطلب أخوه. فلما رآه أبوه في تلك الهيئة أقبل عليه فقال: إنّ لي حاجة. قال:
ما تقول يا أبه؟! إنما أنا عبدك، فمرني بما أحببت. قال: تهب جاريتك هذه للحارث أخيك، وتعطيه ثيابك هذه الّتي عليك، وتطيّبه من طيبك، وتدعه حتى يدخل على هذه الجارية، فإني لا أشكّ أنّ نفسه قد تاقت إليها! فقال له الحارث: لم تكدر على أخي وتفسد عليه قلبه؟! وذهب يريد يحلف. فبدره «١» الحكم، فقال: هي حرة إن لم تفعل ما أمرك به أبي، فإن قرة عيني أسر إلي «٢» من هذه الجارية. وخلع ثيابه فألبسه إياها، وطيبه، ودفع إليه الجارية!! قال: وكان الحكم بعد حاله هذه قد تخلى «٣» من الدنيا، ولزم الثغور، حتى مات بالشام بمنبج «٤» . وأمه السيدة بنت جابر بن الأسود بن عوف الزهرية.
وفي الحكم يقول ابن هرمة «٥»:
ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها من المقدم «٦» بالمعروف والكرم؟
[ ٩٨ ]
سالوا عن المجد والمعروف: «ما فعلا؟» فقلت: «إنّهما ما تامع الحكم» «١» .
قال مصعب الزبيري: وحدثني عبد الله بن مصعب قال: خرج عبيد الله بن عباس- رحمهما الله- يريد معاوية، فأصابته السماء وهو في أرض قفر ليلًا، فرفعت له نار، فقال لغلامه مقسم «٢»: أقصد بنا النار، فأتاها، فاذا شيخ معه أهله، وكان عبيد الله من أجمل الناس، فلما رآه الشيخ أعظمه، وقال لامرأته: إن كان هذا قرشيًا فهو من بني هاشم، وإن كان يمانيًا فهو من بني آكل المرار «٣»، فهيّئي لنا غنزك أقضي بها ذمامه، فقالت له امرأته: اذًا تموت ابنتي من الجوع، قال الشيخ: الموت خير من اللؤم «٤»، فأخذ الشفرة وقام إلى العنز وهو يقول:
قرينتا «٥» لا توقظي بنيه»
إن توقظيها تنتحب عليهْ
وتنزع الشفرة من يديه أبغض بهذا وبذا إليهْ
فذبحها، وحدّث عبيد الله حتى نضجت، فأكل عبيد الله منها وبات ليلته، فلما قرب الرحيل قال لمقسم: كم معك من نفقتنا؟ قال: خمس مائة دينار، قال: ألقها إلى الشيخ، قال مقسم: سبحان الله! إنما كان يكفيه أن
[ ٩٩ ]
تضعف «١» له ثمن عنزه، والله ما يعرفك، ولا يدري من أنت!! قال:
لكني أعرف نفسي، وأدري من أنا! هذا لم يكن له من الدنيا غير هذه العنز، فجاد لنا بها وهو لا يعرفنا، فخرج من دنياه، وأعطيناه بعض دنيانا، فهو أجود منا «٢» ! وسار عُبيد الله حتى قدم على معاوية، وقضى حوائجه، فلما انصرف قال: يا مقسم، مُرَّ بنا على الشيخ ننظر كيف حاله «٣» فإذا إبلٌ عظيمة، وأنشده الشيخ شعرًا قال فيه:
توسمَّته لما رأيت مهابةً عليه وقلت: المرء من آل هاشمِ
وإلا فمن آلِ المرارِ فإنهم ملوك ملوكٍ من ملوكٍ خضارمِ «٤»
فقمت إلى عنزٍ بقية أعنزٍ فأذبحها فعل امرىء غير عاتمِ «٥»
فعوَّضني منها غناي ولم تكن تساوي عناقي غير خمس دراهمِ «٦»
فقلت لعرسي- في الخلا- وصبيتي: أألحق هذا أو هو أضغاث حالمِ «٧»؟!
فقالوا جميعًا: لا، بل الحق هذه يخبُّ بها الرّكبان وسط المواسم
بخمس مئين «٨» من دنانيرَ عُوِّضت من العنز، ما جادت بها كف حاتمِ
[ ١٠٠ ]
[فلما «١»] ارتحل عُبيد الله سار الشيخ في العرب بالذي صنع عبيد الله، [زبلغ «٢»] ذلك معاوية، فقال: لله عُبيد الله! من أي بيضةٍ خرج، ومن أي عشٍ درج! وهذا لعمري من فعلاته!! أذكرني قول مِقسِمٍ مولى «٣» عُبيد الله بن عباس ﵄-:
شيئًا جرى لي، وإن لم يكن من باب الكرم. قلت يومًا لمؤدبي- الشيخ العالم أبي عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة «٤»: - يا شيخ أبا عبد الله، لو ركبت حصانًا، ولبست كزاغندًا «٥» واعتقلت رمحًا، ووقفت في طريق مسجد القاضي- وكان الإفرنج يدخلون من هناك لقتالنا- لكنت تردُّهم وتمنعهم؟! قال: لا والله، وإلّا كانوا يجوزون كلهم! قلتُ: كانوا يُبصرون هيكلك- وما يعرفونك- فيخافون منك! قال: سبحان الله! إن لم يعرفوني أنا ما أرف نفسي؟!! «٦» قال الهيثم بن عدي: حدثني أبو جَهضم- شيخٌ من بني العنبر- عن أبيه قال: أقبل عُبيد الله بن أبي بكرة﵀- مرَّة من العراق، فمرَّ بنا في منازلنا، ونحن بالجبّانة، فإذا شابٌ من الحي قد كان يختلف إليه، فلما
[ ١٠١ ]
رآه قال: أبا حاتم، فداك أبي وأمي، طعامٌ حاضرٌ، فلو نزلت «١» له؟! فنزل، قال: وأمّه تخبز، فقام إلى داجنةٍ له فذبحها، وقال لأخيه: اكْشُطْ جلدها، ودخل عبيد الله منزله، فجاءه ببساطٍ، وما جُعل تحته فراش ولا مصلَّى، إلاّ أنه أتاه بمرفقةٍ «٢» فاتكأ «٣» عليها، وجلس أصحابه، وسُلخت الشاة، وجُعلت في التنور، وأخرج الخبز حارًا ففتّه، ثم كدر «٤» عليه السَّمن، ثم علاه بالسمن على الشاة، ثم جاء بالجفنة يحملها حتى وضعها بين يديه، فقال عُبيد الله:
ما أكلتُ قط طعامًا أطيب من هذا، ثم دعا بتمرٍ بَرْنِيٍّ «٥» وزُبْدٍ، فأكل، ثم توضأ «٦» وركب. فقلت: ويحك! ما صنعت! أمِثل عُبيد الله يدخل منزلك ثم أجلسته على بساط؟! فقال: قد علم أني لم آله تكرمةً، وإني أتيته بما عندي، وقد ذبحت له فلانة الداجنة، قال: فأقمنا يومين، ثم جاء رسوله فدعاه، فقال له: والله ما زلتُ معجبًا بك! ثم سرَّني إلقاؤك «٧» الحشمة فيما بيني وبينك، وقد رأيت أمرًا غمني، خذ هذه الخمسة آلاف «٨» درهم فابتع بها سوارًا لابنتك، وهذه الثلاثون ألف درهم فأقم بها وجهك، وهذه الخمسة آلاف «٩» درهم فابن بها دارك، وهذه خمسون جريبًا «١٠» قد أمرت لك بها. قال أبو جهضم:
فحدثني أبي قال: فرأيته بعد ذلك وإنه لمن رجال بني تميم يسارًا وفضلًا وهيبةً.
[ ١٠٢ ]
عن الهيثم عن صالح بن حسان قال: قدم عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ﵀، وكان رجلًا فقيهًا فاضلًا موسرًا كثير الغزو والحج، أعطى حتى بلغت عطاياه قواعد المسجد، قال: فبينا هو يومًا يتغدَّى «١» حيث فرغ من غدائه-: إذ استأذن عليه رجلٌ مكفوفٌ من بني فهرٍ، تقوده أمةٌ سوداءٌ، فقال: يا غلام، طعامك، فأقبل يأكل معه كأنه لم يأكل شيئًا، ثم قال: حاجتك، قال: حفظك الله، شيخٌ من بني فهر، لي أربع بنات، ليس لي ولا لهن إلا الأمة السوداء، فإن خدمتني أضرَّ ذلك بهن، وإن خدمتهن أضرّ ذلك بي، والله ما أصبحت أملك شيئًا، فانظر في حاجتي وصلك الله، فأقبل يعتذر إليه: ويذكر مسيره ومن يأتيه من قومه وما يتكلف، فقلنا: يعطيه خمسة دنانير، فإن أعطاه عشرةً فذلك كثير! فقال:
يا غلام، أعطه أربع مائة دينار، وأخدم كل ابنة له خادمًا، وأعطه قائدًا، وأجر عليه من مالنا بالسقيا كذا وكذا وسقًْا من تمر. فلما نهض الشيخ قيل له: يرحمك الله! اعتذرت إليه فقلنا: يعطيه خمس دنانير فإن زاده أعطاه عشرة دنانير! فقال: إي والله! لأن يكون فعلي أحسن من قولي أحب إليَّ من أن يكون قولي أحسن من فعلي!! وعن صالح بن حسان قال: لما قدم سليمان بن عبد الملك المدينة أهدى له خارجة بن زيد بن ثابت ﵀ ألف عرق موز، وألف قرعة عسل أبيض، وألف شاة، ومائة أوزة، وألف دجاجة، ومائة جزور، فقال له سليمان:
[ ١٠٣ ]
يا خارجة، أجحفت بنفسك، وما كنت تصنع بهذا في مثل هذا الموضع؟! فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت بلد رسول الله ﷺ ونزلت في بني مالك بن النجار، فأنت ضيفٌ، وإنما هذا قِرى. قال: يغفر الله لك! هذا أجحف ببني مخزوم، وصلك الله. قال صالح: فقال سليمان: هذا وأبيكم السؤدد! رجلٌ أهدى إليّ- فسمَّى كل ما «١» أهدى له، حتى أتى على آخره- ثم سأل: ما عليه من الدين؟ فقال: خمسة وعشرون ألف دينار، قال: اقضوها عنه، وأمر له بعشرة آلاف «٢» دينار، وهلك خارجة في تلك السنة، حين صدر سليمان عن الحج، سنة تسع وتسعين.
