فلسفة الاختيار - الجسم والدماغ - نظام التعاقب الزراعي
١
فلسفة الاختيار
بحث بسيوكولوجي علمي
مسألة الاختيار أو بمعنى أعم طرق التصرف بالحرية الشخصية لمسألة دقيقة يتوقف عليها سعادة الحياة وشقاؤها.
وقد وقفنا على بحث خطير للأستاذ روبرت ريد مدرس العلوم الاجتماعية في كلية بيروت رأينا أن نعربه هنا عن مجلة الكلية قال:
إن الفشل والنجاح في الحياة متوقفان على جواب السؤال الآتي: كيف أتصرف باختياري تصرفًا لائقًا صحيحًا؟
وأول ما يجب ملاحظته هو أننا لا نعمل عملًا إلا وله سبب كاف يقف والعمل في ميزان واحد وعلى ذلك يمكننا أن نحلل موضوعنا التحليل الآتي:
أولًا - يوجد سبب لكل عمل.
هذه قضية بديهية حتى أنها لا تحتاج للبرهان. ولا يعمل عملًا بدون سبب إلا المجانين.
فالسبب ضروري. ومهما كان السبب وجيهًا أو سخيفًا. حقيقيًا أو مكذوبًا. نافعًا أو ضارًا. مهما كان السبب أو الدافع فإنه يجب أن يكون.
ثانيًا - السبب الغالب في الاختيار هو الإرادة أو بمعنى واضح الارتياح للعمل - يعجبك عمل وترى أن هناك أسبابًا قوية فتعمله.
في علم الاقتصاد حل وجيه لهذه النقطة لأننا نرى العمل والسبب ظاهرين تمامًا.
فالإنسان بحكم الطبيعة في حاجة فهو يشتغل ليسد تلك الحاجة. سبب وعمل معقولان تمامًا. وهذا قانون عام في الطبيعة البشرية.
وهذا ركن فقط من أركان حياتنا البيسكولوجية التي هي عبارة عن مجموعة رغبات وآمال وكذلك دوافع وقوى لتحقيق تلك الرغبات والآمال وفي كل عمل نرى القانون المتقدم صحيحًا - نرى أن الإرادة هي السبب الحقيقي للعمل -
[ ٨ / ٤٧ ]
الإرادة مجرد الإعجاب والارتياح والسرور الناشئة من العمل بدون فحص أو تدقيق. الإرادة عمل نفسي اختياري محض.
ولكن هنا يقوم اعتراض هائل على ذلك فإن الإنسان كثيرًا ما يعمل أعمالًا لا تكون اللذة والارتياح البواعث الحقيقية في عملها.
يؤخذ الطالب إلى الكلية - مثلًا - ويرغم على إتباع قانون لا يرى من نفسه باعثًا عل العمل به ولكنه مرغم على العمل به وعدم مخالفته.
فماذا يكون ذلك؟ القانون طبعًا يتعارض مع حريتنا ومسراتنا التي يمكن أن تنجم عن الحرية المطلقة.
فهل يمكن أن نتبع القانون بارتياح ولذة أو بعبارة أخرى هل نشأت طاعتنا للقانون من اختيارنا المجرد الحر.
الجواب نعم. أطعنا كأنه من لوازمنا ومن الأمور الضرورية التي يجب عملها.
النظرية احتفلت هنا. قلنا أولًا أن القانون يتعارض مع ارتياحنا لطاعته ثم قلنا أننا نطيعه بارتياح ولذة فما سبب ذلك التناقض.
لا تناقض أبدًا - إن حركة الاشمئزاز التي نقابل بها القانون لأول مرة. حالًا تقابل بل تخمد بحركة فكر وتعقل إن لم نطع القانون نطرد من المدرسة هذا هو الفكر المتبادر إلى الذهن عند معاكسة القانون.
فنرجح طاعتنا للقانون عند معاكسته والطرد من المدرسة وهذا الترجيح نوع من الاختيار الحر الذي يرافق إرادتنا.
ولما نقول أن الإنسان يباشر أعمالًا لا رغبة له في عملها يجب أن نذكر أن الرغبة محورة في الوسط الذي يحيط بنوع العمل ورغبتنا متوقفة على مقدار ما في العمل من الحرية واللذة.
مثال ذلك. إذا كنا أحرارًا في إرادتنا المطلقة أو ما نسميه نحن الإرادة المطلقة إذا كانت توجد. إذا كانت لنا هذه الحرية فيمكننا أن نستمتع بأموال جيراننا. ولكن مع الأسف جاري ساهر على أمواله يحرسها. فهذه النقطة التي تعاكس رغبتي هي قيد من القيود الطبيعية للإرادة المطلقة التي خمدت في الإنسان ولا وجود لها الآن.
[ ٨ / ٤٨ ]
وعلى هذا يمكننا أن نؤكد أن كل الأعمال التي نباشرها أساسها الإرادة واللذة في عملها.
ثالثًا - إذا كنا نختار الاختيار الصحيح يجب أن نعمل العمل الصحيح المنطبق على إرادة الاختيار.
المهم أن نراقب إرادتنا وتفحص العمل قبل مباشرته ونسأل أنفسنا هل يليق أن نأتي هذا العمل مع وجود السبب والرغبة في عمله.
هنا يجب أن تكون قوة الأخلاق. قوة المبادئ. القوة التي تحفظ توازن الإنسان كافية لتدفعه للعمل وإلا فهو يندفع لكل عمل مهما كانت قيمته من الصلاح والفساد ويعتقد أنه يؤدي أعمالًا لها أسباب وتسببت عن الناموس الطبيعي وهو مجرد الاختيار.
