جمعنا مع بعض النبلاء مجلس انس ومجمع مسامرة فتفاوضنا في الاخلاق صحيحها وفاسدها وتجاذبنا طرفي الوصفين وارسلنا في كل غرض سهمين. فارتفعت المحاوره الى مقام الجدال. وبلغ الكلام المصارعة والنزال. وخفت على كاس الانس ان يتكدر. وجو السرور ان يتغير فقطعنا لسان الجدال عن سيره. وخضنا في حديث غيره. وما زلنا نتصرف في الكلام. ونقوم من الى مقام. حتى افضت المذاكرة الى تقاعد الاغنياء. وتهور الاغنياء. وموت صناعة البلاد. وكثرة البغي والفساد. فظهرت في بعضنا الحده. ومالاءه من النادي عده. ووصفوا تلك الشرذمة بصفات العصمة ودفعوا عنها كل عيب ووصمة. وقالوا ما حل وثيق العروه. الافقد المال والثروة. فلو كان بيدهم تجارة وبضاعة لملاوا الشرق بحسنات الصناعة وما الزمهم السكوت. الا احتياجهم الى القوت فهم يدفعون الكسل بلسان المثل العين بصيره. واليد قصيره
فقمت قيام اسد ترك عربه. وتتبع اثر فريسه وقلت
سلوني عن الامر الجليل فاتني عليم باخلاق الرجال خبير
لااذكر الكم اهل القفار والاكام. ولارجال الهند والشام فربنا انكرتم ما هنالك وقلتم ليس الامر كذلك وانما اقتصر على مشاهد تبصرونه وحاضر تعرفونه لأقيم الدليل مني وعليه واقوي حجة من انضم منكم الي اذا فرضنا ان بمصر واسكندريه وطندنا الفي انسان من المغرمين بالشراب والفي رجل من المغتزلين بها نكاث الحجاب وثلاثة الاف ممن يفضلون الحشيش على الحان وخمسة الاف من اصحاب الشغف بالعلمان واردنا ان ننظر
[ ٧٤ ]
- ٤١ -
لما يجمع من مصرف هؤلاء في هذه السبل المضلة نقال ولا اخبار بالحقيقه لراينا مجموع ما يصرفونه في الملاهي وفساد اخلاقهم وذهاب ثروتهم واتلاف عقولهم هذ البقدار الذي تراه بوجه التقريب لاالتحديد
الفا سكري في ثلاث انصاف بيره كل ليلة باعتبار النصف بقرش مبري بمجموع ما يصرف في العام ٢٠٦ والفا رجل من عاشقين الغيد ينفق كل مهنم من ماله في كل شهر ثمانين قرشا ومجموع ما يصرفونه في اثنى عشر شهرًا ١٩٢٠٠٠٠ وثلاثة الاف من الحشاشين يصرف كل منهم قرشين كل ليلة فمجموع ما يصرف سنويا ٢١٦٠٠٠٠ وخمسة الاف المتغلمنين يصرف كل منهم خمسين قرشًا في كل شهر فمجموع ما يصرف في العام
٣٠٠٠٠٠٠ ومجموع ما يصرف من الاقسام الاربعة ٩٢٤٠٠٠٠ عبارة عن ٩٢٤٠ جنيه ثم نفرض ان بقية اهل البلاد تصرف نصف هذا المقدار وبعض الاعيان والمتسترين يصرفون مقدار النصف ايضًا فيكون المجموع ١٨٤٨٠٠٠٠ عبارة عن عدد ١٨٤٨٠ جنيه مصري وهذا خلاف مايصرف في المجالس الخصوصية والهدايا والمعاجين والقمار والنمرة وخلاف من يشرب عشر كبايات او عشرين تعميرة او يقيم في بيت الفحش شهرًا او يتخذ له مجلس ولدان كل ليلة فان هذا يفضي بنا الى حد نحكم فيه على انفسنا بالجنون واليأس من انصافنا بصفة الانسانية فاذا فرضنا اننا في احتياج الى معامل) فابريقات) تحمي بها الصناعة واهلها وضربنا العظيم منها في الصغير في خمس وعشرين الف جنيه في سنه واحده سبعة معامل الصناعة واذا استخدمنا في كل معمل مائة من تلامذة مدارسنا في الكتابة والترجمه والتنكيل لوزعنا فيها ٧٠ من اهل المعارف واذا استعملنا خمسمائة من العملة في كل معمل كان مجموع ٣٥٠ وبضمنه اهل المعارف اليهم يكون المجموع ٣٠ ثم نصرف النظرعن ارباح هذه المعامل وعما يزيد من اهل الخير ونقول اذا ادمنا على ذلك عشر سنين يكون مجموع المعامل سبعين معملا ومجموع ان يستخدم فيها من اهل المعارف سبعة الاف ومن العملة خمسة وثلاثين الفًا ومجموع ذلك اثنان واربعون الف رجل ولا شك ان اثنين واربعين الف رجل تشغل خمسة ملايين من الناس في اعداد مايلزم لصناعتهم من المزرواعات وغيرها وتصريف مايصنعونه بالبيع والشراء والتسفير والشيل والجر والتوسط وغير ذلك مما تقضيه تلك الاعمال. وهذه ثروة لم تلغيها مملكة من الممالك في مدة عشر سنين ثم هذة الثروة تكونت من اثنى عشر الف ضال في وسط خمس ملايين من الناس مع صرف النظر عن ارباح المعامل من اول سنة الى العاشرة