عن عكرمة بن الأغر عن أبيه قال: كان الأشعث بن قيس لا يقدم من سفر فيصلي الفجر إلا كسا «٣» أهل المسجد ووصلهم، قال: وكانت لي على رجل من كندة ألف وخمس مائة درهم، فأتيته أتقاضاه، فقال: ما عندي شيء، ولكن الأشعث قد قدم اليوم، وما قدم من سفرٍ قط فصلَّى الفجر في المسجد-: إلا كسا «٤» ووصل، فاحضرنا بالغداة فصلِّ معنا، فإني لأرجو أن تأخذ مالك. قال: فصليت معهم الفجر، فلما سلّم الإمام قام رجلٌ فقال:
أيها القوم، أقيموا في صفوفكم. ثم أعطى كل رجلٍ حلةً وخمس مائة دره فقال: فجاءني الرجل فأعطاني الخمس مائة درهم التي دفعت إليه، وأعطيت أنا خمس مائة أخرى لنفسي. فانصرفت بألف درهم.
[ ١٠٤ ]
وعن أبي المجالد الجهني قال: كان زيد بن وهب «١» إذا خرج عطاؤه لم يدع أحدًا من كبار أهل ربيعة إلا كساه ثوبًا، ويهب لمن كان صغيرًا درهما، فلا والله ما رأيت ألفي درهم أعظم بركة من ألفي درهم زيد بن وهب.
وذلك: أن القبيلة يظلون فرحين من ثياب وطعام ودراهم: الصغير والكبير.
وقدم على مخلد «٢» بن يزيد بن المهلب رجل قد كان زاره فأجازه وقضى حوائجه، فلما عاد قال له مخلد: ألم تكن أتيتنا فأجزناك؟ قال: نعم.
قال: فما ردك؟ قال: قول الكميت فيك:
فأعطى ثم أعطى ثم عدنا فأعطى «٣» ثم عدت له فعادا
مِرارًا ما أعود إليه إلا تبسَّم ضاحكًا وثنى الوسادا
فاضعف له مخلدٌ ما كان أعطاه.
عن إسماعيل بن عبد الله قال: قدم الراعي الشاعر على خالد بن عبد الله القسري ومعه ابنه جندل، فكان يغشاه مع أبيه، ثم فقده، فقال له: ما فعل ابنك؟ فقال: توفي- أصلح الله الأمير- بعد أن زوَّجته وأصدقته. فأمر له خالد بدية ابنه وصداقه. فقال الراعي:
ودَّيتَ ابن راعي الإبل إذ حان يومه وشقَّ له قبرًا بأرضك لاحدُ
وقد كان مات الجود حتى نعشتهُ «٤» وذكّيت نار الجود والجود خامد
[ ١٠٥ ]
فلا حملتْ أنثى ولا آب غائب «١» ولا ولدت أنثى إذا مات خالدُ
قال المدائني: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر- رضوان الله عليهم- حجَّاجًا، ففاتتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فمروا بعجوز في خباءٍ لها، فقالوا: هل من شرابٍ؟ قالت: نعم. فأناخوا إليها، وليس لها إلا شويهة، فقالت: احتلبوها وامتذقوا لبنها «٢»، ففعلوا. وقالوا: هل من طعام؟ قالت: لا، إلا هي، فليذبحها أحدكم حتى أصنعها لكم، فذبحها أحدهم، فشوت وأكلوا، وقالوا عندها حتى أبردوا «٣» . ثم قالوا: نحن نفرٌ من قريش، نريد هذا الوجه، فإذا انصرفنا سالمين فألمي بنا، فأنا صانعون بك خيرًا. ثم رحلوا وأقبل زوجها، فقالت: سمعت؟! فقال: لم أسمع! وخبرته الخبر، فأحال عليها ضربًا «٤» فشجَّها، ثم قال: تذبحين عنزي لأعبد لا تدرين من هم، ثم يقولون: نفرٌ من قريش؟! ثم ضرب الدهر ضربانه، واضطرته الحاجة إلى أن دخلت هي وزوجها المدينة، فمرَّت العجوز يومًا تسوق حمارًا لها تنقل عليه البعر «٥» تبيعه-: إذ أبصرها الحسن بن علي- رضوان الله عليهما- فعرفها، فأمر من أتاه بها، فقال: أتعرفيني؟ قالت:
لا، فذكر لها العنز، فقالت: بأبي وأمي، إنك لأنت هو؟! قال: نعم، قال: أفما لقيت صاحبيك؟ قالت: لا، فأمر من اشترى لها من شآء
[ ١٠٦ ]
الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث بها مع رسول إلى الحسين ﵁، فسأل عما فعل الحسن؟ فأعطاها مثل ذلك، ثم بعث بها إلى عبد الله بن جعفر ﵄، فسأل عما أعطياها؟ فأضعفه لها، وقال: لو بدأت بي لأتعبتهما. فانصرفت إلى زوجها بأربعة آلاف دينار، وأربعة آلاف شاة.
قال أبو الحسن المدائني: كان عُبيد الله بن قيس الرقيات «١» منقطعًا إلى عبد الله بن جعفر ﵄، فكان يصله ويقضي دينه، فجاءت صلة عبد الله بن جعفر في بعض ما كانت تجيء، وعُبيد الله بن قيس الرقيات «٢» غائب، وكان معاوية ﵀ يصل عبد الله بن جعفر في كل سنة بمائة ألف، فأمر عبد الله بُديحًا «٣» غلامه فخبأ لعُبيد الله بن قيس «٤» صلته، فلما قدم أخذها، وقال:
إذا زرت عبد اللهِ- نفسي فداؤه- رجعتُ بفضلٍ من يداه «٥» ونائلِ
وإن غبتُ عنه كان للودِّ حافظًا ولم يكُ عني بالمغيبِ بغافلِ
تداركني عبد الإلهِ وقد بدتْ لذي الحقدِ والشنآنِ «٦» مني مقاتلي
حبَاني لما جئتُهُ بعطيةٍ وجاريةٍ حسناءَ ذات خلاخلِ
[ ١٠٧ ]
قال محمد بن سلاّم: قيل لعبد العزيز بن مروان: المتوكل الليثي «١» شاعر مصر بالباب، فأذن له. فلما قام بين يديه أُرْتِجَ عليه، وكان عبد العزيز مهيبًا، فقال المتوكل: أصلح الله الأمير، عظمت في عيني وملأت صدري، فاختلس مني ما كنت قلت. فنكس عبد العزيز ينكت بقضيبه الأرض.
فقال المتوكل: أصلح الله الأمير، حضرني بيتان، قال: هاتهما، فقال:
في كفه خيزرانٌ نشره عبقٌ «٢» من كفّ أروع في في عِرْنِينه شممُ «٣»
يُغضي حياءً ويُغضى من مهابتهِ فما يكلَّم إلا حينَ يبتسمُ
فأمر له بمنديلٍ فبسطهُ، ثم دعا بأربعة آلاف «٤» درهم فألقاها فيه، ودعا بعبدين، وقال: اختر أيهما شئت، فقال: هذا وسيمٌ جسيمٌ وبه عوارٌ «٥»، وهذا أحبُّ إلينا منه، قال: فعلينا تردُّ العوار؟! خذْهما جميعًا والمنديل بما فيه.
قلت: سمعت في هذين البيتين، وأنهما من جملة أبياتٍ للفرزدق بن غالب «٦» .
[ ١٠٨ ]
قال أبو الحسن المدائني: قام رجلٌ إلى أسد بن عبد الله فسأله، فأعرض عنه، فقال: أما والله إني لأسألك من غير حاجة، قال: فما يدعوك إلى مسئلتي إذًا؟! قال: رأيتك تحب من أعطيتهُ، فأحببت أن تحبني، فأعطاه عشرة آلاف «١» درهم «٢» .
كان أسماء بن خارجة «٣» يقول: إنما يسئلنى رجلان: كريمٌ احتاج، فأنا أحق من سد خلته، وستر ما هو فيه، وأعانه على خصاصته. وإما لئيم اشتريت منه عرضي.
ومرض قيس بن سعد بن عبادة ﵀ فاستبطأ إخوانه عن عيادته.