صحيح إن الناموس صادق ولكن أخلاق الرجل فاسدة إذن فكل أعماله وإرادته واختياره فاسدة.
إن الأميال العامة في الإنسان لهي الميزان الحقيقي لأخلاقه. ويمكنك أن تحكم على الرجل بدون تردد بمجرد سماعك أمياله وأغراضه في الحياة.
وكلما كان ماديًا يميل للثروة والسلطة كلما كان فاسدًا وكانت إرادته واختياره في نظام فاسد.
وهنا يقوم اعتراض. إذا كنا نعمل الأعمال التي نريدها ولا بد من أن كل إنسان يريد أن يكون شريفًا عاقلًا ممدوحًا لما أذن لا يكون كل إنسان بهذه الصفة. لماذا يعكس القانون ويوجد أناس يعملون أعمالًا لو عرضت عليهم بصورتها الحقيقية لنفروا منها وتبرأوا.
الجواب على هذا السؤال في النظرية الآتية!
رابعًا - ما هي النتائج المحتمة للعمل؟ هذا السؤال هو الجواب المقنع للاعتراض المتقدم.
ليسأل الإنسان دائمًا ما هي النتائج المحتملة للعمل وإذا كان على جانب من العقل يظهر له العمل بكل التقادير التي تحيط به.
مثال ذلك. وقف طالب في الملعب المخصص للألعاب الرياضية للمدرسة ونظر الفائز الذي نال الجائزة والإعجاب به فقال في نفسه يجب أن أفوز السنة الآتية وأنال الجائزة ولما رجع للمدرسة ابتدأ أن يمرن نفسه كل يوم في الخلاء ولكن بالطبع لا يساعده الطقس يوميًا على هذا العمل فيكون بين رادتين - إرادة الرجوع عن عزمه أو الاستمرار فيه مع تحمل مصائب الطقس وعلى ذلك نأتي إلى نقطة النتائج المحتمة
[ ٨ / ٤٩ ]
وعلى ذلك نسأل السؤال الآتي. هل يوجد قانون يلزمه أن يتبعه الإنسان حتى يصل للنتائج المحتمة أو أن الصدفة تسوقه إلى النتائج المذكورة.
إن كثيرين لا يؤمنون فقط بالصدفة بل ينتظرونها كأنها محتمة وهؤلاء - حسب القوانين البسيكولوجية - فاقدوا قوة الحكم على إرادتهم لتنفيذ أغراضهم.
خامسًا - أننا بحسب تمرين قوانا قادرون على تنفيذ كل ما يعرض أمامنا من الأماني والآمال للوصول إلى النتائج المحتمة.
ولذلك طريقتان. الأولى. إتباع طرق الوصول إلى النتائج حالًا مهما كانت العقبات. يضع الإنسان أمام عينيه غرضًا قلما ينثني حالًا عنه إلا إذا كانت إرادته لم تبت الحكم فيه أولًا والتردد في الحكم هو الشك والشك نقص إرادة.
قيل لرجل في المحل الفلاني كنز إذا حفرت عشرين مترًا وجدته فهل يتردد الرجل إلى القهوة ليشرب فنجان قهوة ويحادث بعض من يعرفون شيئًا عن الكنوز. إذا عمل ذلك فهو إذن ناقص الحكم على قوة إرادته وغالبًا هذا الصنف لا ينجح في الحياة.
والطريقة الثانية مقاربة للمتقدمة إلا أنها غريبة في خواصها البسيكولوجية. الإنسان لا يعمل عملًا إلا إذا انطبق على هواه. إلا إذا امتزج بعواطفه. إلا إذا وجد ميلًا ورغبة للعمل. إلا إذا آنس من إرادته قوة على العمل. إلا إذا ارتاح العقل لنتائج العمل. إذن ضروري جدًا تربية العواطف والإرادة والعقل. نربي العواطف حتى لا يختلط عليها النافع والضار. الدائم والزائل. نربي الإرادة حتى تفرق بين التشبث والادعاء لأن كثيرين تراهم يتشبثون كأنهم ذوو إرادة حديدية ولكن بعد مدة تراهم يلينون. هذا ضعف شديد في الإرادة وهو يدل أيضًا على عدم تربية العقل لتقدير العواقب. وتربية العقل ليكون مقدرًا ومحيطًا بكل عواقب العمل. حتى لا يكون لندم أو تأسف أو امتحان محل الرجل الذي يعمل عملًا ليجرب أو بعد العمل يأسف ويتحسر هذا ضرره من قوة عقله لأنه لم يفكر ويفحص ماذا يريد أن يعمل أولًا.
العواطف بمثابة النائب العام في الإجراءات القانونية القضائية يحضر الأحكام ويظهرها في مظهر الرداءة أو الطيبة حسب ما يعرف ويقدر الطيبة والرداءة.
والعقل هو القانون أو بمعنى أوضح القاضي الذي يفصل ليبني خطأ النائب أو صوابه.
[ ٨ / ٥٠ ]
ليبين هل العواطف في مجرى صحيح أو منحرف.
والإرادة القوة التنفيذية التي تستلم الأعمال بعد العواطف والعقل وتجري أعمال التنفيذ من حيز التصور والنظر إلى حيز العمل والظهور.
وهناك لا بد لنا أن نقول أن الفشل الذي يرافق أغلب الناس ناشئ عن عدم تربية العواطف والعقل والإرادة.
وحسب حكم الإنسان يكون نجاحه أو فشله.
