وصفه أبو زيد الطائي في حكاية حكاها لعثمان بن عفان ﵁ وقد لقيه فقال:) أقبل يتظالع من بغيه، ولصدره غيظ، ولبلاعيمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض كأنما تخبط هشيما، أو يطأ صريما، ذا هامة كالمجن، وخد كالمسن، وعينان سجراوان كانهما سرجان، وقصرة ربلة، ولهزمة رهلة وساعد مجدول وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن، ومخالب كالمحاجن وفم أشدق كالغار الأخرق يفتر عن معاول مصقولة غير مغلولة، فهجهجنا به قرقر وبربر ثم زأر فجرجر، ثم لحظ البرق يتطاير من جفونه عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي واصطكت الأرجل، وجحظت العيون، وساءت الظنون، ولحقت الظهور بالبطون، وقد روى آخرون في حكايته وصفا آخر، وكان الوصفان مصنوعين على لسانه، إذ العرب قلما تسترسل في السجع.
وهو له عينان حمراوان مثل وهج الشرر كأنما نقرتا بالمناقر عرض حجر لونه ورد، وزئير رعد، هامته عظيمة، وجبهته سقيمة، نابه شديد، وشره عتيد، إذا استقبلته قلت أقرع، وإن استدبرته قلت أقرع، لا يهاب إذا الليل عسعس، ولا يجبن إذا الصبح تنفس ثم أنشد:
عبوس شموس مصلخد مكابر جريء على الإقدام للقرن قاهر
براثنه شثن وعيناه في الدجى كجمر الغصا في وجهه الشر طائر
يدل بأنياب حداد كأنها إذا قلص الأشداق عنها خناجر
ومن التهويلات في الأسد نظما قول القائل:
إياك لا تستوش ليثا مخدرا للهول في غسق الدجى دواسا
مراسا كأمراس القليل جدوله لا يستطيع له الأنام مراسا
شثن البراثن لمحاجن عطفت أظافره فتخالها أقواسا
لان الحديد لجلده. . . فإهابه يكفيه من دون الحديد لباسا
مصطكة أرساغة بعظامه فكأن بين فصولها أجراسا
وإذا نظرت إلى وميض جفونه أبصرت بين شفورها مقباسا
وقال آخر يصفه:
توق وقاك رب الناس ليثا حديد الناب والأظفار وردا
كأن بملتقى اللجين منه مذربة الأسنة أو حدا
وتحسب لمح عينيه هدوء ورجع زئيره برقا ورعدا
تهاب الأسد حين تراه منه إذا لاقته في الغاب فردا
تصيد من الفرائس حين يبدو وكانت قبل تأنف يصيدا
وقال الناشئ يصفه:
رب ذي شبلين قسورة قد أجم الحين في اجمه
لا يرى حيا يطيف به لا ولا يدنو إلى حرمه
كمجن الحرب هامته وكغفور النار غور فمه
وكجدل الجذع قصرته وكهضيب صعب ملتزمه
وتظفر القد ساعده وتلف رحب مبتسمه
وكوقب الشعب فعلته وكلصب شعب ملتقمه
ولناب الناب مخلبه حين ينجيه بمختطمه
وكأن الموت معترض بين لحييه وملتثمه
[ ٢٠ ]
وكأن البرق ما قدحت عينيه باللحظ من ضرمه
وكأن الرعد ما انتزعت نفسه بالزأر من سدمه
وكأجناد المخاشب ما بين منبته إلى قممه
وكوشك الدهر خطفته حين تلقيه على وجهه
وكأجال تسير إلى عمر إمضاء مغترمه
وكأن السيف منصلتا كرة إذ ذاد عن حرمه
وكأن السهم منخرقا حصره قصدا إلى نهمه
أن يكون رزق الورى قسما فجميع الناس من قسمه
وقال أبو الطيب المتنبي يصفه من أبيات:
ورد إذا ورد البحيرة واردا ورد الفرات زئيره والنيلا
مخضب بدم الفوارس لابس في غيله من لبدتيه غيلا
في وحدة الرهبان إلا أنه لا يعرف التحريم والتحليلا
وقعت على الأردان منه بلية نضدت بها هام الرفاق تلولا
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا تحت الدجى نار الفريق حلولا
يطأ الثرى مترفقا من تيهه فكأنه آس يجس عليلا
ويرد عفرته إلى يافوخه حتى تصير لرأسه إكليلا
وتظنه فيما يزمجر نفسه عنها لشدة غيظه مشغولا
قصرت فخامته الخطى فكأنما ركب الكمي جواده مشكولا
ثم خرج إلى ذكر الممدوح، وقال عبد الجبار بن حمديس يصفه:
ليث مقيم في غياض منيعه أمين على الوحش المقيمة في القفر
يلحم شبليه لحوم فوارس ويقطع كاللص السبيل على السفر
هزبر له في فيه نار وشفرة فما يشتوي لحم القتيل على الجمر
سراجان عيناه إذا أظلم الدجى فإن بات يسري باتت الوحش لا تسري
له جبهة مثل المجن ومعطس كأن على أرجائه صبغة الحبر
يصلصل رعد من عظيم زئيره ويلمع برق من حماليقه الجمر
له ذنب مستنبط منه سوطه ترى الأرض منه مضروبة الظهر
ويضرب جنبيه به فكأنما له منهما طبل يحض على الكر
ويضمك في التعبيس فكيه من مدى نيوب صلاب ليس تهتم بالفهر
يصول بلف عرض شبرين عرضها خناجرها أقصى من القضيب المبتر
يجرد منها كل ظفر. . . كأنه هلال بدا للعين في أول الشهر
ثم خرج إلى ذكر الممدوح. . . وذكر كيف صرعه وقتله