قال سيبويه: فإنّما يريد: إمّا.
وقال بعض أهل النظر: هي إنْ الجزاء، وإنما يجب حذفُ ما من إمّا في الاضطرار، فإذا وَجَدْتَ أن تكون إنْ إنْ الجزاء، لم تخرجْ عنها، إنما لا يجوز إلاّ في الاضطرار.
والذي يُحتجّ به لسيبويه أنه يصف مكانًا أو نبتًا فيقول: سقته الرواعد من صَيِّفٍ، وإن من خريف فلن يعدم الرِّيّ، أي إمّا سقته من الصيف، وإما من الخريف، فهو لن يعدم الرِّيّ، لِنعمته وخصب مكانه.
وعلى قوله من قال: هي إنْ الجزاء: إنْ لم يسقه الخريف عَدِمَ الرِّىَّ.
والأول أبلغ، فبهذا جعله سيبويه على إمَّا، ولم يجعله على إنْ الجزاء.
٥٩ - ومما يجوز له: حذفُ هاء التأنيث في الموضع الذي يكون ثباتُها فيه الوجهَ؛ إمّا للردّ
معنىً يُوجب التذكير، وإما لضرب من التأويل، وذلك مثل قول الشاعر:
[ ٢٥٤ ]
فلا مُزْنَةٌ ودقتْ وَدْقَهَا ولا أرضَ أبقلَ إبْقَالَها
فحذف علامة التأنيث من أبقلت، والوجه ثباتها والتقدير: ولا أرض أبقلت إبقالها؛ وإنما جاز ذلك، لأن الأرضَ والمِهادَ واحدٌ، فردَّ على تذكير المِهاد.
وقال قوم: الأرض لا عَلَمَ للتأنيث فيها؛ فلذلك جاز تذكيرها تشبيهًا بالمذكّر.
وقد أنشد قوم:
. . . . . . . . . . . . . . ولا أرضَ أبْقَلَتِ أبْقَالَهَا
على أنْ رَدَّ حركة الهمزة على التاء، ثم حذفها.
ومثل الأول قول الشاعر:
له الوَيْلُ إنْ أمْسَى ولا أمُّ عامرٍ قَرِيبٌ ولا البَسْبَاسَة ابنةُ يَعْمُرَا
[ ٢٥٥ ]
فحذف الهاء من قريبة، وليس موضعَ حذفٍ، ولكن جعل المعنى: له الويل إن أمسى ولا أمَّ عامر قُربه، فجَعَل فعِيلًا بمعنى فُعْلٍ، فأجراه على التذكير.
ومثل هذا قول الآخر:
فإمَّا تَرَىْ لِمَّتِي بُدِّلَتْ فإنَّ الحَوَادِثَ أوْدَى بِها
فقال: أوْدَي بِهَا، ولم يقل: أوْدَيْنَ، وذلك أن الحَوَادِث والحَدَثَان واحد، فذكّر لذلك.
أرَي رَجُلًا منهم أسِيفًا كأنما يَمُدُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًَّا مُخَضَّبَا
فذكَّر لأنه يريد النَّسب، أي ذات خِضاب.
[ ٢٥٦ ]
ومثله قول الآخر:
عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ منكَ بعيدةٌ فتصحُو ولا عفراءُ منكَ قَرِيبُ
أي ذاتُ قُرْبٍ
وكذا قال الآخر:
. . . . . . . . . . . . . . والعَيْنُ بالإِثْمِد الحَارِيِّ مَكْحُولُ
فذكَّر، لأنه يريد الطَّرْف، وقيل: لأنه لا علامة تأنيث فيها، فَذُكِّرت.
وأما قول الشاعر:
وَلَوْ رَفَع السَّماءُ إليه قومًا لَحِقْنَا بالسَّماءِ مع السَّحَابِ
[ ٢٥٧ ]
فإنهم زعموا أنه أراد الجمع، فذكَّر، وهو جمع سَمَاءَة أو سماوة، وقال قوم: هي بمنزلة العين لا علامةَ تأنيثٍ بها فجاز تذكيرُها.
وقول الشاعر:
فإنْ تَعْهَدِي لامرئٍ لِمَّةً فإنَّ الحوادثَ أوْدَى بها
فإنما ذكَّر، لأنه يريد الحَدَثان، وكذا قول الآخر:
فإنَّ كلابًا هذه عَشْرُ أبْطُنٍ وأنت بَرِئٌ من قبائلها العَشْرِ
كان الوجه أن يقول: عَشْرَةُ أبْطُنٍ؛ لأن البطن ذَكَرٌ، ولكنه أنّث، لأنه يريد القبيلة، فردَّ على المعنى.
[ ٢٥٨ ]