لنأخذ مثلًا الطالب الذي يريد أن يربح الجائزة. هذا الطالب أمامه طريقان أما أن يتعب في البرد كل يوم أو يمكث في فراشه دافئًا مستريحًا. ففي الأول ينال الجائزة وفي الثاني ينال الراحة حسب وهمه. حسب تقدير الإنسان للسعادة والشقاء والفرح والحزن وأغلب ماجريات الحياة تكون قيمته في الحياة.
هذا الطالب يطلب الدفء والجائزة في آن واحد ومع ذلك يمكنه أن ينال الدفء والجائزة في آن واحد. لأنه إذا تمرن في البرد نال الدفء ولا شك وبالتالي سينال الجائزة فيمكنه أن يتغلب على خداع حواسه ويقول الدفء خارج الفراش لا داخله.
وهكذا كل الناس. يمكن للإنسان حسب ما يصور لنفسه أن يعيش وكلما كان تصوره مقرونًا بالعمل كلما كانت حياته مملوءة بالنجاح.
إن أعلب الجرائم والسرقات والشرور الناتجة عن فساد الأخلاق كلها نتيجة السعادة والنجاح وبعبارة أخرى كلها تصور مرتكبوها أن وراءها السعادة والنجاح.
والغريب في الحياة أن كل الناس من كل الطبقات مهما كانت أعمالهم يعيشون متوهمين أنهم على جانب من الصواب والصلاح وسينالون السعادة. لا فرق في ذلك بين اللص والنمام. بين القاتل والمزور. كلهم يخدعون أنفسهم.
دخل طالبان الكلية - مثلًا - وأحدهم مجتهد أمين. يشتغل ويجيب على أسئلة الأساتذة. والآخر ذكي ولكن في طريقة خداع المعلمين. إذا وجد في امتحان يعمل كل طريقة لسرقة الأجوبة. أو يغش في أوراقه بأية طريقة الطالب الأخير عثرة كبرى وضع ليضل بسببه كثيرون. لأن الطالب المجتهد الأمين يمكن أن يغير أخلاقه حسب تقديره لعمل زميله الخائن فإذا قال في نفسه ولماذا لا أجاري هذا الطالب ولا ضرورة لإزعاج عقلي دائمًا بحل
[ ٨ / ٥١ ]
المسائل بل يمكن أن أغش وأفوز في الامتحان. هذا الطالب سقوطه ونجاحه متوقفان على قوة الحكم. على قوة العقل والإرادة. لأنه إذا كان العقل عنده قويًا لرأي أن عمل الطالب الخائن تجارة كاذبة. لرأي أن عمله لا أساس له. وعلى فرض أن الخائن أخذ شهادة أنه أنهى مدة الدراسة فهل يقدر أن يغش العالم حين يستلم الأشغال. مستحيل. إذن تجارته خاسرة وهذا سيخرج للعالم بدون رأس مال بالمرة.
الأشرار في الحياة لا يتوقف ضررهم على ما يتركونه من النتائج السيئة لأعمالهم. كلا بل هم عثرة في سبيل القوم الأخيار الذين يعيشون حسب المبادئ الطيبة المقرونة بالعمل.
وعلى قوة الحكم يتوقف سلوكنا في الحياة والآن نأتي إلى النتيجة النهائية المطلوبة.
سادسًا - هل من طريقة تحفظنا من أن ننخدع في عقولنا وإرادتنا حتى لا نتوهم النجاح الوقتي نجاحًا - نعم. الدين.
لا لوم على الإنسان الذي ينخدع ويقبل على الأعمال التي تغاير المبادئ الصحيحة ولكن اللوم لأنه لم يعرف الواسطة العامة التي تكشف له خطأ وصحة العمل الذي يقبل عليه.
هنا معنى الدين وهنا البرهان الذي يفحم الذين يقومون لمعارضته. لأنه لا قوة في الإنسان تجعله يحفظ نفسه من الخطأ. وإذا قالوا الضمير. نقول أن الضمير تابع للإرادة. ثم أن الضمير لا ينذر بالخطأ ولكن يؤنب على الخطأ والتأنيب الذي يتوهمه الناس قبل مباشرة مالا يليق هو قوة صلاح باقية لم تفسد. أما عمل الضمير فمنحصر في اللوم فقط.
الدين قوة خارجية تكشف للإنسان حقيقة ما يخفى عليه. الدين ميزان. الدين يعرض على الإنسان دائمًا الجانب الأبيض من الأعمال وإذا ضل الإنسان وأخذ بالجانب الأسود فاللوم عليه.
كلما احتك الإنسان بالدين كلما ظهر له خطؤه وكلما بعد عن الدين كلما انغمس في أعمال لا يظهر خطؤها ولا صوابها. الدين هو الجمال. جمال الحياة وجمال المبدأ وجمال العيشة. الدين صوت الله وقانون الحياة.
في التوراة حكاية لا ينتبه لها الناس وهي بكاء المرأة أمام معلم النصرانية العظيم - المسيح - لماذا تابت المرأة. لماذا ثارت عواطفها. لأن الجانب الأسود من حيتها انكشف. لأنها رأت الحياة الصحيحة أمامها. لأن ميزان الأعمال - المسيح - أظهر لها أن حياتها
[ ٨ / ٥٢ ]
مزركشة مغشوشة. هنا تنبه الضمير ولكن متى؟ بعد العيشة الفاسدة طبعًا.
فالضمير لا يعرف قوة الحكم ولكن يعرف كيف يعاقب على نتيجة الحكم. الضمير منفذ. جلاد لا يرحم.
