يقع في يوم فبراير سنة ١٩٣٣
للأستاذ عبد الحميد سماحة. مفتش مرصد حلوان
(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد
ولا لحياته)
(حديث شريف)
حسبنا أن يكون في ذلك دليل مفحم للذين يتقولون القول وينسبون إلى الكواكب سعادة قوم وشقاء آخرين، وهي بريئة من هذا وذاك. ولكن أنى لنا أن نقنعهم وفريق يتخذها وسيلة للكسب، وفريق آخر يتخذها رجاء وسلوة.
لقد انقضى ذلك العهد الذي حسب الناس فيه أن بين الكواكب وبين الأفراد والشعوب في سعادتهم أو شقوتهم وانتصارهم أو هزيمتهم ارتباطًا. وتقدمت الدراسات الفلكية في القرنين الماضيين تقدمًا عظيمًا، وأصبح في استطاعة الفلكيين أن يقيسوا درجة حرارة النجوم كما يقيس الطبيب درجة حرارة المريض، واستبانوا أبعادها وأحجامها وأوزانها وتركيبها! ولم تعد الظواهر الفلكية منذرة بالحروب والبلاء، أو مبشرة بالسعادة والرخاء بل أصبحت تجربة علمية كبيرة تجربها الطبيعة فيستغلها العلماء إلى أقصى حد فيما لا يتيسر لهم تجربته على ظهر الأرض. فهناك مثلًا كثافة السديم نراها أدنى مليون مرة من كثافة أية مادة تصل إليها أيدينا بينما هي في بعض النجوم أعلى بمقدار مليون من كثافة أية مادة على الأرض! فليت شعري كيف يتسنى لنا أن نعرف طبيعة المادة من التجارب التي نجريها في المعمل ولا يزيد مدى كثافة المواد التي بين أيدينا على واحد في مليون المليون من المدى الكلي لكثافة المادة في الطبيعة؟؟
لقد أصبح من الصعب إيجاد الحد الفاصل بين أنواع العلوم الطبيعية؛ وتقدمت الاكتشافات العلمية وهي سلسلة الحلقات، فمن إلكترونات أقطارها كسور من ملايين الملايين من البوصة، إلى سدائم تقاس بمئات الآلاف من ملايين الملايين من الأميال! فكل زيادة في معلوماتنا الفلكية تزيد حتمًا في معلوماتنا في الطبيعة والكيمياء والعكس بالعكس.
[ ٣ / ٢٨ ]
لهذا كان اهتمام العلماء بالظواهر الفلكية عظيمًا، فهم يستغلونها في أبحاثهم، ويقيسون عليها نظرياتهم، وكثيرًا ما كانت الأرصاد الفلكية سببًا لاكتشافات عظيمة كان للبشرية منه نفع مادي جليل الشأن. مثال ذلك غاز الهليوم أكتشف أولًا في تحليل طيفي للشمس أثناء كسوفها في عام ١٨٦٨. وهذا الغاز كما نعلم عظيم المنفعة لأنه الغاز الوحيد الصالح لملء المناطيد. ونحن إنما نذكر هذا الحادث العظيم على سبيل المثال للذين يزنون العلوم بمقدار ما يمكن أن تدر عليهم أو على البشرية من نفع مادي؛ ولكن الغاية الأولى من الدراسات الفلكية هي البحث وراء الحقائق العلمية وحدها ولذاتها، وهي غاية تدافع عن نفسها بنفسها.
لقد أصبح كل طالب يعرف أن الأرض ومثلها الكواكب السيارة الثمانية الأحرى إنما تدور حول الشمس في مدارات دائرية، وأن القمر يدور حول الأرض بمدار دائري أيضًا. وأنه إذا توسط القمر بيننا وبين الشمس حجب أشعتها عنا فتنكسف الشمس؛ ولكن يجب أن نضيف هنا أن مدار القمر حول الأرض يميل بمقدار خمس درجات على مدار الأرض حول الشمس، فالثلاثة لسن في مستوى واحد على الدوام، ولولا ذلك لحدث كسوف للشمس كلما كان القمر في المحاق حيث يتوسط وقتئذ بين الأرض والشمس.
لقد حسب الفلكيون أن كسوفًا حلقيًا للشمس سيشاهد في القطر المصري في يوم الجمعة الموافق ٢٤ فبراير سنة ١٩٣٣ يبتدئ في الساعة الثالثة والدقيقة ٤٣ مساء، وينتهي في الخامسة والدقيقة ٢٩ مساء من نفس اليوم.
أجل ستنكسف الشمس في ذلك اليوم، وبين هذين الزمنين المحددين بالضبط لا محالة، ولكن لا سبيل في ذلك إلى التفاؤل ولا إلى التشاؤم، فليست الشمس والقمر والأجرام السماوية المختلفة الأخرى إلا آيات بينات لأولي الألباب.
[ ٣ / ٢٩ ]