تطبيقات على التربية في مصر
للأستاذ محمد حسن ظاظا
- ١٣ -
(إن مصر لتدين لعظمائها الفلاحين بأكثر مما تدين لغيرهم!)
(جاكسون)
(ولابد من أن يطلب غدًا أولئك الذين يخلقون ثروة الأمة شيئًا أكثر من الكلمات!)
(جاكسون)
(قد تستطيع أن تسوق الجواد إلى النهر؛ ولكنك لا تستطيع أن تجعله يشرب منه)
(مثل سائر)
٣ - التعليم الإلزامي والديمقراطية
رأيت في المقال الماضي انقسام عقلية المثقفين القلائل في الأمة إلى معسكرين متباعدين، وتبينت ما في ذلك الانقسام من ضعف يؤثر في وحدة الأمة ويعرقل نهضتها، وسترى اليوم ناحية أخرى هامة وخطيرة هي ناحية التعليم الإلزامي. . .
١ - كلمة الديمقراطية
وأحسب أنك تدري تمامًا كلمة الديمقراطية في ذلك المجال بعد كل ما قدمنا من قول! بل وأحسب أنك تذكر يقينًا عبارة الرئيس (وشنطن) في المقال الماضي، وما فيها من مبدأ عظيم يجعل مقياس نجاح الحكومة منحصرًا في دائرة زيادة خير أولئك الذين لا تكاد توجد عندهم ضرورات الحياة الأولية فحسب، لا أولئك الذين عندهم الكثير وأكثر من الكثير!! وإذا فلن تعجب إذا عرفت أن الديمقراطية تطالب هنا بمساواة (الجميع) في فرصة إظهار الكفايات، وتنظر للتربية كوسيلة جوهرية تقوم للشعب مقام الصلاحية للبقاء عند الحيوان، وترتقي به من مستوى العجماوات إلى مستوى الإنسان، وتسد ما بينه وبين الطبقات الراقية من هوة سحيقة مليئة بالبؤس والشقاء، والفوضى والاضطراب؛ وتؤهله أخيرًا لأن يحقق معنى الديمقراطية بمطالبها الاجتماعية والسياسية على أصح وجه تنشده هذه الحياة!
[ ٢٤٨ / ٣٦ ]
٢ - التعليم الحاضر
فترى هل حقق التعليم الإلزامي المصري الحاضر مطالب الديمقراطية الصحيحة أو نهج على الأقل نهجًا قويمًا نحو تحقيقها؟ ذلك هو السؤال الذي يجب أن نسأله، والذي ينبغي أن نستمع فيه لإجابة النظار والمدرسين والفلاحين قبل أن نستمع لإجابة النواحي الأخرى، والذي يجب أن نستوحي في فحصه مبادئ الديمقراطية أكثر مما نستوحيها في غيره، فترى ماذا عسى أن يكون الجواب؟
أحسب الأمر واضحًا لا يحتاج إلى جلاء، فأكثر من خمسة وثمانين في المائة من سكان هذا البلد أميون بكل ما في الأمية من معنى الفقر الأدبي المروع، وميزانية التعليم الإلزامي ضئيلة إذا قيست بميزانية بعض النواحي الأخرى التي تقل عنها في الضرورة والخطورة؛ هذا إلى أننا كثيرًا ما نبعثر ألوف الجنيهات في الكماليات التافهة غير ناظرين إلى حاجة مثل هذا التعليم إليها، ومع ذلك فتعلمنا الإلزامي الحاضر ما يزال مشوبًا بألوان من النقص يسيرة وعسيرة، وحسبك أن تعلم أولا أن (مبدأ المساواة في فرصة إظهار الكفايات) مهدوم حياله من أساسه لأن المتخرج منه لا يستطيع قط أن يطرق باب التعليم الابتدائي وما بعده من فني أو ثانوي أو جامعي إلا فيما شذ وندر، وبذلك أصبح الذكاء الشعبي محرومًا من الدخول في حومة الثقافة الراقية الواسعة والتلذذ بما فيها من نعيم، وخدمة الوطن عن طريقها خدمة نافعة! ثم حسبك أن تعلم أن أحد نظار مدارس هذا التعليم قد كتب إلي مقررًا أشياء كثيرة خطيرة، أهمها قلة مرتبات المدرسين بالقياس إلى عملهم المرهق الذي كثيرًا ما يقفز إلى ٤٨ حصة في الأسبوع!! وكثرة أعمال الناظر (أو رئيس المكتب) الإدارية إلى جانب أعماله كمدرس مما يحول بينه وبين القيام بواجبه على النحو المنشود، وسوء أماكن الدراسة وقذارتها وعدم وجود الأفنية والمظلات، وتعسف حضرات المفتشين أحيانًا وأخذهم المدرس باللوم أمام التلاميذ!! وجمع الكتب من الأولاد في آخر الدرس، وعدم اتفاق بعض هذه الكتب ومادة المنهج المرسوم!! ثم خروج المتخرج منها أخيرًا دون أن يحذق ابسط تعاليمها وهي القراءة والكتابة، نظرًا لحشو المنهج بالمعلومات غير اللازمة من ناحية، ولعدم استطاعة المدرسين البؤساء التعساء القيام بمهنتهم كما ينبغي من ناحية أخرى. . .!!