وإلى هنا يمكننا أن نأتي بالنتيجة لكل ما تقدم وذلك أن نسأل السؤال الآتي:
كيف نعيش عيشة صحيحة؟ الجواب: أن نفكر فكرًا صحيحًا. كل أعمالنا كانت صورة فكرية مبهمة وبرزت للوجود فاعتنوا بالفكر أولًا. اعتنوا بالقوة التي نحكم بها على الأعمال.
ولا طريقة عرفها البشر إلى الآن تقدر أن تحفظ أفكارنا في طريق مأمون إلا الدين.
أندراوس حنا
الجسم والدماغ
بحث علمي فلسفي
للأستاذ الفسيولوجي الكبير توماس حنا الأمريكي
ماهية الدماغ وتشريحه - غرائب الدماغ - مواضع الكلام في الدماغ - الفرق بين الإنسان والقرد - الجزء المعطل في الدماغ - لماذا يكون جزء معطل في الدماغ - تعويد الأطفال العمل باليدين جميعًا - الإرادة والعقل - أسباب الفشل في الحياة.
لقد مضت عدة أجيال على العالم لا يعرف عن الدماغ شيئًا خاصًا وجل ما عرف عنه أنه مشترك مع العقل.
ولذلك فلا نرى ذكرًا للدماغ في التوراة ولا في مؤلفات علماء العالم القديم حتى أن الفيلسوف والفسيولوجي الكبير أرسطو لما سئل عن الدماغ قال أنه عضو يبرد الدم للقلب.
كل عضو خطير في الإنسان يعمل عملًا ظاهر تقريبًا إلا الدماغ فإن عمله مكتوم خفي حتى أن أغلب علماء الطب يجهلون ما اكتشف من علاقاته بأهم أعضاء الجسم.
وبعد المسيح بمائة وستين عامًا قرر غالين العالم الكبير أن الدماغ مركز العقل. وإلى سنة ١٧٠٠ بعد المسيح لم يكن من يظن أن للدماغ علاقة بالفكر. والكل كانوا يظنون أن الدماغ والعقل عضو واحد ويعملان عملًا واحدًا كالرئتين مثلًا اللتين وإن كانتا مختلفتين وضعا
[ ٨ / ٥٣ ]
فهما يعملان عملًا واحدًا.
وسبب ذلك الخطأ العظيم في أهم عضو في الإنسان هو لأن علماء الفسيولوجيا كانوا يجرون تجاربهم في أدمغة الحيوانات فقط ولم يجربوا أدمغة البشر ويوجد فرق عظيم بين الدماغ في الإنسان وبينه في الحيوان.
وأن أهم الاكتشافات الحديثة في الطب لهي راجعه لتقدير العلماء لقوة الدماغ وعمله المختلف في الجسم البشري.
خذ مثلًا آلة الكلام - اللسان - فإنه متصل بقوة الفكر والفكر عبارة عن تحليل الألفاظ وإذا جرح الدماغ أو تعطل فالكلام ينقطع فلًا - وهذا الاكتشاف الغريب نبه علماء الفسيولوجيا إلى وظائف الدماغ وضرورة العمل على وقايته في عملياتهم الجراحية.
عاينت مريضًا مرة مصابًا بجرح في دماغه فامتنع عن الكلام ومع ذلك كان يسمع تمامًا ويقرأ بكل سهولة. وجرح الدماغ كان من دخول طرف شمسية في عينه وبدلًا من قلعه العين نفذ إلى الدماغ وعطله فعجز عن الكلام لأن الجزء الذي جرح كان مركز الكلام والدماغ كما قدمنا مشترك مع اللسان.
وحدث أن العليل المذكور رأى شخصًا معه شمسية فأجهش بالبكاء فأكدنا أنه فقد قوة النطق إلى الأبد لأن الجرح اتسع فأتلف كل الدماغ.
ولإيضاح ذلك نمثل الدماغ بمركز يتفرع منه فروع متعددة إلى كل الأعضاء الرئيسية في الجسم وإذا انفجر فرع من تلك الفروع فالفروع الأخرى لا تؤذى.
فالدماغ مركز لفروع متعددة تؤدي إليه الدم فإذا انفجر شريان منها لا يتعطل الباقي.
ثم إن اكتشاف علاقة اللسان بالدماغ بدء انتباه رجال العلم لتقرير حقائق خطيرة عن هذا العضو.
وإن اتصال الدماغ بأعضاء الكلام يتناول ثلاث جهات ١ - الجهة التي يدخل منها الكلام إلى الآذن ومنها إلى الدماغ. ٢ - الجهة التي تتصل بالعين - ٣ - جهة اللسان والشفتين.
- الحوادث الفجائية التي تتعلق بالدماغ -
إن من تلك الحوادث حادثة سيدة انتبهت في الصباح وتناولت الجرائد فلم تقدر تقرأ كلمة تناولت الكتب فكان كذلك فظنت أن الأذى بعينها ولكن العيون كانت سليمة وكذلك السمع.
[ ٨ / ٥٤ ]
وبعد فحصها وجدت أن قوة القراءة في الدماغ معطلة وبعدها لم تقدر أن تتعلم القراءة بتة.
ومن الحوادث الغريبة أيضًا حادثة شاب لم يفقد قوة النطق فقط ولكن فقد كل معرفته بالقراءة. إلا أنه من المدهش أن نقول أن الشاب المذكور كان يحل مسائل رياضية غريبة وكان يقدر أن يقرأ الأرقام ويكتبها ولكنه لا يستطيع النطق بإمضائه الخاص.
