الأكاذيب المقررة - التربية الطبيعية - الواجب
الأكاذيب المقررة
تأليف ماكس نوردو
٢
الطلاق
رأينا في الكلام المتقدم كيف أن نوردو يتهم النظام الاقتصادي الحاضر بما تطرق إلى الزواج في هذه الأيام من فساد أخرجه عما وضع لأجله، وقد زاد عليه في القسم الأخير من هذا الفصل علة أخرى، هي تأثير الآداب المسيحية على الزواج بين الدئنين بها.
وقد عجب لخجل الناس ومواربتهم فيما يتعلق بالتناسل، وسأل. علام يخجلهم النوم والأكل، حتى إذا جاءوا إلى التناسل وصلات الجنسين غلب عليهم الحياء وجعلوا التلميح في موضوع التصريح؟؟ وما بالهم يحسبون غريزة التناسل عورة تستروانها لفرض طبيعي دونه كثير من فروض الطبيعة البشرية التي نجهر بها ولا نري فيها ما ينافي الاحتشام أو يخل بالحياء؟؟
قال. وما كان هذا دأب الناس فيما غبر من الأجيال، فقد كان قدماء الهنود والإغريق يقدسون أعضاء التناسل ويكبرون القوى التي لولاها لانقرض البشر، وفنى النوع واندثر، وقد أقاموا لها المعابد ورفعوا لأجلها النصب وما كان يخطر لهم أنهم يجيئون أمرًا يخزي صاحبه كما قد يخطر لنا الآن.
ولكن المسيحية ظهرت في عهد فشا فيه الفساد، فأدركت أواخر أيام الإمبراطورية الرومانية وقد عم الفسوق وسرى الفجور بين الناس على اختلافهم فذهبت إلى أبعد مدى في استهجان هذه المنكرات، وكان الزواج فيما تناوله تشديدها وحجرها، وجري ذلك مجرى العادة حتى رأينا الكنيسة تسلك زوجين في مصاف القديسين لأنهما عاشا لا يمس أحدهما الآخر طول حياتهما.
ولقد أباحت المسيحية الزواج. ولكن لا لينتمي كل من الزوجين إلى رفيقه. بل ليتمم كلاهما
[ ٧ / ٨ ]
أمرًا من مباحات الدين. لو تركاه لكان ذلك خيرًا فلا بدع أن يكون للحب شأن في هذا القران.
فتسمع الكاهن أمام الهيكل يسأل العروس أراضية هي بذلك الرجل زوجًا لها وهل تقره مولى وسيدًا؟؟ ثم لا تسمعه يسألها أتحبه أم تبغضه لأنه لا يرى الحب فرضًا من فروض كتابه.
فإذا هويت الزوجة المسكينة بعد ذلك رجلًا تم بينها وبينه فعل الانتخاب الجنسي. فأولى أن لا يصلح ذلك مبررًا لتسريحها من زوجها وإيصالها بمن أحبته ومتى زوجها الحب فيكون له أن يطلقها أو يزوجها من رجل آخر؟؟
من ثم أنكرت المسيحية طبائع النفوس التي لا سبيل إلى إغفالها، وأبت أن تعترف بموجب للطلاق، فإذا غلبت الزوجة أهواؤها أصبحت فاجرًا ينبذها المجتمع وتقتص منها الشريعة. فإذا القاضي الذي يعفو عن لص سرق رغيفًا من الخبز ليدفع عنه ألم الجوع. لا يعرف للرحمة موضعًا في عقاب امرأة زلت نفسها طوعًا لمحركات الفطرة فتراه يسلم في الأولى بأن مطالب الطبيعة قد تغلب في النفس واجب رعاية الشريعة. ولا يسلم به في الثانية.
ويحسب نوردو أن هذه الشريعة ابتكرها الشيوخ الفانون، والرهبان المتبتلون، والناس لا يقرونها إلا أمام القضاء. وأنه لمن العجيب كما يقول نوردو أن يجل الرجل حكم القاضي بسجن الزانية، ثم تبصره يطرب للشاعر الذي يرتل أمامه قصائد العشق ويسرد له وقائعه إلى أقصى غاياتها، ولا يدل ذلك إلا على أن النفوس جبلت على الإقرار بالعشق ولكنها تتجاهله من جانب الأنانية وحب الاستئثار.
