أخبار الخوارج
فرقهم واعتقاداتهم
قد كانت الخوارج بادئ بدء على رأي واحد فكانت لذلك فرقة واحدة تخطئ عليًا كرم الله وجهه في الرضا بالحكمين وتغض منه لعدم رضائه بحكمهما وتعيب عليه عدم السباء بعد الظفر يوم الجمل ثم تغالت فكفرته بذلك وطلبت منه أن يتوب ويعود إلى الإسلام.
وكذلك كانت ترضى عن سيدنا عثمان (ض) إلى ست سنين من خلافته ثم تلعنه بعد ذلك وتقول أنه قد أحدث أحداثًا لا يقبلها الدين القويم.
ودليلك على ذلك ما روي من حديثهم مع الرجل الورع عبد الله بن خَبّاب أحد كبار المحدثين المشهورين فإنه لقيهم يومً وفي عنقه مصحف ومعه امرأته وهي حامل فقالوا أن هذا الذي في عنقك ليأمرنا أن نقتلك فقال ما أحيا القرآن فأحيوه وما أماته فأميتوه فوثب رجل منهم على رُطَبة فوضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعًا وعرض لرجل منهم خنزير (أثناء ذلك) فضربه الرجل فقتله فقالوا هذا فساد في الأرض فقال عبد الله بن خبّاب ما على منكم بأس إني لمسلم قالوا له حدثنا عن أبيك قال سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل قالوا فما تقول في أبي بكر وعمر فأثنى خيرًا فقالوا فما تقول في علي قبل التحكيم وفي عثمان ست سنين فأثنى خيرًا قالوا فما تقول في الحكومة والتحكيم قال أقول أن عليًا أعلم بكتاب الله منكم وأشدُّ تَوَقِيًا على دينه وأنفذ بصيرة قالوا أنك لست تتبع الهدى إنما تتبع الرجال على أسمائها ثم قربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه فامذَقَرَّ دمه أي جري مستطيلًا على دِقَّةٍ.
وهلم إلى حديثهم مع ابن الزبير لتعلم منه ما يرونه عيوبًا على عثمان وغيره.
فقد روي أن نافع بن الأزرق وهو من رؤوس الخوارج المعدودين ذهب مع أصحابه إلى مكة المكرمة ليمنعوا الحرم من جيش مسلم بن عقبة فلما صاروا إلى ابن الزبير عرفوه أنفسهم فأظهر لهم أنه على رأيهم حتى أتاهم مسلم ابن عقبة وأهل الشام فدافعوهم إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية ولم يبايعوا ابن الزبير ثم تناظروا فيما بينهم فقالوا ندخل إلى هذا
[ ٦ / ٨ ]
الرجل فننظر ما عنده فإن قدم أبا بكر وعمرو بريء من عثمان وعلي وكفر أباه وطلحة بايعناه وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده فتشاغلنا بما يجدي علينا فدخلوا على ابن الزبير وهو مُتَبَذِل وأصحابه متفرقون عنه فقالوا إنا جئناك لتخبرنا رأيك فإن كنت على الصواب بايعناك وإن كنت على غيره دعوناك إلى الحق ما تقول في الشيخين قال خيرًا قالوا فما تقول في عثمان الذي أحمى الحمى وآوى الطريد وأظهر لأهل مصر شيئًا وكتب بخلافه وأوطأ آل أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفيء المسلمين. وفي الذي بعده الذي حكم في دين الله الرجال وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم وفي أبيك وصاحبه وقد بايعا عليًا وهو إمام عادل مرضي لم يظهر منه كفر ثم نكثا بعرض من أعراض الدنيا وأخرجا عائشة تقاتل وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة فإن أنت قلت كما نقول فلك الزلفة عند الله والنصر على أيدينا ونسأل الله لك التوفيق وأن أبيت إلا نصر رأيك الأول وتصويب أبيك وصاحبه والتحقيق بعثمان والتولي في السنين الست التي أحلت دمه ونقضت بيعته وأفسدت إمامته خذلك الله وانتصر منك بأيدينا.