- مواضع الكلام في الدماغ -
إن أحوال الدماغ غريبة ومدهشة. لأن العلماء توقفوا إلى معرفة ما يعد غريبًا جدًا بالنسبة إلى الواقع فقد ذكروا أن موسيقيًا ماهرًا فقد معرفة كل الأنغام وكل ما يتعلق بالموسيقى.
والعكس بالعكس فقد وجد آخرون فقدوا كل معرفتهم بالقراءة والكتابة وما زالت قوة حافظتهم للموسيقى موجودة.
لقد برهن العلماء على أن الكلام يرتسم بصورة مخصوصة على الدماغ ويختلف باختلاف الفن واللغة - معنى ذلك أن الإنسان لما يريد أن يأتي على لغة جديدة أو فن جديد ربما يكون الدماغ مستعدًا لقبول صور تلك اللغة أو الفن أو غير مستعد بتة.
ذكروا أن رجلًا كان يجيد الفرنسية والانكليزية واللاتينية واليونانية إلا أنه أصبح فجأة فوجد أنه لا يعلم حرفتً واحدًا من الانكليزية وأنه لا يستطيع قراءة الفرنسية واللاتينية تمامًا مع أن اليونانية زادت معرفته فيها.
وبعد البحث وجد أن صور الانكليزية محيت تمامًا من الدماغ وصار الدماغ كأنه لم يرتسم عليه حرف واحد من هذه اللغة.
هذا وغرابة الأحوال لم تقف عند هذا الحد بل أن اللغة نفسها تأخذ شكلًا مخصوصًا في الدماغ باختلاف أفعالها وأسمائها وحروفها.
فقد جاءني رجل لا يقوى على النطق والسبب أن حاسة السمع تعطلت فوصفت له حمام البحر وقلت لمن حولي إذا شفي هذا الرجل سينطق أفعال اللغة قبل أسمائها.
وبع أسبوعين حضر الرجل فأريته مطواة فقاليقطع فأريته قلمًا فقال يكتب - وبعد ثلاثة أسابيع أخرى أبح يقدر على أن يتلفظ بحروف الجر ولكن لا يقدر أن يلفظ أسمًا واحدًا والسبب لأن الأفعال ترتسم في أدمغتنا قبل الأسماء. يفتح الطفل عينيه فينظر وأذنيه فيسمع ولكنه لا يعرف ماذا ينظر ولا ماذا يسمع. وبعدئذ يبتدئ أن يميز بين المرئيات بعضها
[ ٨ / ٥٥ ]
وبعضها.
ثم كثيرًا ما يحدث أنك تعرف أناسًا عاشرتهم ولكنكم افترقتم طويلًا فأول ما يقع نظرك عليهم تذكر شكلهم وما تعرفه عنهم ولكن لا تذكر أسماءهم.
- الفرق بين الإنسان والقرد -
إن الحوادث المتقدمة لا تؤخذ دليلًا قاطعًا لأنها نادرة فلذلك إذا أردنا أن نعرف ما هو الإنسان فلا نأخذ الأقيسة والغرائب الدماغية المتقدمة برهانًا في تعريف الإنسان.
الإنسان عند علماء الحيوان فصيلة حيوانية تقرب من أنواع القردة كالأورنج أو تنج والغوريلا والشمبنزي.
إلا أن المشابهة في التركيب الظاهري فقط ولكن حسب الدماغ فإن الإنسان يختلف عن القردة اختلافًا مبينا.
يقول الدكتور هكسلي الانكليزي العلامة الكبير أن الإنسان لا يختلف عن الشامبنزي من حيث الدماغ.
ولكن عقليًا - لا حسب المبادئ التشريحية - يختلف الإنسان عن القردة اختلافًا واضحًا ويبعد أن يكونا واحدًا بعد أبعد السيارات عن الأرض.
الشامبنزي لا يؤدي امتحانًا ولا يرصد النجوم ولا يتعامل بالأوراق المالية ولكن الإنسان قادر أن يكون عالمًا وتاجر أو سياسيًا فضلًا عن ذلك فالإنسان مبدع
الإنسان يقدر أن يتصرف ويستنتج ويخرج الشيء من لا شيء ظاهري تقريبًا فالقوة العقلية في الإنسان لا تكون أبدًا في الحيوان كالقرد أمهر حيوان في التقليد والتمثيل.
وعلى ذلك إذا قلنا أن الإنسان حيوان فهو حيوان في التركيب الطبيعي فقط والعلم يبرهن اليوم على قوة الإنسان العقلية التي تفرده عن سائر الحيوان.
العلم يبرهن على خطأ من يعتقدون أن مشابهة الدماغ في القردة والإنسان تجعلهما واحدًا وذلك لأنهم يعتقدون أن الدماغ مصدر الفكر والحقيقة خلاف ذلك فالدماغ ليس هو الفكر بل هو آلة التي بها نفتكر كالوتر في العود. الوتر يخرج الصوت ولكن هل هو الصوت. كذلك الدماغ آلة الافتكار ولكنه ليس الفكر نفسه.
ثم من أدلة الخلاف في الإنسان والحيوان عدم الاعتداد بالوزن في الدماغ لأنهم يقولون أن
[ ٨ / ٥٦ ]
دماغ الإنسان والقرد متقاربان في الوزن ولكن الوزن لا يؤخذ دليلًا إذ أن وزن دماغ أحط طبقات الإنسان أرجح من أدمغة المتمدنين.
