للكاتب الناقد. أي. تي. كيلركوج
بقلم الأستاذ يوسف عبد المسيح ثروت
تتمة
قبل أن نلوم ضعف كوليرج الإنساني، دعنا نسأل أنفسنا عما ' ذا كان من الممكن لأي إنسان أن ينظم قصائد متعاقبة من طراز النوتي القديم، ولكن إن فرضنا الإعجاز - وهو ما كان موهوبًا به - فإنه (أي الإعجاز) ليست له القدرة الكافية بإلزام الرجل على إنهاك نفسه. أو بكلمة أخرى دعنا نبحث ونتساءل عما إذا كان انقطاع الفيض القدسي مرده ضعفه أم سببه هو استنزاف تلك القوة الخفية؟ وهو ما نعتقده ونؤمن به. والجواب القاطع عن مثل هذا السؤال موجود في قصيدته (كرستابل) كما أن قصيدته (قوبلاي خان) تشد أزر مثل هذا الرأي وتعززه بدليل آخر بلا أدنى شك ولا أقل ريب. يحدثنا كوليرج نفسه بذلك فيذهب إلى القول بأنه شرع بنظم (كرستابل) في سنة ١٧٩٧، أي إما أن يقول ذلك قبل أو في غضون نظمه (للنوتي القديم). وقد امتازت هذه الفترة بخلوها من تعاطي الأفيون. ومع هذا فكل من يحاول أن يقلب الصفحات الأولى من (كرستابل) سيرى بعينه أنه من المستحيل إتمامها بأية حالة كانت. ولا شك أن كوليرج أعتقد جازمًا بأن في قدرته إكمالها، ولكنه في نضاله لتحقيق ذلك كان يجالد أعداء أقوى من الأفيون وذلك لأنه كان يقارع المقادير التي تتحكم في مصائر الأشياء كيف تشاء، فتنتهي على الصورة التي تريدها وبالكيفية التي ترضاها.
أما نغمات (كرستابل) التي أجاد وضعها الشاعر، فهي تعاني في آذاننا نوعا من التداعي والارتباط بجلجلة (سكوت) كما هي الحال وبصورة أسوأ مع بايرون الذي استعارها بدوره من سكوت. ولا تزال هذه الفظاظة على شدتها في أيامها هذه، لدرجة أن إيقاعها الموسيقي أسف إسفافًا كبيرًا. . . والخلاصة أن هناك كثيرًا ممن يرى في (كرستابل) زيفًا لا معنى له متناثرًا هنا وهناك، ومع ذلك فإن أصالتها وجمالها في بعض الأبيات مما يدهش ويبعث على الغبطة والسرور. أما (قوبلاي خان) - فحتى إذا فرضنا أن ذلك الشخص من
[ ١٠٢٣ / ٣٠ ]
(بورلوك) لم يبترها - فكيف لنا أن نتصور بان في الإمكان إتمامها أو حتى الاستمرار بها قليلًا. ولكنها مع كل ذلك، أعظم قطعة ساحرة تخلب الألباب وتسلب الأذهان في الشعر الإنجليزي على الإطلاق. وبعد مضي ثلاثة أسابيع من تلك الليلة الزاهرة التي أتم فيها أغنيته الخالدة (أعني النوتي القديم) سار ورفاقه يومًا ما منشدا إياها وكان في معيته آنئذ ورد زورث وقال كوليرج عنه في سياق إحدى رسائله إلى أصدقاءه (أنه (أي ورد زورث) يتقدم تقدمًا متواصلًا في مجال الشعر وأنه يشعر بأن البلاد تزداد حسنًا وجمالًا في كل يوم) وقد أصبح لبهاء هذا الصيف (في كوانتوك) مكانه اللائق به في سجل تأريخنا الأدبي. لقد انتهى موسم حصاد كوليرج، وبدأ موسم وردزورث الذي بدا زاهرًا باهرًا فيه الآمال العراض والأماني العذاب. وبعد ذلك حدث أن أرتحل الأخ والأخت من (الفوكسدن) في منتصف الصيف، وفي أيلول لقيهم كوليرج في لندن فأبحروا جميعًا في سفرة رائعة إلى