وقد أثبتت الملاحظة أن استمرار الزواج لا يرتكز على عاطفة من عواطف الإنسان، فالنفس لا تميل إلى التقيد بزوج واحد، ولكن الضرورة ألجأت العشائر الأولى إلى تقييد الزوج بزوجته، لأنها أضعف من أن تتكفل برزق أولاده، ولأن العشيرة لا ترضى أن تتحمل عنه تربيتهم، فكان لا بد للزواج من صلة تمتد إلى أبعد من صلة الشهوة.
على أنه لا سبيل إلى بقاء تلك الصلة مدى الحياة، فإن في ذلك من مجاوزة أحكام الطبيعة ما فيه. قال: وخلنا نفترض أوفق الفروض وأحراها بإطالة العشرة بين الزوجين فهل تحسب ذلك مغنيًا الناس عن تدبير الطلاق؟؟
[ ٧ / ٩ ]
هب العروسين كان يحب كلاهما صاحبه أصدق حب وأطهره، أفذلك ضمين بأن لا يتغير هذا الحب ما عاش المحبان؟؟
قد يقول لك الشعراء: إذا فتر الحب فما هو بالحب الصادق؟؟
فلنسألهم إذن أن يفرقوا لنا بين صادق الحب وكاذبه! وكيف يعلم العاشقان في هيام الحب وحرارة الوجد إن كان حبهما باقيًا مع الحياة أو كان خبًا موقوتًا لا يلبث أن يتطرق إليه الفتور اليوم أو غدًا.
أتراهم يرغبونهما في الزواج؟؟ فإن كان ذلك فقد يمل كلاهما صاحبه فماذا يصنعان؟؟ وكيف يتفقان؟؟
أم لعلهم ينصحونهما بالصبر حتى يثقا أن حبهما دائم حتى الممات؟؟ وذلك من أعسر الأمور عليهما. فإنهما لما كانا سوف لا يتحققان ذلك إلا بعدا، كان عليهما أن يصبرا إلى أن يوافيهما الأجل فيحق ساعتئذ لكل منهما أن يقول بقلب سليم لقد كان حبنا صادقًا وثيقًا، فلم يخمد إلا بخمود الحياة، وأنه ليحق لنا اليوم أن ندفن سويًا، فلا يخاف أحدنا تسرب السأم إلى قلب قرينه بعد الآن!!
ثم استطرد الكاتب إلى تحليل بديع لعاطفة الحب، فأبان أنه لا يستغرق كل أجزاء النفس مهما اشتدت فتنته. واتقدت لوعته. وأنه لا بد من زاوية منطوية في ثنايا النفس لا تزال بمعزل عن سائرها تجول فيها هواجس الأهواء وأسرار العواطف. والمرأة قد تعف في حبها وتفي لحبيبها ولكنها ما برحت وهي كذلك واحدة من جنس له طبيعته وشوقه إلى الجنس المقابل له. وقد يخلص الرجل لمعشوقته ويصدق في هواه ولكنه يبقي كيف كان الأمر واحدًا من جنس له مثل تلك الطبيعة وذلك الشوق تلقاء الجنس الآخر. وكلاهما لا ينجيه تعلقه بفرد واحد من الانفعال بمؤثر الجنس كله.
والوفاء بلا حد ولا قيد ليس من طبائع النفس. ولا هو من مألوفاتها وإنما يصبو المرء إلى الاستيلاء على قلب الحبيب بلا شريك. فيود أن يملأه وحده. وليس شيء أرضى لأثرتنا وأكمل لشخصيتنا من أن نشاهد صورتنا مرتسمة في مرآة نفس أخرى. ونأنس من شخص آخر تمكننا من مجامع أهوائه. واستحواذنا على مناط أمياله. فذلك الذي يجعلنا نرتقب الوفاء المطلق ممن نحب ونهوى. وقد يغار المرء حيث لا يحب لأنه لا يرتاح إلى تقدم
[ ٧ / ١٠ ]
سواه عند إنسان كائنًا من كان.