ولكن الحقيقة هي من طريقة تركيب الدماغ لا من وزنه وقد دلت الأبحاث العلمية على أن الدماغ مقسوم قسمين قسم واحد فقط الذي يؤدي وظيفة الفكر والقسم الآخر معطل عن التفكير.
وقد دلت التجارب على أن كثيرين عاشوا سنين ولهم نصف دماغ بدون تعطيل القوة الحافظة والمفكرة فيهم ووجد أن الجزء المقطوع كان المعطل طبيعيًا.
- الجزء المعطل من الدماغ -
إذا قلنا أن كلما كبر الدماغ كلما كثر الفكر يكون معنى كلامنا أن الإنسان وهو بعينيه الاثنتين ينظر أبعد من الإنسان بعينه الواحدة والحقيقة بخلاف ذلك فمن فقد عينيه لا يمنعه ذلك عن أن يكون فلكيًا لأن بعد النظر لم يتغير.
والآن من الضروري أن نوضح لماذا لا نستعمل إلا جزءًا واحدًا من الدماغ.
لما يولد الطفل يكون دماغه معطلًا تمامًا - يكون ملس والجزآن لا يؤديان عملًا ما.
وكلما كبر الطفل كلما تكون دماغه وابتدأ يفكر. والدليل على ذلك أنه لم يولد من يقرأ ويكتب حال نزوله من بطن أمه.
والتجارب دلت على أن الدماغ يتخذ شكلًا مخصوصًا تشريحيًا كلما تعمق الإنسان في العلم.
وربما ظن أن من السهل بناء خلايا الدماغ وتلافيفه والحقيقة أنه يحتاج إلى وقت طويل من العمر وأننا نأتي على آخر أعمارنا ولا يكون لنا إلا نصف دماغ على شكل كروي.
ثم النصف يؤدي عمل الكل تمامًا وإذا قيل أي الجزئين نستعمل نقول أن ذلك يتعلق باليد التي نستعملها فإذا كانت اليمين كان الجزء الأمامي معطلًا تمامًا وإذا الشمال كان الجزء الخلفي معطلًا.
والآن نوضح حكاية الرجل الذي أصيب بدماغه بواسطة الشمسية. قد كانت الإصابة في النصف الخلفي فلماذا لم يستعمل الجزء الأمامي إذا كنا نقول أن كليهما يؤديان عملًا واحدًا.
ولكن الحقيقة أن الدماغ عبارة عن اسطوانة كاسطوانة الفونغراف فلنفرض أن أمامك فونغرافان وأمامك اسطوانتان الواحدة مملوءة أي فيها بعض الأدوار والأخرى بدون كتابة
[ ٨ / ٥٧ ]
عليها أيهما يؤدي غناء كما تحب. بالبديهة الفونغراف الذي عليه الاسطوانة المملوءة وذلك بدون برهان ولا جدل.
كذلك الدماغ فإن الجزء الخلفي لما فقد تمامًا من صدمة الشمسية حاول الرجل أن يستعمله ولكن بلا جدوى إذ أنه كان أملس بدون نتائج وتأثيرات تشريحية فيه مما تتكون بطول العهد.
وإذا أخذنا العين مثالًا للبرهنة على ذلك نأتي على نتائج واحدة لأن العين ليست إلا نظارة والنظر لا يحدث من النظارة ولكن من العملية الدقيقة التي تتعلق بأعصاب العين. فلو فقدنا تلك الأعصاب تكون النتيجة فقد النظر تمامًا وإن كانت العين في الظاهر سليمة وكذلك الأذن تبرهن على النتائج المذكورة تمامًا.
- لماذا يكون لنا جزء زائد في الدماغ -
سئلنا كثيرًا لماذا يكون لنا جزء زائد في الدماغ بينما لا نستعمل إلا جزء واحدًا ولكن من يجهل علاقة الدماغ بالجسم يعتقد أنه بلا فائدة ولكن الواقع لا يؤيد ذلك فالجزء المعطل من الدماغ يرتبط بالجسم ارتباطًا كليًا وإن كان معطلًا من الوظائف التي للجزء الآخر.
إذا أردنا أن نعرف لماذا يكون لنا جزآن مستقلان من الأدمغة فلنسأل لماذا لنا عينان وأذنان ومنخران وكليتان ورئتان وما أشبه.
أعرف رجلًا فقد إحدى كليتيه بواسطة صدمة شديدة ومع ذلك عاش بالكلية الأخرى.
وأعرف أخر فقد إحدى الرئتين ومع ذلك فقدها لم يؤثر على جسمه أبدًا.
كما مر هنا سابقًا أن الأصوات والألفاظ والعادات تنطبع على الدماغ على ممر الأيام فكذلك يكون للجزء المعطل من الدماغ فائدة عند الصغار أو الشباب الأحداث الذين يفقدون أدمغتهم العاملة فيبتدئ الدماغ المعطل أن يعمل فإذا كان الطفل أو الشاب صرف سنة يتعلم لغة أو فنا فسيصرف سنة أخرى يتعلم ما تعلمه في السنة المذكورة.
ولكن النتائج المتقدمة لا تكون إلا للصغار لأن الدماغ يكون قابلًا أن ينطبع عليه كل الحركات التشريحية من جديد وأما الذين تقدموا في السن فندر أن يتعلموا شيئًا إذا فقدوا دماغهم العامل.
- هل يجوز تعويد الأطفال استعمال كلتا اليدين -
[ ٨ / ٥٨ ]
وصلتني رسائل متعددة بخصوص الدماغ منها ثلاث رسائل من أساتذة يدرّسون الفسيولوجيا في كليات كبرى يسألونني لماذا لا نعود الأطفال أن يستعملوا يديهم الاثنتين حتى يمكنهم أن يستعملوا دماغهم كله. العامل والمعطل ما دام حسب ما تقدم أن لحركة اليد والعادات تأثيرًا على الدماغ.
