للأستاذ أنور المعداوي
إلى الأديب اللبناني الصديق سهيل إدريس:
سألتني أن أطالعك برأيي في قصتك اللبنانية الطويلة (سراب)، وتفضلت فبعثت إليَّ بعشرة أعداد من (بيروت المساء) في كل عدد منها فصل من فصول القصة، وهاأنذا أطالعك بهذا الرأي على صفحات (الرسالة) بعد أن فرغت من قراءة فصلك الأخير، ذلك الفصل الرائع الذي هزَّ في عينيَّ قطرات الدموع!
إذا قلت لك إنك قد بلغت غاية التوفيق فثق أنني لا أجاملك، وإذا قلت لك إنني أود أن أشد على يديك مهنئًا فثق مرة أخرى أنني لا أجاملك! وأظنك تعلم حق العلم أنني ما جاملتك قط، أنت بالذات، بل لعلي كنت أقسو عليك أحيانًا حتى لا أترك في نفسي قارئ أثرًا للشبهات ولا موضعًا للظنون!
ولقد قلت لنفسي بعد أن فرغت من قراءة قصتك: ترى أي صدى خلفته هذه القصة بين جوانح القراء والأدباء في لبنان؟
أما القراء، فأنا أعلم أنهم يعجبون بك ويعطفون عليك، وأما الأدباء، فلهم معك شأن آخر؛ شأن أبرز سماته الحقد الذي يدفع إلى الظلم، وملء الطريق بالحجارة لتتعثر أقدام الناجحين!
هذا هو الشعور الذي كان يخالجني كلما خطوتَ إلى الأمام خطوة، شعور بعطف القراء وحقد الأدباء. . . هذا الحقد الذي كنت ألمسه كلما ظهرت لك مجموعة قصصية جديدة. لقد كان إخوانك في لبنان يحرصون دائمًا على أن يقدموك إلى الناس في كفة تغلب فيها السيئات على الحسنات، بل لعلهم لم يشيروا إلى حسناتك إلا في القليل النادر، ومع ذلك يقال عنهم إنهم حملة الأقلام وأصحاب الميزان! وأشهد أنك كنت تلقى ظالميك دائمًا وعلى شفتيك ابتسامة، وعلى قسمات وجهك آيات من الصبر الجميل. . . وتشهد رسائلي إليك أنني كنت ألومك أعنف اللوم على هذا المسلك الذي كان يثيرني منك، ذلك لأن أكثر الناس لا يفهمون ولا يدركون. . . لا يفهمون سر الابتسامة على أنه من أثر الثقة بالنفس، ولا يدركون أن الصبر الجميل مصدره الإيمان بالمستقبل! وكم قلت لك إن بين يديك قلمًا
[ ٨٤٦ / ٢٨ ]
يستطيع أن يرد الطعنة طعنات، وأن يدرأ عن صاحبه تلك الحملات الظالمة التي لا تستند إلى شرعة من إنصاف ولا إلى مسكة من ضمير، فلم لا ترفع معول الهدم لتهوى به على الأصنام، ولم لا تشق طريقك على أشلاء الجثث المحنطة في توابيت الأدب؟!
وتزداد أنت صمتًا وأزداد أنا ثورة، لأنني أريد لك ولكل إنسان ناجح أن يتخذ شعاره من هذه الكلمات التي نطق بها نيتشه: (حطم كل مألوف يعترض طريقك)!
ومع ذلك، فقد مضيت في طريقك لا تكاد تصغي إلى هذا الصوت الثائر الذي يهيب بك أن تلقى العنف بالعنف، ولا إلى تلك الصيحات المنكرة التي كانت تتجاوب من حولك كلما قطعت مرحلة من مراحل الطريق. . . لقد كانت البسمة على شفتيك وليدة الثقة، وكان الصبر بين جنبيك ضريبة الإيمان! وبهذين السلاحين النادرين استطعت أن تبلغ الغاية التي كنت أرجوها لك. . . صدقني إن الدموع التي اضطربت في قلبي قبل أن تندفع إلى عينيَّ، كانت صدى صادقًا لهذا الفصل الرائع الذي ختمت به (سراب)، وكانت - فوق ذلك - انعكاسًا مباشرًا لتلك الأضواء التي غمرت جوانب نفسي وأنا أراك تجني ثمار الصبر والجهد والأيام المضنية!