هامبورغ في ألمانيا. ومن الملاحظ في هذا الخصوص أن (الأغاني) التي نظمها وردزورث طبعت من قبل عدة أيام من إهداء كوليرج (للنوتي القديم) و(البلبل) و(حكاية المرضعة) و(الزنزانة). وقد أطلق كل من الصديقين قذيفته وذهبا فرحين كل إلى جهة معينة. أما قذيفة وردزورث فكانت بمثابة صاعقة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ولو أن بريطانيا قابلتها ببرودتها المعهودة ولكن السيدة كوليرج علقت على ذلك بقولها (لا يحب الأغاني أحد قط!). ولم تمض عدة أيام على وصول الأصدقاء إلى هامبورغ حتى انفرط عقدهم، فارتحل كوليرج إلى (راتززبورغ) وفي نيته تعلم اللغة الألمانية ومن هناك عاد إلى (نيذر ستاوي) في تموز عام ١٧٩٩. وفي نهاية السنة لقي عائلة ورد زورث وطاف معهم منطقة البحيرات وبعد ذلك استقر آل ورد زورث في (دوف كوتيج) في (كرايمر) وفي تموز من السنة التالية انتقل كوليرج إلى جوارهم في (كريتا هول، كينزوك) على مقربة اثني عشر ميلًا منهم. وكان وردزورث في إبان نشاطه ووفرة قوته في هذه الأثناء، ومع هذا فإن التعارف الجديد لم يكن لكوليرج ربيعًا جديدًا. فساوذي لن تعاد مرة أخرى. وهنا لسوء الحظ أو لحسنه يمكن أن تنتهي القصة لسوء الحظ لأن فترة نظم الشعر انقضى أجلها وذهب ريحها، وفي ذلك يقول كوليرج بالذات (إنه نبذ الشعر ملتمسًا النجاة في الميتافيزيقا) زد على ذلك أنه أسلم نفسه نهائيًا إلى عبودية الأفيون؛ ولحسن الحظ أن نهاية هذه الفترة
[ ١٠٢٣ / ٣١ ]
تحول بيننا وبين اقتفاء أثره في سفرته إلى برستول ومالطة، وما تخلل ذلك من منازعات ومصالحات وعهود واختلاطات وعودة إلى الأفيون وشفائه منه جزئيًا ثم ارتكاسه وانتكاسه ويأسه ثم غروب شمس حياته النبيلة الطيبة في دار (جلمان) في (هاي جيت).
وعلى كل حال دعنا نلاحظ شيئين قبل الاقتناع بما يدلي به بعض الذين يكتبون بسخرية عن كوليرج وضعفه. فأولًا أنه كافح وجالد وقارع في أعمق مهاوي اليأس فخرج منتصرًا في نهاية الأمر. لقد نال النصر بد أن قدم في سبيل ذلك ثمنًا باهظًا جدًا. ولقد أصاب هذا النضال الشاق الدامي مئات من الكفايات الممتازة التي يتمتع بها، ولكن الرجل بالرغم من هذه الجروح والكلوم التي استنزفت دماء حياته، وخرج وبيده المرتعشة كأس النصر وعلى رأسه الدامي إكليل الغار. أضف إلى ذلك أن علينا إن نلحظ أثناء مطالعتنا للمنازعات والخصومات وما تبع ذلك من سوء التفاهم المزمن بينه وبين أصدقائه بأن الوقت كلما محا سببًا من أسباب هذه الأمور التافهة ظهرت طيبة كوليرج الطبيعية جلية واضحة سافرة عارية. وكيف أن كوليرج - بمرور الأيام - يخرج بريئًا من كل التهم التي ألصقت به جزافًا بدافع الضغينة والحسد. لقد عرف كوليرج ضعفه واعترف به، ولكنه، على الأقل تعلم من ذلك الرقة والشفقة حيال ضعف أصدقائه. . . ولكن هذا المزاج الرقيق جعله مبهمًا وغامضًا لدى جماعة ساوذي وهازلت، كما جعله غريبًا عند ورد زورث ذي الشخصية المركزية.
