عبد الله بن مسعود
بقلم محمد طه الحاجري
أخذ الناس في مكة يحسّون شيئًا جديدًا يداخل روح الحياة عندهم، وينشر ظلالًا خفيفة من حولهم، ويبعث في أنفسهم شعورًا شديد الغموض لا يتبينون كنهه ولا يتحققون أمره، شأن الجماهير في فجر الأحداث الخطيرة. وكأن لهم من وراء الحواس الظاهرة حسًا باطنًا لا يستند إليها فيما يدرك، ولا يدرك إلا المعنى العام الذي لا يحدد. وكان الجو في تلك المدينة المقدسة يزخر بشتى التيارات، ويموج بلمحات النبوة ونفحات السماء، كما يموج الأثير بأمواج الكهرباء: تحمل في أطوائها معاني القوة دون مظاهرها، وتخفى في أثنائها الصوت المجلجل، والضوء الساطع، كامنة كمون الروح، خفية خفاء القدر، حتى تتاح لها الظروف المواتية، والحالات الملائمة، فتجهر وتستعلن وتؤدي رسالتها. . . وكذلك كان الأمر في الأيام الأولى للبعثة: تنزل الملائكة وتصعد، ويترادف الوحي ويمتد، ويزخر الجو بنفثات الرسالة، والناس مستمرون في شأنهم، لا يحسون شيئًا إلا حفيفًا لا يعبئون به، ولمحات خفيفة لا ينظرون إليها، حتى تصادف قلبًا أعد لها، و(جهازًا) صالحًا لقبولها، فتجهر وتستعلن وتؤدي رسالتها. . .
وفي يوم من هذه الأيام، خرج الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ومعه صاحبه وصفيه أبو بكر، وأخذا يسيران في ظاهر مكة، على نجوة من العيون، وأمنة من الأسماع. يتناجيان نجوى المودة الصادقة، ويتحدثان حديث العقل المتزن، وقد أقبل الرسول على صاحبه ليجد عنده راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، لقاء ما ألقى عليه ربه. وبيناهما كذلك لقيا شابًا في نحو العشرين، ضئيل الجسم، ضعيف المنة، آدم البشرة، تلمع عيناه ذكاء وعزيمة وصفاء سريرة يرعى قطيعًا من الغنم، هو ذا عبد الله أبن أم عبد الهذلي، مولى أخوال الرسول من بني زهرة، يرعى غنمًا لأبن أبي معيط أحد السادة المتجبرين من بني أمية. فوقفا عليه واستسقياه بعض اللبن فسقاهما، حتى إذا ما فرغا من شرابهما أقبل بدوره عليهما، وأخذ يسائل الرسول عما سمع بعض الناس يهمسون به، من كلام بدع تتضاءل أمامه كل صنوف الكلام، وأمر جديد يتنزل عليه من السماء، يدعو إلى عبادة الله وحده ونبذ الأصنام.
[ ٦٠ / ٢٨ ]
فهش له الرسول ومسح على رأسه، وجعل يقرأ عليه، وإن صوته ليتجاوب بين قلبه وعقله، وجعلت كلمات التنزيل تتنزل على نفسه، كما تتنزل قطرات الماء على حلق يتحرق ظمأ، حتى شرح الله صدره للإسلام. ومضى الرسول وصاحبه، رضى النفس مغتبط الضمير. وخلفا عبد الله وقد ملكته نشوة هذا الأمر، وقد جعلت كلمات الرسول يتردد صداها بين سمعه وقلبه، وهو يحسب أنه قد ظفر بسعادة الأبد. وما يزال كذلك حتى يقبل الليل، فينطلق إلى دار الأرقم، يلفي الرسول وصحبه يتذاكرون آيات التنزيل، ويضرعون إلى الله أن يسدد خطاهم ويمكن لهم دينهم.