لقد كنت آخذ عليك أحيانًا ضعف النبض المنبثق من قلب الحياة خفاقًا على صفحات فنك، وكنت آخذ عليك أحيانًا أخرى عدم العناية بوضع التصميم الفني الكامل قبل رص اللبنات الأولى في بناء القصة. . . وكأنك كنت تحشد تجاربك كلها وتشحذ أسلحتك كلها لهذه المعركة الفنية التي انتصرت فيها على وخزات النقد، وإذا (سراب) قصة تصور في جلاء مراحل هذه المعركة قبل أن تصور في صدق حياة الجبل في لبنان. . . قصة تروي لقرائها قصة أخرى، خير ما فيها أنك قد رسمت خط الاتجاه التفكيري في صبر وأناة، فبدوت ثابت القدم إلى حد بعيد. . . هذه واحدة، أما الثانية، فهي اكتمال التصميم الفني قبل الشروع في البناء، ومن هنا ظهرت كل طبقة من طبقات القصة وهي في مكانها الذي حددته المقاييس، وتبقى بعد ذلك هذه الإنسانية التي تترجم في صدق عن لغة الشعور، وتلك الواقعية التي تنقل في أمانة عن لغة الحياة!
ولقد كنت أود أن أقدم للقراء تلخيصًا كاملًا لقصتك ولكنني عدت أخيرًا فأحجمت. . . أحجمت لأن التلخيص سيظلم (سراب) الطويلة كل الظلم، وأنا لا أحب أن أظلم هذه القصة
[ ٨٤٦ / ٢٩ ]
التي يجب أن تقرأ كاملة. هناك الأفق الذي رحب، وهناك القلب الذي وجب، وهناك رفات الجناح المحلق في سماء جديدة، وكل تلك القيم يجنى عليها التلخيص العابر والعرض السريع!
يا صديقي، حسبك هذه الكلمات رأيًا فيك وفي قصتك. . . ويشهد الله أنها كلمات تمليها نزاهة النقد لا عاطفة الصداقة!!
مسرحية (الملك أوديب) بين الكتاب والمسرح:
. . . . . . . . .
قرأت تعقيبك حول الملاحظات التي توجهت بها إليك على صفحات (الرسالة) عن كتاب (الملك أوديب) لتوفيق الحكيم. وقد أعجبني منطقك حقًا، وأشهد أنه كان في منتهى الروعة والدقة، وإذا كان هناك أي خلاف بيني وبينك حول بعض النقاط، فأحسب أنه يقتصر على التفاصيل والجزيئات فحسب. وقبل أن توصد باب الحديث في هذا الموضوع وددت أن أحتكم إليك في مسألة جديدة هامة حول مسرحية أوديب. فقد لفت نظري في مسرحية (أوديب ملكا) لسوفوكليس أمر هام، إذ لاحظت أنه في الموضع الذي تخنق فيه الملكة جوكاستا نفسها ويطعن أوديب عينيه، لا يصور المؤلف المشهد مباشرة ولا ينقلنا إلى المكان الذي حدثت فيه الفاجعة، وإنما يسرد لنا خبرها وتفاصيلها على لسان خادم. وقد اتبع أندريه جيد النفس الطريقة في معالجة المشهد المذكور وكذلك فعل توفيق الحكيم. ومعنى هذا أنه لو مثلت هذه المسرحية على المسرح فإن المتفرج لن يرى الملكة جوكاستا معلقة من رقبتها بالحبل وان يرى أوديب يفقأ عينيه بالمشابك الذهبية، وإنما يرى أمامه شخصًا واحدًا استبد به الجزع فوقف يسرد تفاصيل الفاجعة. وأحسب أن هذه الخطوة تخل بالمأساة إلى حد بعيد، وتغض من قيمتها بدرجة محسوسة، لأن ثمة فرقًا كبيرًا بين عرض المشهد مباشرة على المتفرج وبين تصويره له عن طريق الرواية والسرد. وهذا الفرق يتعاظم دون شك إذا كان المشهد المقصود من أدق وأبرز مشاهد المسرحية كما هي الحال في مسرحية أوديب.