فسأل عنهم؟ فقيل: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى «٤» الله مالًا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديًا فنادى: من كان لقيسٍ عليه دينٌ فهو في حلٍ منه. فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده «٥» عن حسين الخادم قال: حدثني ليث الطويل «٦» قال: كنت في موكب
[ ١٠٩ ]
يزيد بن مزيد «١» الشيباني وهو يدور في برّيّة الرّقّة على شاطىء الفرات، إذ طلع عليه أعرابيٌ كلبيٌ على ناقة له، فلما صار غير بعيد عقل ناقته، ثم أقبل يوجف «٢» حتى وقف بين يدي يزيد، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ما خطبك أيها الأعرابي؟
قال: أصلح الله الأمير، لم تسألني عن الخطب من قبل أن تسألني عن الاسم والنسب والسبب والبلد؟! قال: يا أعرابي، إذا سألتك عن ذلك ثم عرفتك، فقد صارت المعرفة شافعةً لك في حاجتك، وأيمُ الله ما يحضرني شفيعٌ هو أعز عليَّ من ماء وجهك، فما خطبك يا أعرابي؟ قال: أصلح الله الأمير، دَيْنٌ
فادحٌ. وفقر فاضح. قال: يا أعرابي، وما بلغ من دينك الفادح وفقرك
الفاضح؟ قال: أصلح الله الأمير، الدَّين الفادح: خمس مائة دينار، أخذتها في سنين سغبة، فوصلت بها الأرحام، وأطعمت بها الطعام، ابتغاء الأجر، واكتساب الشكر، حتى أجلتني عن البلد الرحب، وحملتني على المسلك الصعب، وأما الفقر الفاضح: فاغتراب وانفراد، ووحدانية وعيال كثيرة من بنين وبنات وأخوات وأمهات مصونات، طالما صنتهن من الحر والقر، فهدمهن الدهر، وكشفهن الفقر، بعد عز وامتناع، وخدمٍ وأتباع، وظلف
[ ١١٠ ]
وكراع، «١» أفناه الضيف والسيف، فأقبلت أجرهن من الصحصحان «٢» حفاةً عراةً جياعًا، كلما عثرت إحداهن هتفت باسمك: «يا يزيد» حتى نزلت بهن في هذا الشعب- وأومى «٣» بيده إلى الجبل- ثم أتيتك، أيها الأمير، ولي فيهن بنيةٌ صغيرة، وقد قالت في الأمير أبياتًا، وحملتنيها إليه، وأقسمت عليَّ بحقه أن أنشده إياها، فقال يزيد: ما قالت الصبية؟ قال: هي التي تقول:
ليس ينفي حوادث الدهر عنا وخطوبَ الزمان إلا يزيدُ
سيدٌ أجمعت عليه معدٌّ فله في أمورها الإقليدُ
ملكٌ يرتجى نداه ويُخشى بأسهُ في الوغى، قريبٌ بعيدُ
لا يجير الملوك منه طريدًا وإذا ما أجار عزّ الطريدُ
فدعِ الصحصحان واقصدْ يزيدًا فلنا في جواره ما نريدُ
قال: فقال يزيد: إي والله يا أعرابي، إن لك ولها في جوارنا ما تريد، هل يقضي دَيْنك ويسدُّ فقرك عشرة آلاف»
درهم؟ قال: لا والله- أصلح الله الأمير- ولا مثلها «٥»، قال: هي لك عندي، وللجارية مثلها، ثم صرفه معه إلى داره، وأمر له بثمانين ألف درهم.
وعن حسين الخادم، قال: بينا أنا ذات يوم في مسجد الرحبة «٦» في يوم
[ ١١١ ]
جمعة، والناس بين راكع وساجد من بعد صلاة الظهر، إذ مثل بين يدي غلام أعرابي حسن الوجه حدث السن في أطمار خلقةٍ، كالقضيب الذابل، يقلب في فكية لسانًا أبين من الصبح، وأحلى من الشهد، فكان في بعض ما سمعته منه:
«أيها الناس، إن الفقر أقامني لديكم مقام المذنب إليكم، وقد انغلق علي فيه باب الشكر، فافتحوا لي باب العذر، رحمكم الله، فلقد أحسن الذي يقول:
كأن فقيرًا حين يغدو «١» لحاجةٍ إلى كل من يلقى من الناس مذنب
والله إني لأنفر من منن اللئام نفور الوحش من زئير الأسد، وإنما قصدت هذا الملك السيد، الذي زينته أفعاله، وشرفته أحواله، فنفّرني بوّابه وتنكّرلي حجابه، فخرجت في يومي هذا الى عامتكم ملتمسًا منكم رجلًا عربيًا تقيًا نقيًا هبرزيًا «٢» يكون سببًا لي إليه» .
قال حسين الخادم: وكان إلى جانبي يزيد بن حلوان القناني «٣»، فقال:
يا أبا خالد ما أرى هذا الأعرابي قصد غيرك، ولا أراد سواك، فصدق ظنّه،
[ ١١٢ ]
وأبلغ به أمنيته. فقلت: نعم يأبا عبد الله، انهض بنا، فنهض ونهضت والأعرابي ثالثنا، حتى دخلنا على الأمير طوق بن مالكٍ، فسلمنا عليه، وأنشده الأعرابيّ:
يا طوق، إنّ الزّمان حار بني وكنت في إخوةٍ وأخوال
وفي رجالٍ مثل البدور وفي قومٍ إلى ثروةٍ وأموال
فلم تزل بي صروفه وبهم تنقل* من حالةٍ إلى حَالِ
فاستلب المال من يدي وعدا على رجالي عدو ربيَالِ «١»
حتى دعيت «الغريب في ال أرض والمسكين» بعد كثرة المال
فقلت: من لي وللزمان؟ ومن يصدق ظني به وآمَالِي؟
فقيل: طوق بن مالك ملك النّاس ومأوى الطريد والجالي «٢» طوقٌ إذا عاذ واستعاذ به الملهوف أضحى بموضع الوالِي
فجئتُ يا طوقُ عائذًا بك من شر الزمان وسوء أعمالِي
قال: فضحك طوق، وقال: يا أعرابيُّ، أما شر زمانك فقد بدا لنا من قبيح حالتك، فما سوء أعمالك؟ قال: أصلح الله الأمير، والعزبة «٣» والغربة، فقال طوقٌ: نكدٌ وشؤمٌ، ثم أمر له بجائزةٍ وجاريةٍ وخلعٍ ودابةٍ، وانصرف إلى أهله على أحسن حالٍ.
[ ١١٣ ]
قال عبد الله بن المعتز:
لا صاحبتني يدٌ لم تغن ألف يدٍ ولم ترد «١» القنا حمر الخياشِيمِ
بادر بجودك بادر قبل عائقةٍ فإن وعد الفتى عندي من اللوم «٢»
لما احتضر محمد بن اسامة بن زيد بن حارثة- رحمهما الله- حضره الهاشميون، وأطاف «٣» به غرماؤه، فقال لهم حسن بن حسن رحمهما الله: أنا أضمن ما عليه، قالوا: لا نريد، دع ما لنا يكون مكانه. فقال له علي بن الحسين رحمهما الله: أتحب أن أضمنه لهم؟ قال: نعم، قال: أفتحبّ أن أقضيه وأنت حيٌّ؟ قال: وددت. قال: فانصرف إلى مالٍ كان عنده، أودعه إياه مروان بن الحكم، فقال: ما يمنعني أن أحول هذا المال وأضمنه؟! فقضاهم، فلما أسرع فيه أتاه كتاب عبد الملك بن مروان: إن مروان قد توفي، وأوصي:
أنه قد أودعك مالًا وأنه قد سوّغك إباه.
دخل طرماح بن حكيم الطائي «٤» على خالد بن عبد الله القسري، فقال له: أنشدني بعض شعرك، فأنشده «٥»:
وشيّبني ما لا أزال «٦» مناهضا بغير غنى أسموبه وأبوع «٧»
[ ١١٤ ]
وإن رجال المال أضحوا ومالهم لهم عند أبواب الملوك شَفِيعُ
أمخترمي ريب المنون ولم أنل من المال «١» ما أعصي به وأطيع؟!
فأمر له بخمسين ألف درهمٍ، وقال له: اعص الآن وأطع «٢» .
كان عليّ بن عيسى ضامن أعمال الخراج والضياع فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينارٍ، فألح المأمون في اقتضائه إياها ومطالبته بها، إلى أن قال لعلي بن صالح حاجبه: طالب علي بن عيسى بما بقي عليه، وأنظره ثلاثًا فإن أحضر المال قبل انقضائها، وإلا اضربه بالسياط حتى يؤديها أو يتلف. فانصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيسًا من نفسه، إذ كان لا يعرف وجهًا يخلصه من المال. فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان بن عبادٍ «٣» وخبرته خبرك لرجوت لك أن يعينك على أمرك. فقال له: على
[ ١١٥ ]
ما بيني وبينه؟! فقال: نعم، فإن الرجل أريحي كريم. فحملته الحال التي هو عليها على قبول ذلك من كاتبه. فدخلا إلى غسان، فقام إليه وتلقاه بالجميل ووفاه حقه. فقال له: الذي بيني وبينك لا يوجب ما أسديته من تكرمة. فقال:
ذاك بحيث تقع المنافسة عليه والمضايقة فيه، والذي بيني وبينك نحن عليه بحالته، ولدخولك داري حرمة توجب لك بلوغ ما رجوته عندي، فاذكر إن كانت لك حاجة. فقص عليه كاتبه القصة. فقال: أرجو «١» أن يكفيكه الله.