وهكذا فبهاء فكره هو الذي عزله عن أصدقائه. . . فالعدل والإنصاف يوجبان علينا تصور كوليرج عندما كان قوة مؤثرة في محبيه والملتفين حوله في أيام عزه، وليس كوليرج أيام (هاي جيت) المتأخرة، ذلك العملاق الذي انهار صرح مجده وانهدمت أركان قوته والذي مسخ صورته كارليل مما ألصق به عيبًا لا يمحى؛ وحتى كوليرج سنه ١٨١٦، الذي طالب لامب أن يصنعه (برئيس الملائكة الذي أصابه البلى) في رسالة صداقية إلى وردزورث. فليس هذا الذي يحببنا بكوليرج، بل الذي يجذبنا إليه ويجعلنا نتعلق به هو تلك الشخصية السامية التي غدت ذكرى عاطرة وفكرة باقية في ذهن لامب وعلى شفتيه في تلك الأيام القليلة التي ظل متعلقًا بها بإهاب الحياة بعده. وقد قال بصدد ذلك: (لقد مات كوليرج، ولكن روحه العظيمة الحبيبة لا تزال تكثر من الترداد علي. لم أر مثيلًا له ولا يحتمل أن يرى
[ ١٠٢٣ / ٣٢ ]
العالم ذلك مرة أخرى. ويظهر أنني أحب البيت الذي قضى فيه نحبه بانفعال أشد من الوقت الذي كان يسكن فيه، فما كان مسكنًا له أصبح لدي معبدًا). . . ومع ذلك فإن الناس سيضلون يتخيلون ويخمنون في ما كان يمكن أن يتركه كوليرج من كنوز لو أنه لم يشرب الأفيون أو لو أنه تمكن من نبذ الميتافيزيقا أو لو أنه اقترن بدوروثي ورد زورث، أو لو أنه أخذ بنصح أصدقائه الذين أرادوا إنقاذه. وقد كتب بهذا الخصوص الدكتور جارنيت قائلًا: عاش كوليرج حتى عام ١٨٣٤، ولو أن كل سنة منحياته أنتجت ما أنتجه محصول سنة ١٧٩٣ لأصبح إنتاجه أعظم كمية ونوعية من إنتاج معاصريه جميعًا. أمامنا بعد كل هذا، هذا السؤال الملح: أيهما كان مدينًا لصاحبه كوليرج أم ورد زورث في غضون مكثهما في (كوانتوك)؟ وهذا السؤال - كما يعتقد السر ثوماس براون - سؤال محير. ولم نثر هذا السؤال إلى لاعتقادنا بأنه لم يوضع له جواب مقنع لحد الآن. ومن المعتاد أن يجادل بعضهم في هذا ذاهبين إلى أن كوليرج استلم أكثر مما أعطى لأنه كان أكثر تأثيرًا في صاحبه، ولكننا نعارض هذا الرأي لأننا نعتقد بأنه أعطى أكثر مما استلم لأن مجرد وجوده، بما امتاز به من قوة إيحائية، جعلت هيمنة شخصيته واضحة الأثر في خدينه. وما لنا (للتدليل على ذلك) إلا أن نلاحظ بعض الحوادث في هذا الباب. فقد نظم كوليرج قصيدته (مظلة شجرة الليمون) في سنة ١٨٩٨، و(البرد في منتصف الليل) في شباط ١٧٧٨، أما قصيدته الجليلة (البلبل) فهي تعود إلى صيف ١٧٧٨، والذي نراه في هذه القصائد أنها أعظم مما أنتجه ورد زورث ولو أنها تدعى الآن (وردزورثية)، ومع ذلك فإن ورد زورث لم يبلغ ذروة شاعريته في سنة ١٧٩٨اللهم إلا باستثناء قصيدته (الشوك). فبينما كان كوليرج ينظم قصائده الرائعة كان ورد زورث يكتب (سيمون لي) و(جودي بليك) التافهتين. وهكذا لم يتمكن ورد زورث من نظم ما له قيمة إلا بعد أن كان كوليرج قد أدى مهمته خير الأداء، وبذا يكون كوليرج هو الذي علم ورد زورث الألحان العذاب فحسنها هذا الأخير بدوره. أما ألحان قصيدة (النوتي القديم) فكانت فريدة في بابها عجيبة في صياغتها، بحيث لم يأت شاعر بمثلها لا من قبل ولا من بعد، حتى شكسبير لم يكد يبلغ أوجها على قيثارة (إيريل).
العراق، بعقوبة:
[ ١٠٢٣ / ٣٣ ]
يوسف عبد المسيح ثروت
[ ١٠٢٣ / ٣٤ ]