لهذا فقد شككت كثيرًا في أن يكون جان كوكتو قد انتهج في معالجته لهذا المشهد في (الآلة الجهنمية) نفس المسلك الذي انتهجه أقرانه المشار إليهم فيما سلف من كلام. ومبعث الشك
[ ٨٤٦ / ٣٠ ]
هو كون جان كوكتو فنانًا مسرحيًا خبر المسرح عن قرب ودرس مطاليبه ومطاليب رواده وألم من قريب بكل ما من شأنه أن يهيئ للمسرحية النجاح أو يكتب لها الإخفاق. وبدافع هذا الشعور تحققت حاجتي إلى قراءة كتاب كوكتو عن أوديب، ولكن الظروف لم تهيئ لي ذلك، ولم تيسر لي الحصول على نسخة من الكتاب في لغته الأصلية. ولذا فقد جئت أسألك عن هذه النقطة آملًا أن تغنيني إجابتك عن قراءة النص. وأرجو ألا تحرمنا بعد ذلك من تعقيبك حول هذه الملاحظة، فيما إذا كنت تقرني على رأيي أو تخالفني فيه.
ولك جزيل شكري وخالص امتناني وفائق مودتي وتقيري.
(بغداد)
فؤاد الونداوي
ليسانسيه في الحقوق
مرة أخرى يؤسفني أن أختلف مع الصديق العراقي الفاضل في هذه الملاحظة التي أبداها وفي ذلك الرأي الذي نادى به. . . إن هؤلاء الكتاب المسرحيين الذين أشار إليهم قد نظروا إلى طبيعة المسرح وإمكانياته المادية، حين خطر لهم ألا يعرضوا على النظارة ذلك المشهد يرى الأستاذ الونداوي في إغفال عرضه إخلالًا بالمأساة وغضا من قيمتها التمثيلية! الواقع أنه لا إخلال هناك ولا إفساد، ما دام سير الحوادث في المسرحية قد هيأ أذهان النظارة لوقوع الفاجعة وتلقى خبرها على لسان شخص من الشخوص. . . ثم إن هناك لونًا من الاستحالة المادية في إظهار الملكة جوكاست على المسرح وهي معلقة من رقبتها بحبل وكذلك الملك أوديب وقد طعن عينيه بالمشابك الذهبية، ذلك لأننا إذا أقدمنا على إخراج هذا المشهد كما يريد له الأستاذ الونداوي أن يكون، لا تقلب الأمر من عالم التمثيل إلى عالم الواقع، ولتحول من دنيا الخيال إلى دنيا الحقيقة. . أي أننا لو فرضنا على إحدى الممثلات أن تقوم بدور الملكة جوكاست ووضعنا الحبل حول عنقها ثم تركناها تتأرجح على المسرح، فمعنى هذا أن الانتحار الذي نريده تمثيلًا يصبح آخر الأمر وهو حقيقة ماثلة!.
هذه الاستحالة المادية في إبراز مشهد الانتحار بالنسبة إلى الملكة جوكاست تتكرر مرة أخرى بالنسبة إلى الملك أوديب. . . إن أي مخرج مسرحي لا يستطيع أبدًا أن يعرض
[ ٨٤٦ / ٣١ ]
على النظارة منظرًا رهيبًا يتمثل في رجل يفقأ عينيه بالمشابك الذهبية حتى لتتدحرج حدقتاه على خديه وسط فيض من الدماء! استحالة مادية تقف في وجه المخرج والممثل وتضيق بها طبيعة المسرح قبل أن يضيق بها شعور النظارة على التحقيق. . . ولكن هذه الاستحالة يمكن التغلب عليها بسهولة إذا ما نقلنا القصة من خشبة المسرح إلى شاشة السينما، لأن هناك من الحيل السينمائية ما يستطاع التغلب به على شتى المواقف والعقبات!
