صور من الريف
تأليف الأستاذ محمد زكي عبد القادر
بقلم الأستاذ أحمد عبد اللطيف بدر
لقد استحفزت همة الكاتبين بعد أن أهمني إغفال (الريف)، وما فطر عليه من وداعة تبدو على قسماته، والعمل الفني يجب أن يسحق إلى غاية عالية، بخلوده إلى الحياة الملابسة لوجوده.
وليست المهابة في استبهام البيان على الإفهام، وإنما الإبانة المستدنية التي تداخل العواطف، وتعاطف القلوب، وتناجي الآمال هي التي تكشف جوانب الجمال مع صدق التعبير.
واللفظ الشعري في مبناه ومعناه له إيقاع عجيب إذا اتسق مع سواه، لأن موسيقاه لها صدى يتردد في أعماق النفوس، والمصور المفتن في تصويره المقتدر على ندائي مشاهد الحقائق حتى تتجسد في مرأى الأبصار كأنها تحسها بين الألفاظ.
وخصوصية الكاتب تظهر في لمعة ذهنه، وبراعة إلماعه وروعة تفرده مع رصانة الأداء، وجاذبية العرض، وسلامة الوحدة التعبيرية! لهذا أردت تقديم (صور من الريف) في الرسالة الزهراء؛ فقد استبنت فيها ما استبانه الإحساس الإنساني على تفاوت درجاته، وإن عمل القاص عسير إذا أراد الإلمام بالفطر الإنسانية، والتنويه يتناقض الحياة على اختلاف تخالف الأحياء!
وإن تلك الصور الرائعة قد وضحت فيها ناحية جميلة تغيب عن تقدير متناولي الأسلوب القصصي لأنها تدور مع الحوادث ثم تعود إلى التلاقي مع (وصف الريف. . . في كل خطرة منها؛ فالقصص لا تورد لذاتها، وإنما يقصد منها تبيان السذاجة الريفية في عواطفها، ومشاعرها، وعقائدها وإيمانها، وقناعتها، واستسلامها، ورضاها بالمقدور.
يقول المؤلف المقتدر في (العيد): (هذا الريف صنعه الله، والله أيضًا هو الذي صنع هؤلاء الريفيين، والله طهارة ونور وقداسة).
[ ٨٤٥ / ٥٧ ]
ثم يسكت الكاتب الرائع تاركًا نتيجة هذا (القياس). . . المنطقي التعبيري تلمع في خاطر قارئه المأخوذ بروعة بيانه.
ويقول في موضع آخر: (العيد في الريف ذكرى، وخشوع، وإيمان مطلق لكنه في المدن قطعة من اللهو والعبث والاستهتار).
وليس المصور في هذا التعبير متجنيًا على المدينة؛ فالواقع أن جنون المظاهر تلعب، فالانطلاق على غلواء الأهواء لا يعترف بزمام التؤدة والوقار! ويدعى المدينون أن ضيق نطاق القرية يدعو إلى التحفظ وتكلف التجمل لكن الواقع يناقض دعواهم: (فالعيد في الريف نور وجمال له قدسيته وجلاله الذي يستمده من الدين)، وقد أبدع الوصاف في تلك القولة الموجزة، لأنه صور بها قوة عاطفة الإيمان لدى القروي الذي يبصر في نهاره وليله دلائل القدرة تتجمع في الآفاق؛ فتوحي إليه بتقدير القدرة العالية! وفي قطعة (ورقة النصيب): (صورة ممتعة حقًا لأنها تجمع إلى قناعة الريف المتواضع الراضي طمع الحياة الإنسانية).
ويعتقد المؤلف بين خيبة المؤمل وحب الأمل فيقول: (لم يربح سعيد بالأمل، سعيد في خياله ورجائه، ولابد أن يواتيه الرجاء والخيال يومًا).
إن في (صور من الريف) نواحي متعددة تصور لك كما قلت حقائق الحياة في نطاق التجربة، وإنما عمدت إلى (وصف العيد) و(ورقة النصيب) لأنهما يصوران حقيقة النفوس، ويدلان على تعلقها بما يستحقها أو يدفعها إلى السكينة والدعة.
ولقد تهادت بين أعطاف هذه الصور، أطياف من الحب الريفي القائم على التكتم واعتصار الفؤاد، ومن دون الإفصاح عن الانفعال حيث تضغط المشاعر بمضغط القسر والإرغام، ويصور إحساس عذراء القرية حينما تفاتح في الزواج: (سألوني هل تتزوجين؟ فعقد الحياء لساني ولم أستطع أن أتكلم، وإنما أجبت بالدموع، ألحوا في السؤال فألححت في البكاء، ولو كانوا يفهمون أو يريدون أن يفهموا لأدركوا ماذا تعني دموع عذراء).
إن الأستاذ محمد زكي عبد القادر يحب الاستدلال على ما يصدر بمقول غيره توكيدًا لمراده، ونلمح دائمًا حبه الاستشهاد بأقوال الفرنجة، والأدباء ملهمون يصدرون المعاني الإنسانية المشتركة على تباين الأديان والأقطار، وقد نقل عبارة عن (واشنجطن أرفنج) في
[ ٨٤٥ / ٥٨ ]
قطعة (على قبور أعزائنا ترمز إلى أن زيارة القبور مدعاة إلى التوبة والندم، ومع اعترافي بحسن اختياره ورشاقة ترجمته أوثر الاستدلال بما ورد في لغتنا إيناسًا لها، وتقريبًا لموضوع الكتاب الداعي إلى تمجيد البيئة.
هذا، ولست في إيرادي مؤاخذًا، وإنما أقصد أن يكون هذا السفر الجليل خاليًا من الكلف في وجه البدر.
(بورسعيد)
أحمد عبد اللطيف بدر
[ ٨٤٥ / ٥٩ ]