ولم يزده شيئًا. فنهض علي بن عيسى، وخرج من عنده آيسًا من خيره، نادمًا على قصده له. وقال لكاتبه: ما أفدتني بقصد غسان ودخولي عليه إلا تعجيل الشماتة والهوان، وعساه يجد بذلك السبيل إلى التشفي بي. فلم يصل علي بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه المال على البغال، وبلغه سلامه. وقال: قد حضر [المال] «٢» فتقدم بتسليمه، وبكّر إلى دار أمير المؤمنين من غد. فبكر علي بن عيسى فوجد غسانًا قد سبقه إلى الدار، ودخل على المأمون ومثل «٣» بين الصفين وقال: يا أمير المؤمنين، إن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة وسالف أصل، ولأمير المؤمنين عليه إحسان وهو ولي ربه وحفظه، وقد لحقه من الخسران والجائحة «٤» في ضمانه ما قد تعارفه
[ ١١٦ ]
الناس، وخرج أمر أمير المؤمنين بالشد عليه في المطالبة، وتوعده من ضرب السياط بما يتلف نفسه-: ما أطار عقله، وأذهل لبه، وأدهشه عن الاضطراب في الخلاص «١»، والاحتيال فيما عليه، مع قدرته على ذلك. فإن رآى أمير المؤمنين أن يشفعني فيه ببعض ما عليه، فهي صنيعة يجددها عندي ويحرس بها قديم إحسانه، ويضاعف وجوب الشكر بها، والاعتداد بسبوغ النعمة فيها «٢» . ولم يزل يتلطف إلى حطه النصف مما عليه، وأقتصر منه على عشرين ألف دينار. فقال غسان: على أن يجدد أمير المؤمنين عليه الضمان، ويشرفه بخلع تقوي «٣» نفسه، وترهف عزمه، ويعرف بها مكان الرضى عنه. فأجابه المأمون إلى ذلك. فقال: فيأذن لي أمير المؤمنين في حمل الدواة إلى حضرته، ليوقع بما رآه من هذا الإنعام، فيبقى شرف حملها علي وعلى عقبي من بعدي؟ فقال: افعل. فحمل الدواة إلى بين يديه، فوقع له المأمون بما التمس، وخرج علي بن عيسى بالخلع والتوقيع بيده. فلما حصل في داره حمل من المال عشرين ألف دينار، وأعاد ما بقي على غسان، وشكره على جميله. فقال غسان، لكاتب علي بن عيسى: كأنني شفعت إلى أمير المؤمنين ليعيد إلي المال؟! لم أستحطه «٤» ذلك إلا ليتوفر عليه وينتفع به، وليس يعود إلى منزلي منه شيءٌ أبدًا. وأعاد المال عليه. فكان ذلك سبب صلاح ما بينهما، وعرف علي بن عيسى قدر ما فعله معه غسان، ولم يزل يحدث به إلى آخر عمره.
[ ١١٧ ]
روي: أن عبد الله بن عباس أتى الحسن والحسين رضوان الله عليهم فقال: إن أخي وأخاكما «١» قد أسرع في ماله إسراعًا قد خفت على نفاده، وله صبيةٌ قد خفت أن يدعهم عالةً، وقد عاتبته في ذلك مرارًا، ولا أراه يقلع ولا ينزع، وأرجو أن يكون لكما مطيعًا، وإن قولكما عنده مقبولٌ، فلو عاتبتماه؟ فقالا: نفعل، فصارا إليه، فلما دخلا وجداه يطعم الناس، وإذا جزرٌ تنحر. فقال أحدهما لصاحبه: هذا بعض ما شكاه عبد الله. ثم صارا إليه، فاستقبلهما وأسهل لهما عن فراشه «٢»، ولقيهما بالإجلال والإعظام.
وقالا: أتيناك في حاجةٍ. فقال: الحوائج بعد الغداء، قالا: فهاته، قال: ما كنت لأغدّيكما بنحيرة «٣» لغيركما. فاحتبسهما حتى نحر لهما، فلما طعما وفرغا سألهما عن حاجتهما؟ فقالا: إن أخانا وأخاك عبد الله أتانا فسألنا معاتبتك على إسرافك في مالك، وقد رأينا بعض ما شكا، ولك بنون، ولسنا نأمن عليهم الضيعة بعدك. فقال: ما لقولكما عندي مردٌّ، ولا لي عما تأمراني به مدفع، لكنّي أخبركما بقصّتي، وأردّ الأمر إليكما، فما أمرتماني به أتيته، وما نهيتماني عنه وقفت عنده. فقالا: هات. فقال: إن الله ﵎ عودني عادة جميلة، فعودتها عباده، ولست آمن إن قطعت عادتي عن عباده أن يقطع عادته عني.
فقالا: لا نأمرك في هذا بشيءٍ. وقاما فانصرفا حامدين لأمره «٤» .
[ ١١٨ ]
قدم عيينةٌ بن مرداسٍ المعروف بابن فسوةٍ «١» على ابن عامرٍ «٢» البصرة- وهو واليها- فأغفل الغلمان أمره، فقال «٣»:
كأَنِّي وَنِضْوِي عندَ بَابِ ابنِ عامر مِنَ الصِّرِّ ذِئْبَا قَفْرَةٍ غَرِثانِ «٤»
فَبِتُّ وَصِنَّبْرُ «٥» الشِّتّاءِ يَلُفُّنِي وقَدْ مَسَّ بَرْدٌ سَاعِدِي وَبَنَانِي
فَما أَوْقَدُوا نَارًا ولاَ أَحْضَرُوا «٦» قِرًى وَلاَ اعْتَذَرُوا مِنْ عُسْرَةٍ «٧» بِلِسَانِ
فلما بلغ شعره ابن عامرٍ أقسم: «لا يغلق له بابٌ» فكانت أبوابه تبيت مفتوحةً.
قال الحكيم: الجود خلقةٌ أثرت «٨» عذوبة لذة الثناء على لذة المال، وهو من أمهات المحاسن، ومن الكرم بسبيلٍ خاصةٍ، وبمكانٍ رفيعٍ من القلوب.
[ ١١٩ ]
وقال حاتم بن عبد الله الطائيُّ: «١»
يابْنَةَ «٢»، عَبْدِ اللهِ وَابْنَةَ «٣» مالِكٍ وَيابْنَةَ «٤» ذِي البُرْدَيْن «٥» والفَرَسِ النَّهْدِ «٦»
إِذَا مَا صَنَعْتِ «٧» الزَّادَ فالتَمسي لَهُ أَكِيلًا، فإِني لَسْتُ آكُلُهُ «٨» وَحْدِي
[ ١٢٠ ]
بَعيدًا قَصِيًّا أَوْ قَرِيبًا «١»، فإِنني أَخَافُ مَذمَّاتِ الأَحَادِيثِ مِنْ بَعْدِي
وقال الشريف الرضي﵁- في ترك المال للوارث:
يَا آمِنَ الأَقْدَارِ بادِرْ صَرْفَها وَاعْلَمْ بِأَنّ الطّالِبِينَ حِثَاثُ «٢»
خُذْ مِنْ تُرَاثِكَ مَا اسْتَطَعْتَ فإِنّما شُرَكاؤكَ الأيَّامُ وَالْوُرَّاثُ «٣»
أَلمَالُ- مَالُ المَرْءِ-: ما قضيت «٤» به الشّهوات أَوْ دُفِعَتْ بِهِ الأَحْدَاثُ
ما كانَ مِنْهُ فاضلا عن قوته فليتعلمنّ بِأَنّهُ مِيراثُ «٥»
وقال أعرابي من بني أسدٍ:
يَقُولُونَ: «ثمِّرْ مَا اسْتَطَعْتَ» وَإِنَّمَا لِوَارِثِهِ مَا ثمَّرَ المَالَ كاسِبُهْ
فَكلْهُ وَأَطْعِمْهُ وَخَالِسْهُ وَارِثًا شَحِيحًا وَدَهْرًا تَعْتَرِيهِ نَوَائِبُهْ «٦»
ينظر إليه قول المسعوديّ «٧»:
[ ١٢١ ]
إِنَّ الكِرَامَ مُنَاهِبُو كَ المَجْدَ- كلَّهُمُ- فَناهِبْ
أخلف وأتلف، كلّ شي ء زَعْزَعَتَهُ الرِّيحُ ذَاهِبْ
كان يقال: إنما نلقى ما أسلفنا، ولا نلقى ما خلفنا.
روي: أن هشام بن عبد الملك بن مروان لما ثقل في مرضه الذي مات فيه-: بكى عليه ولده. فقال لهم: جاد لكم هشامٌ بالدنيا، وجدتم عليه بالبكا، وترك لكم ما كسب، وتركتم عليه ما اكتسب، فما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له.
فأخذ هذا المعنى محمودٌ الوراق فقال:
تمَتَّعْ بمالِكَ قَبلَ الممَاتِ وإلاّ فَلاَ مالَ إِنْ أَنتَ مُتّا
شَقِيت بهِ ثمَّ خَلَّفْتَهُ لِغيْرِكَ، بُعْدًا وَسُحْقًا ومَقْتًا
فَجَادُوا عَلَيْكَ بِزُورِ البكا وجدت عليهم بما قد جمعتا
و«١» أوهبتهم كلَّ «٢» مَا في يَدَيْكَ وَخَلَّوْكَ رَهْنًا بماَ قَدْ كَسَبتَا
يقال: مال الميت يعزي ورثته عنه.
فأخذ هذا المعنى ابن الرومي فقال «٣»:
بَقَّيْتَ مَالَكَ مِيرَاثًا لِوَارِثِهِ فلَيْتَ شِعْرِيَ: مَا بَقَّى لَكَ المَالُ؟!
[ ١٢٢ ]
ألقوم بعدك في حال تسرّهم «١» فكيف بعدهم حَالَتْ «٢» بِكَ الحالُ؟
مَلُّوا البُكاءَ فَما يَبْكِيكَ مِنْ أَحَدٍ وَاسْتَحْكَمَ الْقِيل «٣» في المِيرَاثِ وَالقَالُ
وَلَّتْهُمُ عَنْكَ دُنْيَا أَقْبَلَتْ لَهُمُ وَأَدْبَرَتْ عَنْكَ، وَالأَيَّامُ أَحْوالُ
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أنه قال: إنما تخلف مالك لأحد رجلين: رجل عمل فيه بطاعة الله تعالى، فسعد بما شقيت فيه، أو رجل عمل فيه بمعصية الله تعالى، فشقي بما جمعت له.