أي رجل هذا؟ شاب يافع محروم من أسباب القوة ووسائل المنعة، ليس له عشيرة يلجأ إليها، ولا عصبة يعتمد عليها. ضعيف في ذاته الجسمية، قضيف العظام مترهل العضلات مجرد من وسائل الحياة المادية، يعتمل نفسه لأشراف مكة في الخدمة ورعى الغنم، لقاء ما يحفظ عليه روحه ويمسك عليه الرمق. ثم لا يعبأ بعد هذا أن يخرج عليهم، وهو يعلم مقدار حميتهم لدينهم، وتعصبهم لأنفسهم، ولا يأبه لما لابد أن يصيبه في هذا السبيل من تصرم وسائله، واستهداف حياته في تعرضه لعداء سادته وهم من هم: سدنة البيت الحرام، والقوام على ميراث إسماعيل ﵇، والخيرة المتخيرة من أبناء العرب، وأصحاب الحول والطول في كل أنحاء الجزيرة.
ولكن عبد الله كان يملك من أسباب السماء بقدر ما حرم من وسائل الأرض. كان قوي النفس، متين الخلق، بقدر ما كان هزيل القوام ضعيف الجسد. كان يشعر بالسؤدد الروحي يوجهه ويملي عليه، وإن كان يضطرب في أسمال الخدمة وأهدام الحاجة. فلم تكن الضرورات المادية لتخضع روحه أو تغلب ضميره، وما كان للخوف أن يغشي بصيرته فيخلد إلى الأرض. وكذلك أنطلق مع روحه فاعتنق الإسلام وأخلص له، وأحب محمدًا إلى غاية ما يبلغه الحب الروحي، فاصطفاه الرسول ليكون تابعه الأمين، وخادمه الذي ليس من دونه حجاب، فكان يرى وكأنه واحد من آل بيته، مما كان يركن إليه ويطمئن له ويتلطف معه ويحسن عشرته، فأخلص للرسول الإخلاص كله، ووصل حبه له إلى قرارة قلبه، حتى صار جزءًا من حياته، بل لقد اصطبغت حياته كلها به، وتأثر به في مخبره ومظهره، فكان أقرب الناس له سمتًا، وأدناهم إليه دلًا، وأشبههم به في سكينته ووقاره.
[ ٦٠ / ٢٩ ]
مضت الأيام والإسلام نجوى الضمائر، وحديث القلوب، وهمس الشفاه. والقرآن لا يعدو بيت الرسول ودار الأرقم وأطراف مكة القاصية. ثم جاء أمر ربك فأتيح للخافية أن تظهر، وللسر أن يستعلن، وللدعوة أن تأخذ سبيلها في وضح النهار؛ واجتمع ذلك النفر من المسلمين يتدبرون الأمر، وكانوا يعرفون موضع الإحساس الدقيق في نفس العربي، وموطن التأثر البليغ من قلبه: إنما هي تلك الحاسة البيانية المرهفة التي أمسكت بقياده، وسيطرت على حياته؛ وجاء القرآن وافيًا بها متحكمًا فيها؛ فكان من الطبيعي أن يكون سبيل الدعوة. فقالوا من لقريش يسمعها هذا الكلام؟ فانبرى عبد الله يقول: أنا لها. وهو يعلم مقدار ما يستتبعه هذا من الأذى، ولا عاصم له من قوم ولا عشيرة. فراجعوه في هذا الأمر، وبصروه بعاقبته، وذكروه ضعفه ووحدته؛ فأبى أن يفوته هذا الشرف، أو أن يرده عنه اعتبار لا قيمة له في ميزان المجد. فاعتصم بإيمانه القوي، ويقينه الثابت أن لا إله إلا الله، فلا نافع ولا ضار إلا الله، وأن لو اجتمعت الجن والإنس على أن ينالوه بشيء ما استطاعوه إلا بقضاء الله وقدره، وأحبب به أذى في سبيل الله وإعلاء كلمته. ثم تخير غداة الغد حين تكون قريش مجتمعة في أفناء الحرم حول الكعبة، يدبرون أمورهم، ويتحدثون عن أموالهم، ويتكهنون بمقادير أرباحهم ويتراهنون على ما يدور بخواطرهم، وتذهب إليه مطامعهم وتراوحهم به مخاوفهم. فلما كان موعده أقبل إلى البيت الحرام، واستقبل الكعبة بوجهه، وأخذ يتلو من كتاب الله:
(بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان).
