للأستاذ نقولا الحداد
قصدت بعد أن عضني الكلب إلى مستشفى الكلب المجاور للقصر العيني. وكان أول ما أنعش نفسي أن رأيت على باب المكتب الداخلي لوحة كُتب عليها ما مفاده: - أنشأ هذا المستشفى الدكتور محمد باشا شاهين لعهد وزارة دولة صدقي باشا، وقد افتتحه رسميًا المغفور له الملك فؤاد الأول في أبريل سنة ١٩٣٢. فقلت في نفسي: كم كانت لشاهين باشا غفر الله له من مآثر جسام في مصلحة الصحة قبل أن صارت وزارة! وكان أول وزير لها، ثم توفاه الله إلى جواره بعد بضعة أسابيع مأسوفًا عليه. (أقول هذا لأني كنت على صلة صداقة خالصة به كل حياته. وكنت أذيع مآثره في الجرائد والمجلات كما يعلم كثيرون من أصدقائه وأصدقائي.
قدمت نفسي إلى مدير المستشفى؛ وكم كانت دهشتي عظيمة حين علمت أن هذا المدير هو الدكتور إبراهيم بك شاهين نجل المغفور له مؤسس هذا المستشفى. وعجبت أن ملامحه الرضية وسماحة محياه ووداعته استظهرت في مخيلتي صورة أبيه محمد باشا - سبحان من خلق وسوَّى.
وكان الدكتور إبراهيم يتوقع قدومي لأني رأيت أن نبأ عقر الكلب لي قد سبقني إلى المستشفى وسُجل في سجل (الحجاج) إليه. ورأيت فيه اسمي وعنواني وحادث الكلب نفسه الذي عقرني. فعجبت من هذه العناية والتدقيق في تناول المعلومات عن حوادث الكلب من المستشفى الكلاب في العباسية تلفونيًا كل يوم. فقلت له: (هب أني لم آت إليكم للعلاج) قال (نطلبك أولًا وثانيًا فإن لم تأت كان ذنبك على جنبك)،
قلت: وهب إني لم آت لظني أن الكلب سليم ثم ظهرت علىَّ الأعراض، أفلا يخشى أن أعدي أحدًا؟ قال: نعم يحتمل أن يتلوث شخص آخر بلعابك فيصاب. فقلت: وهل يجدي العلاج حينئذ؟ قال كلا. لا يجدي علاج بعد ظهور الأعراض. وما جنت ألا على نفسها براقش. ولكن ما من أحد اشتبه بعقر الكلب إياه إلا أسرع إلى المستشفى إذا لم يكن غبيًا. وستنزعج قليلًا من الحقن بالمصل كل يوم مدة ١٥ يومًا. قلت أليس العذاب في سبيل الحياة خيرًا من العذاب في سبيل الهلاك، العذاب الذي لا يطاق والذي لا يريحني منه إلا
[ ٧٦٠ / ١٠ ]
الموت.
وجعلت أتردد كل يوم في الميعاد المعين ١٥ يومًا إلى أن أمنت الداء وحصلت على مناعة سنة كاملة. وعلمت أن ذلك الكلب التعس نفق في اليوم الثاني في المستشفى.
قلت يومًا لمدير المكتب، إن هذا المستشفى نعمة عظيمة للناس لا تقدَّر بمقدار. قال: ليت الناس كلهم يعرفون هذا. نأتي بكثير منهم بالوعد أو بالوعيد لكي نعالجهم مجانًا لوجه الله فلا يلبثون أن يهربوا. والذين يُجاء بهم من الأرياف ينزلون في المستشفى فيعالجون من جراحهم ويحقنون بالمصل ويأكلون ويشربون وينامون مجانًا ومع ذلك لا يرضون!
قال لي أحد أطباء المستشفى وهو الدكتور عزمي توفيق إن في المستشفى نحو ١٧٠ سريرًا في طابقين من البناء، وإذا زاد عدد المصابين على عدد الأسرَّة دبرناهم بالتي هي أحسن. فنضع الطفل منهم مع شخص آخر في سرير كبير مثلًا، وقد يكون عندنا في وقت واحد نحو ٢٢٠ مصابًا أو أكثر. ومن كان له أقارب في القاهرة ينزل عندهم ويتردد على المستشفى فيبقى محله لغيره.
قد يدهش القارئ إذا علم أن هذا المستشفى يعالج أكثر من عشرة آلاف مصاب في السنة يعطيهم فيها نحو ١٥٠ ألف حقنة من اللقاح الذي يحضر في المستشفى عدا معالجة الجراح. لا تكون الإصابات من عضة كلب فقط، بل تكون من الحيوانات الأخرى كالحمار أو الجمل أو الحصان أو الدجاج. لأن هذه تسعر كالكلاب ويعدى بعضها بعضًا وتعدى الإنسان، فإذا عقر الحيوان الكبير إنسانًا فقد يكسر ساقه أو يسحق ذراعه أو كتفه. وهذه الجروح تستغرق وقتًا طويلًا وعلاجًا متواصلًا فضلًا عن الحقن بالمصل.