وقيل لابن عمر رضوان الله عليه: توفي زيد بن خارجة وترك مائة ألف درهم. قال: لكنّها لا تتركه.
بعث معاوية بن أبي سفيان ﵀ إلى عبيد بن شرية «٤» الجرهمي- وكان من المعمرين «٥» - فقال له: ما أدركت؟ فقال: أدركت يوما شبيها
[ ١٢٣ ]
بيومٍ قبله، وليلة شبيهةً بأختها، ومولودًا يولد، وحيًاّ يموت. قال: أخبرني بأعجب ما رأيت. قال: حضرت جنازةً فذكرت الموت والبلى، فخنقتني العبرة فقلت متمثلًا:
يا قَلْبُ إِنَّكَ في أَسْمَاءَ مَغْرُورُ فاذْكُرْ، وهَلْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ تََذْكِيرُ؟
فاسْتَقْدِرِ «١» اللهَ خَيْرًا وَارْضَيَنَّ بِهِ فَبَيْنَمَا العُسْرُ إذْ دَارَتْ مَيَاسيرُ
وَبَيْنَمَا المَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطًا «٢» إذ صارَ في القَبْرِ تعْفُوهُ الأعاصِيرُ «٣»
حتَّى كأنْ لم يَكُنْ إلاّ تَذَكُّرُهُ وَالدَّهْرُ- أَيَّتَما حالٍ- دَهَارِيرُ «٤»
يَبْكي الغريبُ عليْهِ ليْسَ يَعْرِفُهُ وَذُو قَرَابَتِهِ في الحَيِّ مَسْرُورُ
فقال لي رجلٌ من أهل الجنازة: أتدري لمن هذا الشعر؟ قلت: لا.
قال: هو لهذا المدفون، وأنت غريبٌ تبكي عليه، وقراباته الذين يرثونه مسرورون! وقيل: هذا الشعر لجبلة بن الحارث. وقيل: الميت عثمان بن لبيدٍ العذري «٥» .
[ ١٢٤ ]
ما أحسن ما اعتذر حاتم بن عبد الله الطائيُّ عن كرمه من قصيدة له!: «١»
أَمَاوِيَّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عنِ الْفَتَى إذا حَشْرَجَتْ يوْمًا «٢» وضاقً بها الصَّدْرُ
أَمَاويَّ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ «٣» بِقَفْرَةٍ مِنَ الأَرْضِ لاَ مَاءٌ لَدَيَّ وَلاَ خَمْرُ
أَرَى أَنَّ ما أنْفَقْتُ لَمْ يَكُ ضائِرِي «٤» وأنَّ يدِي مِمَّا بَخِلْتُ بهِ صِفْرُ
ومثله قول الآخر:
أَرأَيْت إنْ صَرَخَتْ بِلَيْلٍ هَامَتي وخَرَجْتُ مِنْهَا بالِيًا أثوَابي
هَلْ تَخْمِشَنْ إِبِلي عليَّ وُجُوهَهَا؟ أمْ هَلْ تُشَدُّ رُؤوسُهَا بِسِلاَبِ؟
أَأَصُرَّها وَبُنَيُّ عَمِّي ساغِبٌ؟! * لَكَفَاكِ مِنْ إِبَةٍ عليَّ وَعَابِ «٥» سأل رجلٌ الحسن بن علي- رضوان الله عليهما- حاجةً، فقال له:
يا هذا، حقُّ سؤالك إياي يعظم لديّ، ومعرفتي ما يجب لك تكبر عليَّ، ويدي تعجز عن نيلك «٦» ما أنت أهله، والكثير في ذات الله تعالى قليلٌ،
[ ١٢٥ ]
وما في ملكتي وفاءٌ لشكرك، فإن قبلت الميسور، ورفعت عني مؤونة الاحتيال والاهتمام لما اتكلف من واجبك-: فعلت. فقال: يابن رسول الله، أقبل القليل، وأشكر العطية، وأعذر على المنع. فدعا الحسن- رضوان الله عليه- وكيله، وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها ثم قال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم، فأحضر خمسين ألفًا. قال: فما فعلت الخمس مائة دينارٍ؟
قال: هي عندي، قال: أحضرها، فأحضرت، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل. وقال: هات من يحملها، فأتاه بحمالين، فدفع إليهم الحسن- رضوان الله عليه- ركاءه لكري الحمل، فقال له مواليه: والله ما بقي عندنا درهمٌ، فقال: لكني أرجو «١» أن يكون لي عند الله تعالى أجرٌ عظيمٌ.
عن محمد بن المنكدر عن أم ذرة «٢» - وكانت تخدم عائشة رضوان الله عليها- قالت: بعث ابن الزبير ﵀ إلى خالته أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها-: في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهمٍ «٣»، فدعت بطبقٍ فجعلت تقسمه بين الناس، حتى فرغ، فلما أمست قالت: يا جارية، هاتي فطوري «٤»، فجاءت بخبز وزيت، فقالت لها أم ذرَّة: ما استطعت- فيما قسمت اليوم- أن تشتري لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟! فقالت: لو كنت ذكّرتيني «٥» لفعلت!!
[ ١٢٦ ]
يروى: أنه كان لعثمان بن عفان على طلحة بن عبيد الله- رضوان الله عليهما- خمسون ألف درهمٍ، فخرج عثمان يومًا إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه، فقال له عثمان ﵁: هو لك يأبا محمدٍ معونةً على مروءتك.
خرج عبد الله بن عامر بن كريزٍ ﵀ من المسجد يريد منزله، وهو وحده، فقام إليه غلامٌ من ثقيفٍ فمشى إلى جانبه، فقال له عبد الله: ألك حاجةٌ يا غلام؟ قال: سلامتك وفلاحك، رأيتك تمشي وحدك فقلت: «أقيك بنفسي وأعوذ بالله إن طار بجناحك مكروهٌ» فأخذ عبد الله بيده، ومشى معه إلى منزله، ثم دعا بألف دينارٍ فدفعها إلى الغلام، وقال: استنفق هذه، فنعم ما أدَّبك أهلك.
قيل: اشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيطٍ «١» داره التي في السوق «٢» بسبعين ألف درهمٍ، فلما كان الليل سمع بكاء آل خالدٍ، فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ قال: يبكون من أجل دراهم. قال: يا غلام، إئتهم «٣» فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعًا.
[ ١٢٧ ]
عن الحسن بن خضر قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفت رجالٌ من بني أمية، وكان فيمن اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، حتّى أخذ له داود بن العباس أمانًا، وكان إبراهيم رجلا عالمًا حدثًا «١»، فخصَّ بأبي العباس، فقال له يوما: حدثني عن ما مرَّ بك في اختفائك؟ قال: كنت- يا أمير المؤمنين- مختفيًا بالحيرة، في منزلٍ شارعٍ عن الصحراء «٢»، فبينا أنا على ظهر بيتٍ اذ نظرت إلى أعلامٍ سودٍ قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فوقع في روعي «٣» أنها تريدني، فخرجت من الدار متنكّرًا، حتى أتيت الكوفة، ولا أعرف بها أحدًا أختفي عنده، فبقيت متلدِّدًا «٤»، فإذا ببابٍ كبيرٍ ورحبةٍ واسعةٍ، فدخلت فيها، فإذا رجلٌ وسيم الهيئة على فرسٍ قد دخل الرحبة، ومعه جماعةٌ من غلمانه وأتباعه، فقال: من أنت؟ وما حاجتك؟ فقلت: رجلٌ مختفٍ يخاف على دمه، استجار بمنزلك. فأدخلى منزله، ثم صيَّرني في حجرةٍ تلي حرمه «٥»، وكنت عنده فيما أحبُّ من مطعمٍ ومشربٍ وملبس، ولا يسألني عن شيءٍ من حالي، إلاَّ أنه يركب في كلِّ يومٍ ركبةً. فقلت له يومًا:
أراك تدمن الرُّكوب، ففيم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرًا، وقد بلغني أنه مختفٍ، وأنا أطلبه لادرك منه ثأري! فكثر- والله- تعجّبني، إذ ساقني القدر إلى حتفي، في منزل من طلب دمي! وكرهت الحياة. فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه؟ فخبَّرني. فعرفت أنَّ
[ ١٢٨ ]
الخبر صحيح، وأنا قتلت أباه صبرًا. فقلت: يا هذا، قد وجب عليَّ حقك، ومن حقك علي أن أدلك على خصمك، وأقرب عليك الخطوة. قال: وما ذاك؟
قلت: أنا ابراهيم بن سليمان قاتل أبيك، فخذ بثأرك! فقال: إني أحسبك رجلًا قد مضَّه «١» الاختفاء، فأحبَّ الموت. فقلت: بل الحقُّ ما قلت لك، أنا قتلته يوم كذا وكذا، بسبب كذا وكذا. فلما عرف صدقي اربدَّ «٢» وجهه واحمرَّت عيناه، وأطرق مليًّا، ثم قال: أما أنت فستلقى أبي فيأخذ بثأره منك، وأما أنا فغير مخفرٍ ذمَّتي، فاخرج عني، فلست آمن نفسي عليك! وأعطاني ألف دينارٍ. فأخذتها وخرجت من عنده. فهذا أكرم رجلٍ رأيته بعد أمير المؤمنين.
