المشهد الأول
النديم ينتقل إلى مصاف قادة الرأي والفكر في مصر .. فهو يصدر عددا كبيرا من المجلات والصحف أشهرها (التنكيت والتبكيت) وانطلق فيها -كما هو واضح من اسمها- من السخرية المرة إلى معالجة آفات المجتمع ومشاكله المزمنة، وفي تلك الأثناء عمل مدرسا لبعض الوقت، وكان مدرسا من طراز فريد .. أنشأ مع تلامذته فرقة مسرحية، ولم يكتف بدور المؤلف أو المخرج، وإنما شاركهم التمثيل أيضا .. ولم يحفظ التاريخ هذه النصوص المسرحية وإن كان (أحمد سمير) وهو سكرتيره الشخصي في أخريات عمره قال «إن النديم قد تناول فيها المجتمع وأظهر المساوئ الاجتماعية آنذاك مثل الانحلال الخلقي والفقر والجهل».
وكان يهاجمه البعض بأن التمثيل عمل لا قيمة له ولا فائدة من ورائه، ويتهمون الممثلين بأنهم مهرجون، لكنه كان يدافع عنهم بثقة «لا ينبغي النظر إلى الممثلين باعتبارهم مضحكين، ولكن التمثيل وسيلة لدفع الظلم والنقد السياسي»، وكان يرى أن التمثيل: «فن بديع يقوم في التهذيب وتوسيع أفكار الأمم مقام أستاذ يلقن تلامذته بما تألفه نفوسهم» .. وهكذا فإذا كان يعقوب صنوع (١٨٣٨ - ١٩١٢) يعده البعض رائدا للمسرح العربي، فإن النديم بلا شك ممن تناساهم المؤرخون في هذا المجال.
المشهد الثاني
يقف صارخا في المجتمع .. وبقوة خطابته ومواهبه يقدم الزجل السياسي الرصين الذي اتخذ الفلاح موضوعا أساسيا .. منطلقا من مقولة صديقه ومعاصره جمال الدين الأفغاني:
«عجبت أيها الفلاح تشق قلب الأرض بفأسك فلِمَ لا تشق بنفس الفأس صدر ظالميك».
ومن أزجاله:
شرم برم حالي غلبان
أهل البنوك والأطيان
صاروا على الأعيان أعيان
وابن البلد ماشي عريان
ممعاه ولا حق الدخان
شرم برم حالي غلبان
ومن رسائله الأدبية .. رسالة بعنوان «عربي تفرنج» وقد تناول فيها شخصية طريفة جدا بطلا لرسالته تلك .. والرسالة تدور حول فلاح ثري جاهل أرسل ابنه (زعيط) ليتعلم في أوربا، وهو صبي جلف يحب البصل ولا يتعامل إلا مع البهائم؛ ليتباهى به وسط أعيان القرية، ولما عاد واستقبله أبوه بالأحضان دفعه (زعيط) قائلا: سبحان الله عندكم يا «مسلمين» مسألة الحضن دي قبيحة قوى قول: بون آريفي وسلم باليد خلاص .. ثم يحتد على أبيه في موقف آخر: أنتم أبناء العرب زي البهايم تمام ..
وفي مقام ثالث يذكره أبوه بالبصل فيتأفف ويتظاهر بأنه لا يتذكر، ثم أخيرا يقول: أووه .. أونيون تذكرته.