والمتأمل في الأسئلة المذكورة يرى أن أصحابها يقصدون أنه إذا استعمل لإنسان دماغه كله يتحصل على نتائج فائقة في القوة المفكره كأن يكون لإنسان مفكرًا أكثر من الواقع إذا استعمل الدماغ المعطل أيضًا.
ولكن الطبيعة لا تُحسن بهذه الطريقة. إننا وقفنا على ذلك بغتة فلا يجوز لنا أن نحاول عكس الطبيعة.
أعرف فتاة عسراء - لا تستعمل يدها اليمين - حاول أهلها أن يعودوها على العمل باليمين فربطوا الشمال في كتفها فماذا كانت النتيجة. شل لسان الفتاة وصارت غير قادرة على الكلام كبنت السادسة مع أن عمرها كان ثمانية عشر سنة.
أن استعمال اليدين لا يؤدي إلى نتائج عقلية فائقة عن الحد الطبيعي أبدًا وربما كانت الفائدة في مثل لعبة البلياردو.
- الإرادة في الإنسان عمل مجيد -
ربما قام المعترضون القائلون بتساوي الإنسان والقرد وقالوا ما الفرق بينه وبين الإنسان إذا كانت أدمغتهم واحدة في الأول.
الفرق في الإرادة القرد لا يعرف كيف يريد ولا ماذا يريد وما تنفعه الإرادة في شيء ثم إذا اعترضه بعض الصعوبات في عمل ما تركه ناقصًا لأنه لا يريد أن يتمم ولكن الإنسان بخلاف ذلك؟
لفظه الإرادة جليلة جدًا وخصوصًا في الإنسان. الإرادة فوق العقل في الإنسان والدماغ من عمل الإرادة حسب ما نريد ونوجه إرادتنا يبتدئ الدماغ أن يؤدي عمله طائعًا.
وأنه لصعب على الذين لا يؤمنين بالروحيات أن يصدقوا أن الإرادة عمل روحي غريب.
الإرادة تتسلط على الماديات ولا تقدر الماديات أن تتسلط عليها كأن تعطلها أو تؤخر عملها.
[ ٨ / ٥٩ ]
الإرادة هي المتسلطة على الأعصاب وهي التي تحرك أصغر الأعضاء في الإنسان لتؤدي عملها.
الإرادة هي قوة سلبية وأجابية. تتسلط على كل الأعصاب لتؤدي أعمالها تمامًا وفي الوقت نفسه تخفف من قوة الضغط على الأعصاب عند عدم الضرورة لإجهاد عصبي.
ولولا الإرادة لكنا نعمل كآلة بدون ميزان. تعمل وتعمل إلى تنحل من كثرة العمل وعدم الضبط.
- الإرادة والعقل -
الإرادة تعمل أكثر مما تقدم. أنها تتسلط على العقل. كما أن العقل يتسلط على الجسم وبعبارة أخرى الإرادة لا تدير حركة العقل فقط بل تحكم على قوة الإفتكار أيضًا وذلك بقوة التسلط على الأعصاب وعدم إجهادها أكثر من اللازم.
وعمل الإرادة على العمل كعمل عصب النبض مع القلب لولا هذا العصب (أو الزنبلك) لكان القلب ينبض وينبض إلى أن يموت من كثرة النبض كالفرس الجموح تموت وهي في آخر سرعتها وعلماء الفسيولوجيا يسمون هذا العصب لجام القلب فكذلك لا بد للعقل من لجام والعقل عبارة عن العمل الميكانيكي النتائج عن حركة الأعصاب أو هو حركة الفكر بعد عمل الدماغ.
- أسباب الفشل في الحياة -
جئنا إلى نقطة مهمة جدًا تعد خلاصة كل التشريح المتقدم. لماذا يفشل بعض الناس أو يسقطون بغتة أو يرافق حياتهم الخمول والبلادة.
قلنا الفكر حركة ميكانيكية فالفكر ينصب على العقل من كل ناحية وكلما كان الإنسان كثير الفكر كلما كان ضعيفًا.
إن المحموم ليهذي ولا يمكنه أن يضبط أفكاره من كثرتها والسبب كثرة ضعف أعصابه.
وكثرة الأفكار تربك العقل بدون فائدة بل أنها تجهد الأعصاب فتعجز الإرادة عن ضبطها.
فالاعتناء بالأعصاب ضروري جدًا إذ عليه يتوقف نجاحنا وفشلنا.
نحن نحتاج الإرادة لضبط أفكارنا - والأفكار عبارة عن كل ما يقع على ذهننا من المرئيات. فالنظر والشم واللمس والذوق كلها تشترك في تحضير الفكر والدماغ هو الآلة
[ ٨ / ٦٠ ]
التي تربط الأفكار ببعضها ثم تقدمها للعقل ليزنها ويرى إن كنا نعمل بها أولًا وهنا يظهر عمل الإرادة فإن كانت قوية منعت العقل من تنفيذ كل ما يخطر بالبال وإلا فأهملت فترى الإنسان يندفع لكل عمل ولا يعلم يصيب أو يخطئ فهذا نقص إرادة.
أعظم الناس من إذا تكلموا أو كتبوا أو افتكروا كان لعملهم غاية مخصوصة محدودة وهؤلاء هم أقوياء الأعصاب والإرادة.