قال القاضي أبو علي المحسِّن بن أبي القاسم علي بن محمد التَّنوخيّ «٣»
[ ١٢٩ ]
﵀: حدثني أبو الفرج [المعروف ب] الإصبهاني [إملاء] من حفظه [وأنا أسمع]، قال: قرأت في بعض أخبار الأوائل: أن الإسكندر لما انتهى إلى [بلد] الصين، ونازل ملكها «١» -: أتاه حاجبه، وقد مضى من الليل شطره، فقال له: رسول ملك الصين بالباب يستأذن عليك. فقال: ائذن له. فلما دخل وقف بين يديه وسلم، وقال: إن رأى الملك أن يخليني فليفعل.
فأمر الإسكندر من بحضرته بالانصراف، وبقي حاجبه «٢»، فقال له الرسول:
إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر بتفتيشه، ففتِّش، فلم يوجد معه شيءٌ من السِّلاح. فوضع الإسكندر بين يديه سيفًا مجرَّدًا، وقال له:
قف مكانك، وقل ما شئت. ثم أخرج كل من كان عنده. فلما خلا المكان قال له الرسول: إني أنا ملك الصين، لا رسوله، وقد حضرت أسألك عمّا تريده؟ فإن كان ممّا يمكن الانقياد إليسه [ولو] على أصعب الوجوه-:
أجبت إليه، وغنيت أنا وأنت عن الحرب. فقال له الإسكندر: وما أمنك مني؟! فقال: لعلمي بأنك رجلٌ عاقلٌ، وأنه ليس بيننا عداوةٌ متقدِّمةٌ، ولا مطالبةٌ بذحلٍ «٣»، وأنك تعلم أن أهل الصين متى قتلتني لا يسلمون إليك ملكهم، ولم يمنعهم عدمهم إياي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري، ثم تنسب انت إلى غير الحميد وضدِّ الحزم. فأطرق الإسكندر مفكِّرًا في مقالته، وعلم أنه رجلٌ عاقلٌ. ثم قال له: الذي أريد منك ارتفاع ملكك «٤» ثلاث
[ ١٣٠ ]
سنين عاجلًا، ونصف ارتفاعه في كل سنةٍ. قال: هل غير ذلك! قال: لا.
قال: قد أجبتك. قل: فكيف تكون «١» حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيل أول محاربٍ، وأكلة «٢» أول مفترس. قال: فان قنعت منك بارتفاع سنتين، كيف يكون حالك؟ قال: أصلح- إذا لزمت- مما تقدم ذكره «٣» . قال: فان قنعت منك بارتفاع سنةٍ واحدةٍ؟ قال: يكون ذلك [مضرًّا بي و] مذهبا لجميع لذّاتي. قال: فان اقتصرت منك على السدس [مضرّا بى و] مذهبا لجميع لذّاتي. قال: فان اقتصرت منك على السُدس؟ قال: يكون السُّدُسُ موفَّرا، والباقي لجيشي وأسباب الملك «٤» . قال: قد اقتصرت على هذا. فشكره وانصرف. فلما أصبح وطلعت الشمس أقبل جيش الصين، حتى طبق الأرض واحتاط بجيش الإسكندر، حتى خافوا الهلكة، وتواثب أصحابه فركبوا [الخيل] واستعدوا للحرب. فبيناهم كذلك إذ ظهر ملك الصين عليه التاج. فلما رأى الإسكندر ترجل. فقال له الإسكندر: أغدرت؟! قال: لا والله. قال: فما هذا الجيش؟ قال: أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلةٍ، ولا من ضعفٍ ولينٍ «٥»، [وأنت] ترى [هذا] الجيش، وما غاب عنك أكثر، لكني رأيت العالم الأثير «٦» مقبلًا عليك، ممكِّنًا لك، فعلمت أنه من حارب العالم الأثير «٧» غلب، فأردت طاعته بطاعتك، والذِّلَّة لأمره بالذِّلة لك «٨» فقال الإسكندر: ليس مثلك من يؤخذ منه شيءٌ، فما رأيت بيني
[ ١٣١ ]
وبينك أحدًا يستحقُّ التفضيل والوصف بالعقل غيرك، رقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، وأنا منصرفٌ عنك. فقال ملك الصين: أما إذ فعلت ذاك فلست تخسر. فلما انصرف الإسكندر أتبعه ملك الصين من الهدايا والألطاف بضعف ما كان قرَّر معه «١» .
قلت: قد جرى في مدَّتي ما يشاكل حديث الإسكندر، وأنا مورده.
وذلك: أن الإفرنج- خذلهم الله- لما خرجوا في سنة تسعين وأربع مائة، وفتحوا أنطاكية «٢»، وقهروا أهل الشأْم-: تداخلهم الطمع، وحدثتهم نفوسهم بملك بغداد وبلاد الشرق، فحشدوا وجمعوا وساروا يريدون البلاد، وصاحب الموصل في ذلك الوقت حكرمش «٣»، فجمع أمراء التركمان الأرتقية ومن قدر عليه، ولقيهم على الخابور فكسرهم، وأسر من يقدمهم «٤»: الملك بغدوين البرونس «٥» وجوسلين «٦»، وسيَّرهم إلى قلعة جعبر، «٧» إلى عند الأمير شهاب الدين مالك بن سالم، «٨» أودعهم عنده، وعاد من بقي من الإفرنج
[ ١٣٢ ]
إلى بلادهم، ومقدمهم ميمون «١» صاحب أنطاكية، فركب في البحر وسار إلى بلاده، يستنجد بالإفرنج ويحشد ويرجع، فمات قبل ذلك، ومات حكرمش صاحب الموصل، وأقطع السلطان الموصل جاولي سقاوي «٢»، فعزم على الغزاة، وتوجه إلى الشأم، فوصل قلعة جعبر، وطلب أسارى الإفرنج الذين عند صاحبها، فقال: هم بحكمك، قال: اقطع عليهم ما لا يشترون به أنفسهم، فتحدَّث معهم شهاب الدين، وقرَّر عليهم مائة ألف دينارٍ، وعرَّف جاولي بذلك، فقال:
أنفذ لي جوسلين، فلما حضر عنده قال: قطعتم على أنفسكم مائة الف دينارٍ؟
قال: نعم، قال: تشتهي أهب لك عشرة آلاف «٣» دينار؟ قال: ما ينكر لمثلك أن يوهب «٤» عشرة آلاف «٥» دينار! قال: تشتهي أن أوهب «٦» لك عشرين ألف دينار؟ قال: ما يصلح لملكٍ مثلك أن يتلاهى بمثلي! قال: والله ما تلاهيت بك، ولو أردت أن آخذ منك المال ما أبصرتك ولا تحدثت معك، وأنا أطلقكم وأخلي لكم المال كله، بلى، لي حاجةٌ، نقضوها لي؟ قال:
ما هي؟ قال: صاحب أنطاكية وصاحب حلبٍ أعدائي، أريدكم تعينوني على
[ ١٣٣ ]
قتالهم. وكان صاحب أنطاكية: دنكري «١»، وصاحب حلب: الملك رضوان «٢»، فقال جوسلين: نمضي ونجتمع- فارسنا وراجلنا- ونصلك نقاتل معك كل من قاتلك، فأطلقهم، فمضوا، حشدوا وجمعوا، ووصلوا إلى خدمته، وسار- هو وهم- إلى لقاء عسكر حلبٍ وعسكر أنطاكية، حتى التقوا، فحدَّثني من حضر حربهم قال: كان وقع السيوف بينهم- يعني الإفرنج- كوقع الفؤس في الحطب، فكسرهم صاحب أنطاكية، فأما المسلمين «٣» فطار من سلم منهم، وأمّا الإفرنج فأسر من فرسانهم جماعةٌ كبيرةٌ، فجاؤوا إلى عند دنكري صاحب أنطاكية ثاني يوم أسرهم، وقالوا له: أي شيءٍ تريد تعمل بنا؟ قال: أحملكم إلى أنطاكية، أحبسكم، قالوا: والله ما فينا من يتبعك ولا يجيء معك، نحن عراة، ما معنا ثيابٌ ولا نفقةٌ ولا فرشٌ ننام فيها، ولا معنا غلمانٌ يخدمونا، قال: وأي شيء تعملون؟ قالوا: تخلينا نمضي إلى بيوتنا نعمل شغلنا ونجيء إلى الحبس، قال: امضوا، فمضوا، أحضروا غلمانهم ونفقاتهم وفرشهم، ووصلوا إلى عنده إلى أنطاكية، فحبسهم إلى حين تسهل خلاصهم.
روى أبو الفرج الأصبهاني «٤» عن أبي بكر الهذلي قال: لما أطلق امير المؤمنين «٥» عمر بن الخطاب ﵁ الحطيئة الشاعر «٦» من حبسه قال
[ ١٣٤ ]
له: يا أمير المؤمنين، اكتب لي إلى علقمة بن علاثة «١» كتابًا لأقصده به، فقد منعتني التكسب بشعري. قال: لا أفعل. فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما عليك من ذلك؟! [إن] علقمة ليس بعاملك فتخشى أن تأثم، وإنما هو رجلٌ من المسلمين، فتشفع «٢» له إليه. فكتب له بما أراد، فمضى الحطيئة بالكتاب، فصادف علقمة قد مات والناس ينصرفون «٣» عن قبره. فوقف عليه ثم أنشد [قوله] «٤»:
لَعَمْرِي لَنِعْمَ المَرْءُ مِنْ آل جَعفَرٍ بِحُورَانَ أَمْسَى أَعْلَقَتْهُ الحَبَائِلُ
فإنْ تَحْيَ لاَ أَمْلَلْ «٥» حَيَاتي، وإن تَمُتْ فَما فِي حَيَاةٍ بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ
ومَا كانَ «٦» بَيني- لَوْ لَقِيتُكَ سَالِمًا-* وَبَيْنَ الغِنَى إِلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ فقال له ابنه: كم ظننت أن علقمة يعطيك؟ قال: مائة ناقةٍ، [قال: فلك مائة ناقة] «٧» تتبعها مائةٌ من أولادها. فأعطاه إياها.