أما الكاتب المسرحي الفرنسي جان كوكتو فقد سار على نفس النهج في (الآلة الجهنمية) مع العلم بأنه هو الذي يشرف على إخراج مسرحياته، وليس من شك في أن كوكتو مخرج مسرحي ممتاز يدرك طبيعة العمل المسرحي ومدى التفاوت بين حاضره وماضيه، من ناحية القيم الفنية والتمثيلية.
هذا وللأستاذ الونداوي خالص الشكر على صادق تقديره وكريم مودته.
بعض الرسائل من حقيبة البريد:
هذه رسالة طريفة من الآنسة الفاضلة سعاد عبد الهادي بالقناطر الخيرية، تستشيرني فيها حول أمر يقلقها قليلًا كل مساء، أما هذا الأمر فهو أنها كثيرًا ما تقف وهي عائدة إلى البيت أمام واجهة إحدى المكتبات، حيث يطالعها في كل مرة كتاب يجذبها إليه اسمه وينفرها منه اسمه أيضًا، وهو كتاب (صور من العشق). . . وتسألني الآنسة الفاضلة: هل تقدم على شراء هذا الكتاب؟ وهل مما يليق أن تقرأ فتاة كتابًا عن العشق؟ (إن كلمة العشق رغم لذتها وظرفها فإنها أيضًا تخيف وتخجل وتضايق)! إن ردي على الآنسة هو أنه لا بأس أبدًا من قراءة هذا الكتاب لأنه كتاب يتحدث عن ألوان من الحب استخلصها المؤلف من زوايا التاريخ، ومهما يكن من شيء فإن الفتاة التي تجد الشجاعة على أن تصف الحب بأنه لذيذ وظريف، وهذه الفتاة يمكنها أيضًا أن تجد الشجاعة على أن تقرأ كتابًا من هذا الطراز!!. . . أما الرسالة الثانية فمن (بغداد - العراق) أشكر لمرسلها الأديب الفاضل عبد الله نيازي بمديرية التسوية العامة رقيق تهنئته، وأجيبه بأنه يؤسفني جد الأسف أن كتاب (نهاية حب) الذي تفضل بإرساله إلي قد وقع في يد غير يدي على التحقيق! وهذه رسالة ثالثة من (بغداد - العراق) أيضًا تحمل إلي كريم التقدير ما يستحق خالص امتناني لمرسلها الأديب الفاضل عبد الوهاب البياتي، أما المسألة التي أشار إليها فهي موضع عنايتي. ورسالة رابعة عن
[ ٨٤٦ / ٣٢ ]
الشاعر الفاضل جعفر عثمان موسى (كوستي - السودان) تحوي بضعة أسئلة حول فن القصة وفنون أخرى، كما تحوي عتابًا رقيقًا على سؤال قديم شغلت عن الإجابة عنه، الواقع أن كثرة شواغلي قد ألهتني عن هذا الصديق الذي سأكتب إليه رسالة خاصة تصله بعد أيام. ورسالة خامسة من (مدني - السودان) أيضًا يطلب إلي فيها مرسلها الفاضل ع. عبد الله أن أكتب مرة أخرى عن الشيوعية البغيضة التي (يحاول المتشبثون بأهدابها تسفيه النصوص والآراء الدينية نابذين في سبيل منطقهم المتهافت كل منطق قويم وكل برهان قاطع وكل حجة دامغة، وأي منطق متهافت هذا الذي يتحدى القرآن)؟!. . . إنني أشكر للأديب الفاضل هذا الشعور الصادق نحو المبادئ الهدامة، وأعده بالكتابة في هذا المجال كلمات حانت الفرصة. وتبقى بعد ذلك بضع رسائل سأشير إليها في العدد القادم إن شاء الله.
أنور المعداوي
[ ٨٤٦ / ٣٣ ]