ولو كان الوفاء في الحب من مقتضيات الطبع، لوجب أن يطلب من الزوج بقدر ما يطلب من الزوجة، ولكنه مطمع من مطامع الأثرة كما تقدم، فكلما كان ذو الأثرة أقوى كان توقعه له من غيره أكثر، والرجال أقوى الجنسين، فهم يلزمون النساء بما لا يلزمون بمثله أنفسهم من الإخلاص والوفاء.
فإذا نسيت المرأة نفسها عدُّوًا ذلك منها كبيرة من أشنع الكبائر، أقل ما يصيبها من أجلها خزي لا يرحض وعار لا يمحى وجزاء لا غفران بعده، فإذا فعل الرجل فعلتها فليس في الأمر إلا أنها هفوة لذيذة يقابلها الجمهور بالمزاح والابتسام وتغتفرها المرأة له بالملاطفة وإدرار دموع البهتان.
ومما يزيد في قساوة هذا الحكم أن المرأة قل أن تزلّ إلا مخلوبة مذعنة لقوة أكبر من قوتها، أما الرجل فإذا هفا فإنما ذلك لأنه أراد أن يهفو مختارًا لا مضطرًا ولا مخدوعًا.
ولقد بلغت أثرة الرجل الهندي ما لم تبلغه أثرة الرجال في بلد من البلاد ففرض عليها من الوفاء له ما يحتم عليها ملازمته حتى يوم يطرح ميتًا على لهيب النيران. في حين لا يرى لامرأته من حق عليه ما يدعوه إلى التفريط في شعرة واحدة منه. ولا شيء يمنعه أن يعود من جنازة زوجته ليمتع نفسه بأطايب عرس جديد.
قال: ولم نغل نحن إلى هذا الحد في مقاضاة المرأة الوفاء. ولكن من قصاصنا من يمثل لنا عرائس تملكهن الكمد والقنوط فعمدن إلى التبتل بعد أحبابهن. وإن كان قد أبى أنصافهن عليهم إلا أن يسووا بين الرجال والنساء في هذه الفضيلة.
ثم عطف الكاتب يقارن بين الإنسان والحيوان في الشهوة الجنسية ليرى إن كان ثمت مسوغ من الفطرة لاستمرار الزواج. والقارئ العربي ينبغي أن يكون أقل الناس استغرابًا لهذه المقارنة لأننا قد طالما نسبنا تلك الشهوة في الإنسان إلى البهيمية. فرأى الكاتب أن العلاقة بين ذكر الحيوان وأنثاه لا تطول إلا ريثما ينتهي غرضها. ومنه مالا تتجاوز علاقة ذكره بأنثاه أيام المسافدة. والنادر القليل من الحيوان ما تبقى علاقة زوجيه إلى ما بعد وضع الجنين. والإنسان وإن ترفع وتعالى لا يخرج عن حكم الحيوان من هذه الوجهة. ولا وسيلة نتبين بها الطبيعي الأصيل من المتكلف الطارئ في أمياله الجنسية لصح من مراقبة هذه
[ ٧ / ١١ ]
الأميال في الحيوانات العليا التي هو وهي سواء في الخواص البيولوجية فيما هو من طبيعة التناسل.
وقد أظهرت أمثال هذه المقارنات أن حاجة الحب تنتهي بحصول غايتها. كما أن حاجة الجوع تنتهي بالطعام. ولهذا نشاهد أن الطور الأول من أطوار الحب ينقضي بعد ولادة الطفل ثم ينتقل إلى طور آخر ليس من ذلك الحب في صفاته وعلائمه. ومن ثم فبقاء الزواج مدى الحياة لا يستند على شيء في طبيعة الإنسان.
قد يقول قائل: نعم إن غريزة الإنسان لا تدعوه إلى الاقتصار على زوج واحدة، ولكنه ليس كسائم البهائم إذ أن له أيضًا غرائز أخرى. وعلى الحضارة أن تعلمه كيف يكبح غرائزه متى أدرك خطأها!! نقول ذلك حق ولكن من أين لنا أن تعدد الزواج مضر بنوع الإنسان أو عائق في سبيل انتشاره ونمائه؟؟
قال: إن الكنيسة فرضت وحدة الزواج ولكنها لم تستمكن من قسر الناس على مراعاة فرضها هذا إلا ظاهرًا. أما في الباطن فلا نظن أنه بين كل مائة ألف رجل أكثر من رجل واحد يحق له أن يقول على فراش الموت أنه ما عرف في حياته سوى امرأة واحدة. وإذا كانت النسبة أكثر من ذلك بين النساء فليس لأنهن أقل رغبة في إهمال ذلك الفرض. وإنما ذلك لأن المراقبة عليهن أشد وعين الناس صوبهن أدق وأحد.