فقال ابن الزبير إن الله أمر وله العزة والقدرة في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العتاة بأرأف من هذا القول فقال لموسى ولأخيه صلى الله عليهما في فرعون (فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى) وقال رسول الله ﷺ لا تؤذوا الأحياءَ بسب الموتى فنهي عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه وأبو جهل عدو الله وعدو الرسول والمقيم على الشرك والجاد في المحاربة والمتبغض إلى رسول الله ﷺ قبل الهجرة والمحارب له بعدهم وكفى بالشرك ذنبًا وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبى أن تقولوا أتبرأ من الظالمين فإن كانا منهم دخلا في غمار الناس وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني (أي لم تغضبوني) بسبب أبي وصاحبه وأنتم تعلمون أن الله ﷿ قال للمؤمنين في أبوابه وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا وقال جل ثناؤه وقولوا للناس حسنًا وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج وأوضح لمنهاج الحق وأولى بأن يعرف كل صاحبه من عدوه فروحوا إلى من عشيتكم هذه اكتشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله.
[ ٦ / ٩ ]
فلما كان العشى راحوا إليه فخرج إليهم وقد لبس سلاحه فلما رأى ذلك نجدة قال هذا خروج مُنابذ لكم فجلس على رفع من الأرض.
فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته ثم وصلهن بالسنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية وخبر أنه آوى الحكم بن أبي العاص بأذن رسول الله ﷺ وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح وأن القوم استعتبوه من أمور وكان له أن يفعلها أولًا مصيبًا ثم أعتبهم بعد محسنًا. وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه بعد أن ضمن لهم العُتبي ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم فدفعوا الكتاب إليه فحلف أنه لم يكتبه ولم يأمر به وقد أمر بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته مع ما اجتمع له من صهر رسول الله ﷺ وكانه من الإمامة وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها لحلف على حق فافتداها بمائة ألف ولم يحلف وقد قال رسول الله (ص) من حلف بالله فليصدق ومن حلف بالله فليرض فعثمان أمير المؤمنين كصاحبه وأنا ولى وليه وعدو عدوه وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله ﷺ ورسول الله يقول عن الله تعالى يوم أحد لما قطعت أصبع طلحة سبقته إلى الجنة: وقال أوجب طلحة وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد قال ذلك يوم كله أو جله لطلحة - والزبير حواريُّ رسول الله وصفوته وقد ذكر أنهما في الجنة وقال ﷿ (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم فإن يكن ما سعوا فيه حقًا فأهل لذلك هم وأن يكن زَلة ففي عفو الله تمحيصها وفيما وفقهم له من السابقة مع نبيهم ﷺ ومهما ذكرتموها به فقد بدأتم بأمكم عائشة ﵂ فإن أبي آبٍ أن تكون له أمّا نبذ اسم الأيمان عنه قال جل ذكره وقوله الحق (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزاجه أمهاتهم).
فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا عنه فصارت طائفة إلى البصرة وطائفة إلى اليمامة وقد جعلت الطائفة التي ذهبت إلى البصرة نافع بن الأزرق رئيسًا عليهم فمضى بهم من البصرة إلى الأهواز سنة ٦٤ من الهجرة وكان عدد من تبعه اثني عشر ألف رجل كلهم أهل جد وقوة وبأس وصبر.
[ ٦ / ١٠ ]
وإلى ذلك الوقت لم يكن وقع بينهم خلاف في فرع ما ثم تشبعت بعد ذلك آراؤهم واختلفت أهواؤهم فافترقوا إلى اثنين وعشرين فرقة أو يزيدون وذلك لمسائل عرضت وآيات اضطربت أفهامهم فيها وحارت أفكارهم في تأويلها فكان من جَرّاء ذلك أن حارب بعضهم بعضًا واغتال فريق منهم الآخر فتشبعت بهم المسالك وافترقت بهم المقاصد.
ولكن هذه الفرق الكثيرة العدد يمكن إرجاعها إلى أربع فرق مشهورة وهي:
أولًا - الأزارقة وهم أصحاب نافع بن الأزرق وكنية أبو راشد.
ثانيًا - النجدية وهم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي.
ثالثًا - الصفرية وهم أصحاب زياد بن الأصفر أو ابن صفار - وقيل سموا بذلك لصفرة وجوههم من كثرة الصيام بالنهار والقيام بالليل.
رابعًا - الأباضية وهم أصحاب عبد الله بن أباض المُرِّي - (متلو)
[ ٦ / ١١ ]