أي صوت رهيب دوى في أرجاء الحرم، فالتفتت إليه أسماعهم، ودهشت له قلوبهم، واستطارت منه ألبابهم، وأذهلهم عماهم فيه من حجاج ولجاج في تجارتهم وحياة أموالهم؟! فانصرفوا إليه يقولون: ما شأن ابن أم عبد وماذا يقول؟ فلما علموا أنه يتلو بعض ما جاء به محمد أقبلوا عليه يضربونه في وجهه ويدفعونه في صدره، ما شاءت لهم الحمية ونخوة الجاهلية، حتى نالوا منه وتركوا آثار الدم في وجهه. ثم عاد إلى أصحابه وهو يقول: (ما كان أعداء الله قط أهون على منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غدًا) فقالوا له: حسبك.
[ ٦٠ / ٣٠ ]
وتم لهم ما شاءوا.
استشرف عبد الله إذن لعواصف النكير والاستهزاء، واستهدف لسهام التنكيل والاعتداء. إن كان في بيت الرسول فهناك جيرانه: أبو لهب وعقبة بن أبي معيط والحكم بن العاص وعدي بن حمراء الثقفي يترصدون له وينالون منه. وإن كان في السوق فما شاءت جماهير قريش من أذى وتجهم وسخرية، وإن كان في المسجد، وقد جلس إلى الرسول ﵊ في المستضعفين من أصحابه فكذاك؛ وما يفتأ القوم يمرون بهم، فيتغامزون عليهم ويسخرون منهم، ويقول بعضهم لبعض: (أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا، ولو كان خيرًا ما سبقونا إليه).
وهكذا مضت الأيام بعبد الله، وما يزيده هذا إلا صفاء في نفسه، وصلابة في يقينه، واستشراقًا لهدى الله جل شأنه، وسنة محمد ﷺ، وصنعت منه هذه الخطوب ما تصنع حرارة الأرض وضغطها من الماس وكرائم الأحجار، فأصبح كالماسة الصافية صلابة وإشعاعًا.
فلما اعتدل ميزان الأمور، وتمت كلمة ربك الحسنى على المسلمين، وأصبحت القوة في جانب الحق، وأصبح الإسلام في يثرب صاحب الكلمة، كان عبد الله سيفًا قاطعًا ونجمًا ساطعًا، فشهد المشاهد كلها مع رسول الله، لم يقعد به ضعفه. ولم يخلفه هزال جسمه، إذ كان قوي القلب ثابت الإيمان. وكانت بصيرته في الدين قوية الإشعاع دائمة السطوع، حتى لقد أوصى الرسول ﷺ بالتمسك بعهده، وشهد له كبار الصحابة كعلي وحذيفة، ومكانهما من هذا الأمر ما نعلم، وكان من العلم بالقرآن في المكان المرموق: ما من سورة في القرآن أو آية من سورة إلا وهو يعلم سبب نزولها، ومكان مجيء الوحي بها، لا ينكر عليه ذلك منكر. ولقد كان إيمانه يتلألأ في قراءته كما كان يتألق في جبينه؛ حتى كان يحبب إلى رسول الله أحيانًا أن يسمع القرآن منه. فقال له مرة: اقرأ عليّ سورة النساء. قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأ عليه حتى بلغ قوله تعالى مخاطبًا رسوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا، يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا) فبلغ التأثر من الرسول مبلغه، وفاضت عيناه بالدموع.