هنا يقول قائل آخر: لئن كان للحب غرض يهتاج الإنسان لإنجازه ثم يخليه متى فرغ منه. فالصداقة قد تنوب عنه عند الناس: فيتآلف الزوجان وإن كانا بعد لا يتحابان.
وهذا صواب أيضًا. فقد يقترن الزوجان. يشغف الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في بادئ الأمر. فما هي إلا أن تثمر زهرة الحب فيفتر. ولكنهما يبقيان على صلاتهما الأولى بحكم العادة والإتباع. مثلهما في ذلك مثل الشجرة المتعفنة. يتغير باطنها ذرة بعد ذرة ولا ينال التغيير ظاهر قشورها وأوراقها. وربما كانت هذه الصلة في كزازتها وتفاهة مذاقها لا تغني عن الحب. ولكنها مع هذا صالحة للمطاولة والمصابرة.
ثم يتلاقى حنو قلبيهما في الذرية فيولد بينهما حب جديد. وتتراخى عاطفة الحب على الزمن فيسهل على العقل والإرادة مغالبتهما. وتتردد في نفسيهما ذكريات الحب في أيام صبوتهما. فتحلى ما بقي من أيامهما. وكذلك يبقي الزواج ما بقيت الحياة بعد أن يتوارى
[ ٧ / ١٢ ]
الحب ويتصرم.
على أن تعلة من هذه التعلات قد لا تنجع في مجاذبة عاطفة جمح بها الطبع واشتط الهوى. فتعي بها زواجر العقل والإرادة. وتعجز عنها حيل المألوف والعادة. وليس وقوع ذلك بأندر من أن نقيم وزنه أو ن نحسب حسابه.
ذلك كله قضى على بعض الحكومات بوضع سنة الطلاق ولكنها ما استطاعت أن تمحو سنة العرف. ولا نزعت من نفوس الناس ذلك الازدراء الذي يتعقبون به الزوجين المطلقين من مكان إلى مكان. مما يؤدي ببعض الأزواج إلي إيثار العبث بواجبات الزوجية على الطلاق الذي وراءه هذا العار والصغار.
وبعد أن المع إلي شدة التزاحم على مقومات الحياة. وأبان أن صعوبة الكدح والسعي تصد الرجل عن الزواج وتدعو المرأة إلى الإلقاء بنفسها إلى أول خاطب يتكفل بمؤنتها. وقرر أن المروءة والنخوة من آداب الرغد والرخاء وأن الضنك والعسر يضطران الناس إلى الشح والنذالة. وذكر أن دخول المرأة في ميدان المكافحة على العيش لا سيما في جيل الضنك والعسر مؤذٍ بها وبالمجموع. وشبه المصلحين الذين يحاولون تحسين حال المرأة فيهونون عليها العمل ويبصرونها بوسائل الاستغناء عن الرجل، بذلك الخطيب الذي يعلم الناس كيف يصومون في المجاعة كأن ذلك يغنيهم عن التماس الأقوات والأرزاق. قال:
يجب على الجمعية البشرية أن تعول المرأة فهي عتادها الذي تدخره للفاقة الاجتماعية والحاجة الطبيعية. وإن لكل جنس من الجنسين عملًا يقوم به لصلاح النوع. فعمل الرجل اكتساب القوت أي صيانة الجيل الحاضر. وعمل المرأة إنتاج الذرية أي إعداد الجيل القادم. وهي عدا هذا القطب الذي يدور عليه فعل الانتخاب الجنسي. والجائزة التي ينالها السابق بين المتنافسين في سباق ذلك الانتخاب. ونتيجة هذا التنافس ترقية النوع وتحسينه لا محالة