ثم لنذكر قول سليمان الحكيم الفيلسوف العظيم حسب أفكار الإنسان هو ومن لا يحكم نفسه كمدينة متهدمة وبدون أسوار
أندراوس حنا
الدورة الزراعية
٣
نظام التعاقب الزراعي
والغيطان الملاصقة للمدن والبنادر يفضل فيها إلى حد محدود زراعة الخضروات والفواكه ونباتات العلف كالبرسيم إذ يكون الربح منها أكثر من ربح المحصولات الأخرى.
(١٢) إن لحاجيات الإنسان والحالة الاقتصادية التأثير الأول في تنويع زراعة الأرض بالنباتات المختلفة فنباتات الحبوب كالقمح والذرة والأرز للغذاء ونباتات العلف كالبرسيم والحلبان والفول للماشية والنباتات المستعملة في الصناعة كالقطن والقصب والنيله والكتان للمبيع والانتفاع بشحنها.
فمؤونة الماشية التي يحرث الفلاح عليها أرضه ويستفيد منها بعض مواد غذاءه يجب أن لا يعتمد فيها إلا على ما تنتجه الأرض - ويجب أن لا يزيد عن الحاجة أيضًا - لأن معظمها كالبرسيم والتبن ذو حجم كبير فلا تبايع فيها إلا حد محدود لصعوبة نقلها إلى مسافات بعيدة بربح كاف.
وحيث أن البرسيم مخصب للأرض فواجب أن يزرع منه المقدار الكافي للماشية بتوسع نوعًا لما فيه من الفائدة العائدة على الأرض.
وحاصلات الحبوب كالقمح والذرة والفول والأرز سهلة النقل ولو إلى مسافات بعيدة فيمكن نقل ما يزيد عن اللزوم منها لبيعه في الأسواق كما يمكن استجلاب ما ينقص منها عن
[ ٨ / ٦١ ]
حاجة الفلاح إذا كان محصولها عنده قاصرًا عن الوفاء.
وإذا رؤي أن هناك ربحًا في إبدال ذرع نبات بنبات آخر فأصول الاقتصاد تقضي بتفضيل الصنف الأربح إذا لم يكن ثمت مانع من الظروف الأخرى.
فلو رأينا أنه إذا أبطلت زراعة نبات وليكن القطن مثلًا في إحدى مناطق الوجه القبلي والاستعاضة عنها بزراعة القصب تعود بربح أوفر منه عن القطن - أو قللت زراعة نبات كالفول مثلًا في إحدى مناطق الوجه البحري والاستعاضة عنها بزراعة نبات كالبصل تعود بربح أزيد أيضًا - لو رأينا ذلك مثلًا لكان من الواجب تنفيذه بشرط أن تتساوى الظروف الأخرى في الحالتين أي لا يحصل عن الحالة الأخيرة ضرر من وجهة أخرى أو كان الضرر أقل من الفائدة الحاصلة ويمكن تداركه.
إن وسائل النقل السريعة قد سهلت تبادل الحاصلات بالتجارة بين البلاد والأقطار فيمكن لكل جهة أن تستجلب اللوازم التي تنقصها من الجهات الأخرى التي تتوفر فيها تلك اللوازم ولذلك يمكن لكل جهة أن تتوفر على زرع الأصناف التي تزيد جودتها فيها عن غيرها وتصدرها إليها - بينما يمكنها أن تجلب من ذلك الغير الصنف الذي جودته فيه أفضل -
إذا كنا نرى أن التوسع في زراعة القطن مثلًا ولو بتقليل مساحة المزروعات الأخرى وجلب ما يلزم لنا منها من الخارج أفضل من زرع تلك المزروعات بجانبه فلا شك في أنه خير لنا أن نزيد منه إلى الحد الممكن - إذا لم يكن هناك مانع من الظروف الأخرى - ونعتمد فيما ينفعنا من الحاصلات الأخرى على جلبها من الخارج بشرط أن لا يكون عن كل ذلك محذورات متوقعة.
(١٣) لموقع الأرض من الأسواق أو المصانع دخل مهم في زراعة الأرض لأن زرع محصول مع صعوبة تصريفه كله بربح لا يكون مفيدًا فإذا زرعت مساحة كبيرة من قصب السكر ولم يكن هناك مصنع (فابريقة) قريب منها فنفقة نقل الحصول إلى السوق تكون كثيرة جدًا لفخامته وكذلك إذا زرعت كمية كبيرة من البرسيم فإذا كان كذلك قريبًا من بلد كبيرة فإنه يباع بسهولة غذاء للخيول وغيرها ولكن إذا كان ذلك في القرى الصغيرة فإنه من المحتمل ظهور صعوبات في تصريف ذلك البرسيم بفائدة وتحدث صعوبات كهذه في التبن وكل الأنواع الفخمة الزهيدة الأثمان أما الحبوب الغالية الأثمان القليلة الفخامة فإن
[ ٨ / ٦٢ ]
نقلها سهل ولذلك لا تتأثر كثيرًا بمواقع الأسواق.
(١٤) إن لدرجة تنور الزرّاع واستعداده وبيئة أرضه تأثيرًا أوليًا في تنويع زراعتها بما هو أقدر على الأسترباح منه أكبر ربح بدون محذور فالزراع الممتازون باستنارتهم وكفاءتهم ومقدرتهم وموقع أرضهم هم الجديرون وحدهم بالاستكثار من زراعة الأصناف التي تحتاج للمصروف الوفير.
أحمد الألفي
[ ٨ / ٦٣ ]