فقام احد النبهاء وقطع على الخطابة وقال ان قلنا هذا المبلغ يصرف الان من اهله فلم لم يفتح هذه المعامل من ياخذها
[ ٧٥ ]
- ٤٢ -
فقلت لهُ سيدي لو كلفت نفسك بالسعي الى كمرك اسكندريه ووقفت من دفاتره على مقدار مايدخل من المسكرات لعلمت ان في اوروبا الف معمل تشتغل على لمت الشرق ولم يفتحها الا حساب
القرش والقرشين الذي قدمته اليك او تفضل معي نزر البير والخمارات والقهاوي
والحشيش وبيوت المومسات لتعلم ان العدد الذي قدرته لك لايبلغ عشر ماتراه وان مصرفهم في كل ليلة يزيد عن حسابي عشرة اضعاف
فاهتز احد المهذبين وضرب الكف بالكف وارسل الدموع حزنًا على فقد الرشد وضياع الالباب وقال باية وسيلة نصل الثروة التي ذكرتها ومن يحفظ لنا نظام ماليتنا اذا تركنا اللهو وتبعنا نصحنك وطريقة اقتصادك فقلت له الامر سهل ياولدي فما هو باكثر من اجتماع الاعيان في كل مدينة وعقد جمعية صناعية يكون صندوقها في ضمانتهم وينشر ذلك في الجرائد والطرقات وتنبعث في النبهاء في المجامع والقهاوي والبير واماكن الملاهي ترشد الاميين وتنصح القراء وتحثهم على معرفة صناديق الاقتصاد وابداعها المبلغ الجزئي الذي لايعز عليهم صرفه في اتلاف عقلهم واخذ ورقة سهام به فاذا تم في المبادي واردنا اخذ في العمل جمعنا من علماء الهندسة والصناعة الذين تربوا في المدارس من نثق بافكارهم ونتعقد امانتها وكلفناهم النظر في المحل الازم الى المعمل والصنف الذي نصنعه اولًا وارسلنا بعضهم الى اوروبا بالاستحضار الالات اللازمة والادوات وهذا يسهل جدا اذا سمع الضعفاء ان الاغنياء فتحوا محلًا يدخرون فيه الى الفقير مالًا يسد فيه دخله ويدفع به نوازي زمانه
فكيف مع هذا تتدعون الفقر وتلتمسون الاعذار الباردة وتدفعون عبب التقاعد والاهمال عم من قدم هذا العمل العظيم تالله اننا لفي نعمة ولكن لانعرف قدرة وفي ثروة ولكن لانحسن ادارتها وفي عزة ولكن لانحافظ عليها. ثم لانجد لنا حديثًا الا الطعن في عمالنا وتقبيح اهل المعارف فماذا تصنع لعمال اذا لم يتنبة الراي العام لجتماع كلمتهِ واحياء بلاده وماذا تفعل اهل المعارف اذا صرف الفقراء والمتوسطون نقودهم في الملاهي وفرح الاغنياء برص الجنيه في صناديق فضلًا عما تراه من السب وما تره من الايذاء وما تعامل به من الاهانة والاساءه ولو نظرنا الى الممالك المتقدمه في الثروة وبحثنا في مادة ثروتهم لوجدناها وحدة الاقتصاد وهيئة الاجتماع فان كل مملكة كائنة ما كانت تعجز عن تقدم جميع اممها لما هي مبتلاة به من الدفاع الخارجي والنظام الداخلي وما قوى سطوة الممالك العظيمة وايد كلمتها الا اممها المجدة في تعظيم الثروة فتعسًا لقومٍ لايقلدون الا فيما يذهب بالمجد ويميت روح البلاد. وسحقًا لامة ترى باب النجاح مفتوحًا ولا تلجه وتبًا لفئةٍ تمكنت من معدات الثروة
واهملتها اقول قولي هذا وفي الصدر زفرات وفي القلب حسرات واركم وجدتم في هذا
[ ٧٦ ]
- ٤٣ -
الخطاب حلاوة ولكنها شقت مرائر فصفق المجلس استحسانًا وكاد المعترض يرقص طربًا وموافقي يطير فرحًا واخذ الكل يضرب الحسبة ويعيدها ويخبط فيما يصنع بالمحتصل من
مصروف الملهي فبعضهم يقول نلتزم ورشة بولاق وبعضهم يقول نعيد ورشة قليوب وآخر ويقول نصلح ورشة شربين وبعض يقول ندير ورشة فوه وكثر القيل والقال فقلت لهم مهلًا حتى انشر هذا الحديث على اهلينا ومواطنينا لعلنا نجد في الضرع رضعة وفي البئر رشفة ونسمع بفتح هذه الصناديق او نعلم ان الطباع سكنت والحمية خمدت والنفوس بطرت والغيرة عدمت ولانسمع الا قولهم ما هذه الحسبة كما نظن ان نديما من المتمدنين فاذا به من المخرفين