[ ٦٠ / ٣١ ]
وحين نذكر فصاحة منطقه، وخلوص لسانه، لا ننسى أنه هذلي الأصل، مع عرق فيه يمت إلى زهرة؛ ثم هو مع هذا قرشي المولد والمربى؛ فلا غرو أن كان جيد الأداء حسن القراءة، بعد أن اجتمعت له مقومات لسانه ونصاعة إيمانه.
انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، فانتقلت الدعوة إلى الشمال، تكافح بالسيف ولاة فارس وعمال الروم، فما كان أسرع عبد الله إلى الجهاد في سبيل الله، وقد مكن له فقهه وبصره وورعه أن يتولى أمر الأنفال، فكان لا يفتأ فيما بين هذا يعلم القرآن، ولا يترك فرصة دون أن ينتهزها لتفهيمه والتبصير به، وإنه لجالس ذات مرة في حمص وقد جيء إليه بسبائك من الفضة، فجعل يذيبها، وإنها لتتلون ألوانًا، فرأى في ذلك صورة بينة للمهل الذي جاء به القرآن، فالتفت إلى أصحابه يقول لهم: أتدرون ما المهل؟ هذا أشبه شيء به. لله أنت يا ابن مسعود! ما كان أبصرك بكتاب الله وأحرصك عليه!
ثم بعثه عمر إلى أهل الكوفة معلمًا حين بعث عمارًا عليهم أميرًا، وكتب إليهم هذه العبارة التي تدل دلالة واضحة على قيمة ابن مسعود في نظر أصدق الصحابة بصرًا، وأنفذهم رأيًا، وأعرفهم بقيم الرجال: (إني بعثت عمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله ابن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ، من أهل بدر، فاقتدوا بهما، وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي) وكفى بهذه الجملة الأخيرة شاهدًا بمكانة الرجل.
فلبث فيها ما لبث قيما على بيت المال، قائمًا بتعليم القرآن وبث تعاليم الإسلام، وحديث الرسول ﵊، وكان فوق هذا يضرب بخلقه وورعه خير الأمثال، حتى كان أصحابه يقولون: (ما رأينا رجلًا أحسن خلقًا، ولا أرفق تعليمًا، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعًا من ابن مسعود). فكون فيها مدرسة تحبه وتتعصب له، فلما كان عثمان وأخذ يقلب بين الولاة والعمال، بعث إلى ابن مسعود يستقدمه إليه، فجزع أصحابه أيما جزع، واستشعروا أثر النازلة، إذ يوشك أستاذهم الذي وهبهم قلبه وألهمهم حبه أن يفارقهم، فاجتمعوا إليه يرجونه أن يقيم بينهم، وله عليهم أن يمنعوه مما عسى أن يصل إليه من مكروه، ولكن عبد الله ما كان ليعبأ بالمكروه يصيب شخصه، فما أهونه في ذات نفسه لقاء الخير يصيب أمته، ولكنه كان يرمي ببصره إلى ما وراء الشخوص الماثلة أمامه، فيرى
[ ٦٠ / ٣٢ ]
بوادر شر تتربص بالأمة الدوائر، ودلائل فتنة توشك أن تنقض. وما كان له أن يفتح بعصيانه ثغرة في بناء المسلمين، فصرف القوم عنه وهو يقول: (إن له على حق الطاعة، وأنه ستكون أمور وفتن، فلا أحب أن أكون أول من فتحها) فمضوا عنه وهم يشدون على قلوبهم، ثم أخذ أهبته وسار إلى المدينة.
وقد لبث فيها وإن الفتن لتموج بالناس من حوله وهو قارّ ساكن، يسأل الله العصمة وإطفاء الثائرة، ولا يكاد يلفته شيء إلا كتاب الله الذي تلقاه عن رسول الله، فهو موضع عزته، ومناط كرامته.
ولم يطل به العهد حتى اصطفاه الله لجواره، ﵁.
محمد طه الحاجري
بكلية الآداب
[ ٦٠ / ٣٣ ]