صوت مصر. . .
الآنسة فائزة عبد المجيد
(وقال الكاتب العربي أ. م في الرسالة قولا كريمًا مشكلة اللاجئين كان له النفس هذا الصدى)
ف.
(قطرات من الدموع، ندًا من الرحمة، وقليل مما يسد الرمق، ذلك ما يطلبه اليائسون من المترفين، وحسبهم منه القليل) كما يقول لا مارتين، ترى، أكان من ذلك وحيك، لتمسح جراحًا وتهز قلوبًا، وتحيي ضمائر، وحولك مأساة تكاد لها الجبال الصم تميد؟. .
قلت في صرختك: (إنني كفرت بالضير الإنساني، كفرت به حين كفر هو بكل وشيجة من وشاج الإنسانية! وكل خليقة من خلائق الأحياء، حين تكون هذه الخلائق مجموع من المشاعر والأحاسيس. . . مشاعر الدم الواحد واللغة الواحدة والتقاليد الواحدة وأحاسيس الأخوة والعروبة والجوار!) وإنه لحق، لولا نفوس ترسل النداء - كما أرسلتموه - جهيرًا قويًا: ألا رفقًا أيتها الحادثات، غفرانًا أيها الإخاء المعذب، فما نسينا لك - على الشدائد - عهدًا، وأن هادن الدهر وضلت عن السبيل القوافل:
قد هادن الدهر حتى لا قراع له وأطرق الخطب حتى ما به حرك
أو كفرت بالعروبة حين عادت لا تجمعها - عند النزول - جامعة من دين ولغة وتاريخ، حين دخلت معركتها الأولى بلا إيمان لتفضحها مشكلة اللاجئين ويصمها حكم التاريخ، والدليل الحق لا يدفعه دافع؟ أو راعك صوت التاريخ يقول لفلسطين ما قاله شاعر أثينا يوم هوت: (لقد اختفت أثينا من صفحة الوجود، ليختفي الربيع من فصولك أيها الزمن!.)
أو أبكاك النشيد يهز بشجوه الحضر والبيد: (يا أخت أندلس عليك سلام. .)
وهل كانت محنة فلسطين إلا محنة العروبة في شرفها تصاب، وللعروبة أبناء فلسطين يردون موارد الهلاك إدلاء، فما نقض مضاجع توجعًا من موت يسري في جموعهم، ومن شقاء يبيدهم:
[ ٩٣٢ / ٢٥ ]
سرى الموت في الظلماء والقوم في الكرى وقام على ساق ونحن قعود
وهل محنة فلسطين إلا محنة العروبة في افتضاح قوتها، في عطلها من الرأي العام الذي يوجه السياسة العليا حين يقول كلمته ويملي أردته؟
ألا تعال معي، وطف في تلك الكهوف وأشهد: هنا الإنسانية تتعذب، تلك الطفولة تذوي. تتطلع إلى النور فتحجبه عن ناظرها الدموع، تشقي قبل أن يشقيها الكفاح. أو سمعتها وهي تقول: رب إني مسني الضر؟ أو رأيت كيف غضنت الهموم جباه الصغار قبل السنين، كيف غرقوا في لحج اليأس، أضحوا عبيدًا قبل أن تظلهم راية الحرية، تخلت عنهم محبة الأرض والسماء، سقطوا وما من ضماد.
ألا، دع الصغار يبكون ثم ماذا ترى؟ خيامًا ممزقة، أشباحًا في أسمال، نظرات جزعة، وأكفًا ضارعة.
ألا لا تسألن: دع الجراح في ألحنا يا وفي الضلوع، فأشدها حين تنكأ. دع لها الذكريات، فما أمر تذكرها! دع لها الدمع ينبئك، ففيه بلاغ:
لم يبق شيء من الدنيا بأيدينا إلا بقية دمع في مآقينا
فائزة عبد المجيد
[ ٩٣٢ / ٢٦ ]