وعن القحذميّ «٨» قال: لزم يزيد بن مفرّغٍ «٩» غرماؤه بدينٍ لهم. فقال
[ ١٣٥ ]
لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير، عسى أن يخرج الأشراف [من عنده] فيروني فيقضوا عني. فانطلقوا به، فكان أول من خرج إما عمر «١» بن عبيد الله ابن معمرٍ، وإما طلحة الطلحات. فلما رآه قال: أبا عثمان، ما أقعدك هاهنا؟! قال «٢»: غرمائي هؤلاء، لزموني بدينٍ لهم علي، قال: وكم هو؟ قال: سبعون ألفًا، قال: علي منها عشرة آلاف «٣» درهم. ثم خرج الآخر على الأثر، فسأله عما سأله عنه صاحبه «٤»؟ فقال: هل خرج أحدٌ قبلي؟ قالوا: نعم، فلان، قال:
فما صنع؟ قالوا: ضمن عشرة آلاف «٥» درهم، قال: فعليّ مثلها. وجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين الفًا. وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة ﵀، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج مبادرًا، فلم يره «٦»، حتى كاد يبلغ بيته. فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزومًا، وقد مرَّ به الأشراف فضمنوا عنه، فقال:
واسوأتاه «٧» ! إني لخائفٌ أن يظنَّ بي أنى تغافلت عنه. وكرَّ راجعًا فوجده قاعدًا، فقال: أبا عثمان، ما أجلسك «٨» هاهنا؟ قال: غرمائى «٩» هؤلاء، يلزمونني، قال: وكم عليك؟ قلل: سبعون الفًا، قال: وكم ضمن عنك؟ قال: أربعون ألفًا، قال: فاستمتع بها وعلي دينك أجمع. فقال فيه:
[ ١٣٦ ]
لَوْ شِئْتَ أَنْ تَغْنَيْ «١» وَلَمْ تَنْصَبِي عِشْتِ بِأَسْبابِ أَبي حَاتِمِ
عِشْتِ بِأَسبابِ الجَوَادِ الذِي لاَ يَخْتِمُ الأَموَالَ بِالخَاتَمِ
منْ كَفِّ بُهْلُولٍ «٢» لَهُ غُرَّةٌ «٣» مَا إِنْ لِمَنْ عَادَاهُ مِنْ عَاصِمِ
المُطْعِمُ النَّاسَ إِذَا حَارَدَتْ نَكْبَاؤُهَا «٤» فِي الزَّمَنِ العَارِمِ «٥»
وَالفَاصِلُ الخُطّةَ يَوْمَ اللِّحَا «٦» لِلأمْرِ- عِنْدَ الكُربَةِ- اللاّزِمِ
جَاوَرَتْهُ- حِينًَا- فَأَحْمَدْتُهُ أُثْنِي، وما الحامد كاللّائم
كَمْ مِنْ عَدُوٍّ كَاشِحٍ شَامِتٍ أَخْزَيْتَهُ «٧» يَوْمًا وَمِنْ ظَالِمِ
أَذَقْتَهُ الْمَوْتَ عَلى غِرَّةٍ بِأَبْيَضَ ذِي «٨» رَوْنَقٍ صَارِمِ
روى أبو الفرج الأصبهاني عن مسلم بن الوليد- المعروف بصريع الغواني «٩» قال: كنت يومًا جالسًا في دكان خياطٍ بإزاء منزلي، إذ رأيت طارقًا ببابي، فقمت إليه، فإذا هو صديقٌ لي من أهل الكوفة، قد قدم من قمَّ «١٠»، فسررت به.
[ ١٣٧ ]
وكأن إنسانًا لطم وجهي، لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه! فقمت فسلمت عليه، وأدخلته منزلي. وأخذت خفين كانا لي أتجمل بهما، فدفعتهما إلى جاريتي، وكتبت معها رقعة إلى بعض معارفي في السوق، وأسأله أن يبيعهما ويشتري [لي] لحما وخبزا بشيء سميته له. فمضت الجارية، وعادت إلي، وقد اشترى كل ما «١» ذكرته له، وقد باع الخف بتسعة دراهم، وكأنها إنما جاءتني بخفين جديدين. فقعدت أنا وضيفي نطبخ، فسألت جارًا لي أن يسقينا قارورة نبيذ، فوجه بها الي، وأمرت الجارية أن تغلق باب الدار، [مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه، ليبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف] . فإنا لجالسان نطبخ إذ طرق طارقٌ الباب، فقلت للجارية: انظري من هذا؟ فنظرت في شق الباب «٢» فإذا رجلٌ عليه سوادٌ وشاشيةٌ ومنطقةٌ، ومعه شاكريٌ، «٣» فخبرتني بموضعه، فأنكرت أمري، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: لست بصاحب دعارة «٤»، ولا للسّلطان عليّ سبيل. ففتحت الباب وخرجت إليه، فنزل عن دابته، وقال: أنت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم. قال: كيف لي بمعرفتك؟! قلت:
الذي دلك على منزلي يصحّح لك معرفتي! فقال لغلامه: امض إلى الخياط فسله عنه. فمضي فسأله عني، فقال: نعم، هو مسلم بن الوليد. فأخرج اليّ كتابًا من خفّه، قال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إلي [يأمرني] ألا أفضه إلا عند لقائك. فاذا فيه: «اذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع اليه هذه العشرة
[ ١٣٨ ]
آلاف «١» درهم التي أنفذتها، تكون له في منزله، وأدفع إليه ثلاثة آلاف «٢» درهم لنفقته، ليتحمل بها إلينا» فأخذت الثلاثة والعشرة، ودخلت إلى منزلي والرجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، وازددت فيه وفي الشراب، واشتريت فاكهة، واتسعت، ووهبت لضيفي من الدراهم ما يهدي به هديّة لعياله، وأخذت في الجهاز، ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرقة إلى باب بزيد [بن مزيد]، فدخل الرجل فاذا هو أحد حجابه، فوجده في الحّمام، فخرج إلي فجلس معي قليلًا، ثم خبر الحاجب بأنه [قد] خرج من الحمام، فأدخلني إليه، فاذا هو على كرسي جالس، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة، وبيده [هو] مرآة ومشط «٣» يسرح [به] لحيته، فقال لي: يا مسلم، ما الذي أبطأ بك عنّا؟
فقلت: أبها الأمير، قلة ذات اليد، قال: فأنشدني، فأنشدته قصيدتي التي جئته بها»
:
أُجْرِرْتُ حَبْلَ خَلِيعِ في الصِّبَا غَزِلٍ «٥» وَشَمَّرَتْ هِمَمُ الْعذَّالِ في الْعَذَلِ «٦»
هَاجَ البُكَاءَ عَلَى «٧» العَيْنِ الطَّمُوحِ هَوُى مفرّق بَيْنَ تَوْدِيعٍ وَمُرْتَحَل «٨»
أمَا كَفى اُلْبَينَ أَنْ أرمى بأسهمه حتّى رماني بلحاظ الأعين النّجل
[ ١٣٩ ]
ممَّا جَنَتْ «١» لِي وَإنْ كانَتْ مُنًى «٢» صَدَقَتْ صبَابَةً خُلَسُ التَّسْلِيمَ بِالقُبَلِ «٣»
فلما صرت [فيها] إلى قولي:
مُوفٍ عَلى مُهَجٍ في يَوْمِ ذِي رَهَجٍ «٤» كأنّهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلى أَمَلِ
تَرَاهُ في الأمْنِ في دِرْعٍ مُضَاعَفَةٍ «٥» لاَ يأمن الدّهر أن يدعى «٦» على عجل
لا يعبق الطِّيْبُ خَدَّيْهِ وَمَفْرِقَهُ وَلاَ يُمَسِّحُ عَيْنَيْهِ مِنَ الكُحُلِ
-: وضع المرآة في غلافها، وقال للجارية: انصرفي، فقد حرم مسلمٌ علينا الطيب، فلما فرغت من القصيدة، قال لي: يا مسلم، أتدري ما الذي حداني على أن وجهت إليك؟ فقلت: لا والله، ما أدري. فقال: كنت عند الرشيد منذ ليالٍ أغمز رجليه إذ قال لي: يا يزيد، من القائل فيك «٧»:
سَلَّ الخَلِيفَةُ سَيْفًا مِنْ بَنِي مَطَرٍ يَمضِي فَيَخْتَرِمُ الأَجْسَادَ «٨» وَاَلْهَامَا
كالدَّهْرِ لا ينثني عمّا يهمّ به قد أوسع النّاس إنعاما وَإِرْغَامَا
فقلت له: لا والله، ما أدري! فقال الرشيد: يا سبحان الله! [إنك لمقيمٌ على أعرابيتك، يقال فيك مثل هذا الشعر] ولا تدري من قائله؟! [فسألت
[ ١٤٠ ]
عن قائله] فأخبرت أنك أنت هو، فقم حتى أدخلك على الرشيد «١» . فما علمت حتى خرج عليَّ الإذن، [فأذن لي] . فدخلت على الرشيد، وأنشدته مالي فيه من الشعر، فأمر لي بمائتي «٢» ألف درهم. فلما انصرفت إلى يزيد أمرلى بمائة ألف وتسعين ألف درهم، وقال: لا يجوز [لي] أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين. وأقطعني إقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم.