والمصل يحضر في معمل المستشفى فيُستعمل طازجًا في اليوم الثالث من تحضيره النهائي. ويحضر اللقاح من مخ الأرنب أو دماغه. ويمكن أن يحضر من مخ أي حيوان مصاب. ولكن الأرنب أرخص الحيوانات ثمنًا وأسهلها مراسًا. ويستعمل لهذا الغرض كل يوم نحو ٥٠ أرنبًا تقريبًا يقدمها متعهدون للمستشفى.
وأما كيفية تحضير المصل فدراسة فكهة، وهي أن تجرح جلدة قمة رأس الأرنب جرحًا بقدر سنتيمترين وتقلب إلى الجانبين ليظهر من الجمجمة قدر القرش الصغير. ثم تثقب الجمجمة ثقبًا صغيرًا، ثم يحقن النخاع بنقطة من سائل فيه ميكروب الكلب، ثم يضمد
[ ٧٦٠ / ١١ ]
الجرح ويعاد الأرنب إلى مأواه. وفي اليوم الرابع أو الخامس تظهر عليه أعراض الداء. يبدأ بشلل في قوادمه، ثم تتزايد الأعراض بضعة أيام إلى أن يدنو الموت فيذبح الأرنب ويؤخذ نخاع رأسه لتحضير المصل منه.
وبينما كانت هذه العملية تعمل أمامي قلت: مسكين هذا الأرنب! ما ذنبه حتى تثقب جمجمته لكي تزرع في دماغه جرثومة الكلب ثم يقاسي آلام الداء وأخيرًا يُقتل.
فقال الدكتور عزمي توفيق الذي كان يريني سلسلة عمليات المصل: حقًا إنه لظلم. ولكن إذا علمت أن الأرنب يفدى ثلاثة أو أربعة من المصابين بهذا الداء العقام لا يعود يصعب عليك أن يؤلم أرنب لكي يوقي أربعة أشخاص من آلام لا تطاق. ويظن أن الأرنب أقل إحساسًا من الإنسان بالآلام.
يوضع خمسون جرامًا من نخاع الأرنب في هاون وتدهس دهسًا شديدًا حتى تصبح كالعجين الرخو. ثم تمرث بواسطة شاشة سميكة في محلول من الملح النقي ٧ بالألف، وعشرة بالألف من المغنبول. تمرث رثًا دقيقًا حتى تخرج من الشاشة مستحلبًا دقيقًا جدًا ليس فيه كتل البتة، ثم يصب في زجاجة خاصة بسعة لتر وتكمل الزجاجة من المحلول الملحي نفسه. بعد ذلك تودع الزجاجات في ثلاجة مدة ٢٤ ساعة. وفي أثناء ذلك تفحص (عيَّنة) منها فحصًا بكتيريولوجيًا لئلا يكون قد تطرق إليها مكروب آخر أجنبي. ومتى ثبت أن ليس فيها مكروب ولا جراثيم حية يصبح المصل صالحًا للاستعمال.
قال الدكتور عزمي: ولكن في جميع عملياتنا لم نجد المصل ولا مرة ملوثًا بأي مكروب. على عملية الفحص البكتيريولوجي لابد منها للاطمئنان على سلامة من نعالجهم.
في هذا المصل مادة مولدة من نمو المكروب في مخ الأرنب تسمى أنتجن هذه المادة تولد في جسم الشخص المحقون أخرى تسمى (ضد الجسيمات) ولها وظيفتان: الأولى أنها تتلف المادة السامة التي تولدت من مكروب الكلب بأنها تتحد معها فتتكتلان أو ترسبان، وفي كلتا الحالتين تبطل قوتهما السامة والثانية أنها تحرض كريات الدم البيض على التمام المكروب، أو بالأحرى أنها تهيئ المكروب أو تطبخه ليكون غذاء لهذه الكريات التي تعتبر جنود الجسم المدافعة عنه في مدة العلاج التي تتراوح بين عشرة وعشرين يومًا حسبما يتراءى للطبيب من ظروف الإصابة، يهلك الميكروب وينعدم سمه وينجو المصاب من العذاب
[ ٧٦٠ / ١٢ ]
والموت، وقاك الله.
مكروب الكلب لا يرى تحت الميكروسكوب ولا تمنعه مصفاة
ويقدر حجمه بنحو١٥٠٠٠ من الملليمتر فتأمل: ذرة لا ترى
بمجهر (ميكروسكوب) ولا تفرز بمصفاة تفعل هذا الفعل
الفظيع بهذل الإنسان الجبار! بالله ما أضعف هذا الإنسان تجاه
أحقر المخلوقات. فحتى متى هذه النفخة يا إنسان! إن جرثومة
صغيرة جدًا كجرثومة الكلب أو الكولرا أو الملاريا تبيد من
البشر إذا لم تتق أكثر مما تبيد القنبلة الذرية.