قال مسلم: ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني، فهجوته، فشكاني إلى الرشيد، فدعاني، فقال: أتبيعني عرض يزيد؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال [لي] «٣»: بكم؟ فقلت: برغيفٍ! فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كنت أرى أن أشتريه منك بمالٍ جسيمٍ، فلست أفعل ولا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك، أنا نفيٌّ «٤» عن أبي، ولله ثم والله «٥» لئن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكَّيك. فأمسكت عنه بعد ذلك، وما ذكرته بخيرٍ ولا بشرّ.
روى أبو الفرج الأصبهاني عن عمرو بن بانة «٦» قال: ركبت يومًا الى دار صالح بن الرشيد، فاجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي، وكان معاقرًا للصبوح، فألفيته في ذلك اليوم خاليًا منه، فسألته عن السبب «٧» في تعطيله إياه؟
[ ١٤١ ]
فقال: نيران علي غضبى «١» - يعني جاريةً كانت «٢» لبعض النخاسين ببغداد، وكانت إحدى المحسنات، وكانت بارعة الجمال، ظريفة اللسان، وكان قد أفرط في حبِّها، حتى عرف بها «٣» -: فقلت له: ما تحبُّ؟ قال: تجعل طريقك على مولاها، فانه سيخرجها «٤» إليك، فاذا فعل دفعت رقعتي هذه إليها، ودفع لي رقعةً فيها «٥»:
«ضَيَّعْتِ عَهْدَ فَتًى لِعَهْدِكِ حَافِظٍ فِي حِفْظِهِ عَجَبٌ وَفِي تضْيِيعِكِ
ونَأَيْتِ عَنْهُ فَما لهُ مِنْ حِيلَةٍ إلاَّ الْوُقُوفُ إِلَى أَوَانِ رُجُوعِكِ
مُتَخَشِّعًا يُذْرِي عَلَيْكِ دُمُوعَهُ أَسَفًا وَيَعْجَبُ مِنْ جُمُودِ «٦» دُمُوعِكِ
إِنْ تَقْتُلِيهِ «٧» وتذْهَبي بِفُؤَادِهِ فَبِحُسْنِ وَجْهِكِ لاَ بحُسْنِ صَنيعِكِ»
فقلت له: [نعم] أنا أتحمل هذه الرسالة، وكرامةً، على ما فيها، حفظًا لروحك عليك؛ فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة، وجعلتُ طريقي على منزل النخَّاس، فبعث للجارية «٨»: اخرجي، فخرجت، فدفعت إليها الرقعة، وأخبرتها بخبري، فضحكت، ورجعت «٩» الى الموضع الذي خرجت منه، فجلست جلسةً خفيفةً، ثم إذا بها قد وافَتْني ومعها رقعة فيها:
[ ١٤٢ ]
«وما زلت تقصيني «١» ونغري بيَ الرَّدَى وَتَهْجُرَنِي حَتَّى مَرَنْتَ عَلَى الهَجْرِ «٢»
وتقطع أسبابي وتنسى مودّتى فكيف ترى- يا مالكي- في الهَوَى صَبْرِي؟!
فَأَصْبَحْتُ لاَ أَدْرِي: أَيَأْسًا تَصَبُّرِي عَلَى الهَجْرِ؟ أَمْ حَدُّ التَّصَبُّرِ «٣»؟ لاَ أَدْرِي!»
قال: فأخذت الرقعة منها، وأوصلتها اليه، وصرت الى منزل لي «٤»، فصنعت في شعر «٥» محمد بن جعفرٍ لَحْنًا، وفي شعرها «٦» لحنًا. ثم سرت إلى الأمير صالح بن الرشيد، فعرفته ما كان من خبري، وغنيته الصوتين. فامر بإسراج دوابّه، فأسرجت، وركب وركبت معه الى النخَّاس- مولى نيران- فما برحنا حتى اشتراها بثلاثة آلاف «٧» دينارٍ، وحملها إلى دار محمد بن جعفر، فوهبها له. فأقمنا يومنا عنده.
قال القاضي أبو علي المحسّن بن أبي القاسم علي «٨» التَّنوخي: خرج رجلان من المدينة، يريدان عبد الله بن عامر بن كُرَبْزٍ، للوفادة عليه: أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف. وكان عبد الله عاملا بالعراق لعثمان بن عفان ﵁. فأقبلا يسيران، حتى إذا كانا بناحية
[ ١٤٣ ]
البصرة قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: أعرضه، قال:
ننيخ رواحلنا ونتوضى «١» ونصلي ركعتين، نحمد الله ﷿ فيهما على ما قضى من سفرنا. قال له: نعم، هذا الرأي الذي لا يرد. قال: ففعلًا. ثم التفت الانصاري إلى الثقفي. فقال له: يأخا ثقيف، ما رأيك؟ قال: وأي موضع رأي هذا؟! قضيت سفري، وأنضيت بدني «٢»، وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك من رأي غير هذا؟! قال: نعم، إنني لما صليت فكرت، فاستحييت من ربي أن يراني طالب رزق من عند غيره.
ثم قال: اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك. ثم ولى راجعًا إلى المدينة.
ودخل الثقفي إلى البصرة، فمكث «٣» على باب ابن عامر أيامًا، فلما أذن له دخل عليه، وكان قد كتب إليه من المدينة بخبرهما، فلما رآه رحّب به، وقال:
ألم أخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فأخبره ما كان منهما. فبكى ابن عامر، وقال: والله ما قالها أشرًا ولا بطرًا، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، فعلم أن الله ﷿ هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله. ثم أمر للثقفي بأربعة آلافٍ «٤» وكسوةٍ «٥» وطُرِفٍ، وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول:
أمامةٌ ما سعْيُ الحريصِ بزائدٍ فتيلًا، ولا عَجْزُ الضعيفِ بضائرِ
خرجْنا جميعًا من مساقطِ رُوسِنا على ثِقةٍ منَّا بجُود ابن عامرِ
فلما أنخنا الناعجات «٦» ببابهِ تأخَّر عنّي اليثربىّ ابن جابر
[ ١٤٤ ]
وقال: «ستكفيني عطية قادرٍ على ما يشاءُ اليوم للخلق قاهرِ
فإن الذي أعطى العراق ابن عامرٍ لَربي الذي أرجو «١» لسد مفاقري»
فلما رآني قال: «أين ابن جابرٍ؟» وحنَّ كما حنَّت عِرابُ الأباعرِ
فأضعفَ عبد الله- إذ غاب- حطَّه «٢» على حظِّ لهفانٍ من الحرص فاغرِ «٣»
قال الشافعي ﵀: لا أزال أحب حمَّاد بن أبي سليمان «٤»، لشيء بلغني عنه: أنه كان يومًا راكبًا حمارًا له، فحركه، فانقطع زرٌ «٥» له، فمر على خياط، فأراد أن ينزل، فسوَّى زرَّه، فأخرج له صرَّة فيها عشرة دنانير، فسلمها إلى الخياط، واعتذر إليه من قلتها.
قال الحُميدي: قدم الشافعي ﵀ من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف «٦» دينار، فضرب خباءه في موضع خارج عن مكة، ونثر الدنانير على ثوبٍ، ثم أقبل على كل من دخل عليه، يقبض قبضه ويعطيه، حتى صلى الظهر، ونفض الثوب وليس عليه شيء «٧» .
عن الأصمعي «٨» قال: قدم وفدٌ على [أمير المؤمنين] هشام بن عبد الملك،
[ ١٤٥ ]
وفيهم رجل من قريش، يقال له: اسمعيل بن [أبي] الجهم «١»؛ وكان أكبرهم سنًا، وأفضلهم رأيًا وحلمًا، فقام متوكئًا على عصا «٢»، فقال:
يا أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت [فيك] فأطنبت، وأثنت عليك فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في الكلام؟ قال: فتكلم قال: فأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز.
قال: تولاك الله- يا أمير المؤمنين- بالحسنى، وزينك بالتقوى «٣»، وجمع لك خير الآخرة والأولى، إن لي حوائج فأذكرها «٤»؟ قال: نعم، قال:
كبرت سني، وضعفت قواي، واشتدت حاجتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري وينفي فقري-: فعل «٥» . فقال: يابن [أبي] الجهم، وما يجبر كسرك وينفي فقرك؟ قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار، قال: هيهات يابن [أبي] الجهم! بيت المال لا يحتمل هذا. قال: كأنك آليت- يا أمير المؤمنين- أن لا تقضي لي حاجة مقامي هذا؟! قال: فألف دينار لماذا؟
قال: أقضي بها دينًا قد فدحني حمله «٦»، وأرهقني أهله «٧» . قال: نِعْم المسلك أسلكتها، دينًا قضيت، وأمانة أديت، وألف دينارٍ لماذا؟ قال: أزوج بها من أدرك من ولدي، فأشد بهم عضدي، ويكثر بهم عددي. قال: ولا بأس،
[ ١٤٦ ]
غصضت «١» طرفًا، وحصَّنت فرجًا، وأكثرت نسلًا «٢»، وألف دينارٍ لماذا؟
قال: اشتري بها أرضًا أعود بها «٣» على ولدي، ويفضل فضلها على ذوي قراباتي.
قال: ولا بأس، أردت ذخرًا، ورجوت أجرًا، ووصلت رحمًا، قد أمرنا لك بها. قال: المحمود الله على ذلك، وجزاك الله- يا أمير المؤمنين- والرحم خيرًا. فقال هشام: تالله ما رأيت رجلًا ألطف في سؤال، ولا أرفق في مقالٍ-:
منه «٤»، هكذا فليكن القرشي.
[ ١٤٧ ]