ليس في القطر المصري غير هذا المستشفى للكلب. وإنما توجد وحدة صغيرة في الإسكندرية بإدارة الهلال الأحمر. وقد تقرر أن تتخذها وزارة الصحة وتجعلها مستشفى تامًا تحت إدارة مستشفى القاهرة. وسينشأ أيضًا مستشفى آخر في أسيوط أو في الأقصر، وآخر في بور سعيد أو السويس ويكونان بإدارة مستشفى القاهرة - فألف شكر للحكومة الجليلة!
وكنت أود أن أعيذ القارئ من تصديع خاطره بوصف أعراض هذا الداء الخبيث لولا أن البحث يبقى ناقصًا. فأوجز الوصف ما أمكن لكي يعرف الجمهور خطر هذا الداء العقام ويتخذ الحذر الشديد من التعرض له وتعريض الآخرين. وعند أقل شبهة في كلب أو حيوان يجب أن يعرض الحيوان على الطبيب البيطري، والطبيب وضعه تحت المراقبة حتى إذا اشتدت الشبهة أعدمه.
ومن نكد الدنيا أن هذا المكروب اللئيم لا يتبوأ عرشه إلا في دماغ فريسته، فيجعل جميع الجهاز العصبي تحت سلطانه. وهذا هو سر ما ينجم عنه من الآلام؛ لأن الجهاز العصبي مصدر اللذة والألم. وتكون العدوى بعقر المخلوق المعدي إنسانًا أو حيوانا أو تلويث أي غشاء مخاطي فيه كالفم أو أي جرح أو خمش أو سجح بلعاب الحيوان المسعر (المسعور)، وفي بحر أسبوع إلى أسبوعين تظهر الأعراض وأحيانًا ندرة تتأخر شهرًا أو أشهرًا.
[ ٧٦٠ / ١٣ ]
في الإنسان تبتدئ الأعراض بهبوط عقلي وخوف شديد وهلع وترديد الكلام اللغو. ثم الهياج العصبي والاضطراب الجسدي. ثم تفقد الشهية للطعام ويستمر الأرق والصداع والشعور بما لا يطاق من الاضطراب الفظيع.
ثم يتعذر الازدراد بسبب شلل الحلقوم والبلعوم إلى أن يستحيل البلع، فيكره المصاب السوائل ويخاف منها وينزعج من رؤية الماء ومن سماع خريره من صنبور. ويصبح حساسًا جدًا لكل باعث خارجي أو حركة أو صوت أو منظر.
ثم يتشنج ويتلوى ويمتد الشلل إلى أطرافه وأحيانًا يشخر ونخر فيحسبه المشاهدون نابحًا أو عاويًا. وأحيانًا يعض أي شيء، ولكن لا يلبث أن يرتخي فكه الأسفل ويتدلى، ويمتلئ فمه لعابًا كثيفًا لزجًا لا يستطيع أن ينفثه أو يبتلعه، وبالطبع يشتد عطشه، ولكنه لا يستطيع الشرب ولا المضغ؛ وتطرأ عليه حمى عالية. ومتى بلغت هذه الأعراض أشدها تضعضع العقل وذهب الوجدان وأشرف المصاب على الموت الساعة بعد الساعة.
ولو كان فقد الوجدان يبتدئ مع الأعراض لكان المصاب قليل الشعور بالألم ثم عديمه. ولكن وا أسفاه يبقى واعيًا شاعرًا متعبا إلى أن يقترب ملاك الموت. وقد تدوم هذه الأعراض يومين أو ثلاثة أو أكثر قبل أن يرحمه الله ويريحه من هذا الجحيم بسل روحه من جسده - اللهم رفقًا بعبادك - ترى لو أعطى المصاب جرعات من المورفين في العضل أما تخفف عنه هذه الآلام؟
أما وقد عرف القراء عذاب هذا الداء وعجز أي دواء عن تخفيف آلامه أو عن شفائه، أفلا يجدر بهم أن يأخذوا حذرهم من كلابهم المحبوبة ومن اختلاطه بكلاب أخرى؛ أو ما يجب عليهم أن يقضوا عليها في الحال بلا شفقة ولا أسف إذا ظهرت بعض الأعراض للطبيب البيطري سواء كانت الأعراض مشككة أو مؤكدة لئلا يقع البلاء في الأهل؟ أو ما عليهم إذا لامسهم لعاب الكلب المصاب أن يسرعوا إلى هذا المستشفى الكريم لاتقاء المرض؟
نقولا الحداد
في مراكش:
[ ٧٦٠ / ١٤ ]