هذا وقد بحث الأستاذ (جاكسون) تلك الناحية في رسالته الآنفة فراح يقول: كيف يكون
[ ٢٤٨ / ٣٧ ]
التعليم مجديًا وهو إلزامي بكل ما في الإلزام من معنى؟ إن التعليم الحق هو ما أتى من (الداخل) فحسب، وكل تعليم لم يأت من هذه الناحية لا يكون أكثر من طلاء خارجي كله تشدق بالألفاظ وغرور وكبرياء لا يجديان فتيلا. ولذلك ما يلبث أن يسقط غير تارك وراءه إلا المكر والإجرام إذا لم يحل محله غرس خلقي متين، وإذًا فكان الأفضل أن يترك القروي في مثل هذه الحال ليتعلم من الرياح والنجوم والذوق العام، وأن يبقى أميًا بريئًا ساذجًا لا يعرف كيف يعلو على أهله ويحتقر الفأس والأرض، ولا كيف ينزح إلى المدينة ليعيش عيشة أرقى وأنظف!!
لذلك كله لم يستسغ الآباء بعد هذا التعليم ولم يشعروا شعورًا كافيًا بالحاجة القصوى إليه، ويساعدهم على ذلك ضعف الدعاية اللازمة، وعدم جاذبية المدرسة، واشتراك الناظر والمدرسين في صب هذا (الإلزام) على رؤوسهم ورؤوس أولادهم
٣ - العلاج
وينحصر العلاج الناجع الذي يراه الدكتور (جاكسون) لتدارك هذا الموقف في ناحيتين. الأولى تغيير المنهج بحيث يلائم حاجات البيئة ولا يبدو كأنه مفروض من سلطة متعسفة؛ ويتأتى ذلك باشتماله على دراسة عملية للتربة أو الدورة الزراعية، وأنواع الأسمدة، وحياة الحشرات والنباتات والزهور، والقيم الغذائية للمواد المختلفة، وأصول صحة المنزل في الدائرة القروية الممكنة؛ كل ذلك إلى جانب القراءة والكتابة والمعلومات الأخرى التي تقرب بينه وبين الطبقات الأرقى وتحببه في العمل والعاملين، وتسد الهوة بينه وبين أبناء الأثرياء المنعمين!
أما الناحية الثانية: فتتلخص في دعاية واسعة النطاق غايتها تحبيب الشعب في ذلك التعليم بكل الوسائل حتى لا يكون هناك إلزام بالمعنى المكروه. ويحسن أن تكون هذه الدعاية عن طريق زعماء الشعب أنفسهم ونوابه وكل من يجلهم ويقدر كلمتهم، آنًا بالحضور الشخصي وآنًا بالإذاعة، كما يحسن أن يشترك في هذه الدعاية أغنياء القرى وذوو النفوذ بها، وأن تصطحب الدعوة فكرة دينية أو وطنية، وأن يقضي فيها نهائيًا على القول القائل بأن معنى التعليم هو إلقاء الفأس وإمساك القلم؛ وبهذا وبغيره يصبح التعليم ضرورة لدى الفلاح، فيسعى إليه بنفسه، ويعتبره فريضة دينية أو وطنية!
[ ٢٤٨ / ٣٨ ]
٤ - الحاجة إلى مدارس جديدة
على أن الإصلاح لا ينبغي أن يقف عند هذا الحد. إذ يجب أن يختلف تعليم القرية تمامًا تبعًا لاختلاف بيئتها، ويجب أن يكون المحور الأساسي فيه هو ربط عمل المدرسة بعمل الحقل، ويجب أن تتجدد المدرسة ذاتها في نظامها العام والخاص تجددًا يزيل طابعها القديم في نفوس الفلاحين. يجب أن يكون البناء جذابًا ويجب أن تزداد الثقافة الفنية للمدرسين على نحو خاص يمكنهم من النجاح التام في أداء مهمتهم العظيمة الخطيرة ويجب أن يكون بالمدرسة استعداد تام للخدمة الطبية، وأن يكون التعليم الديني بها على وجه منتج ومفيد لا مجرد آيات تقرأ وتحفظ فحسب؛ هذا إلى وجوب نزول المدرسين بها إلى العمل مع التلاميذ حتى يضربوا لهم المثل الصالح في حب العمل وتقديره، والى وجوب تزويد كل ولد أو بنت بكتب الحفظ كالدين والأدب والعلم، على أن يكون بالمدرسة ذاتها مكتبة عامة للتلاميذ والأهالي والخريجين جميعًا. . .
ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى ماذا يمنع أن تكون المدرسة مركزًا لتعليم الآباء والأمهات تعليمًا خاصًا، ولإدخال السرور والابتهاج على أهالي القرية بما تقيمه في الآن بعد الآخر من مباريات طريفة؟ وماذا يحول بين رجالها وبين جمع الحكم والأغاني والذكريات والأشغال المحلية بين جدرانها حتى يخرج التلميذ عارفًا بحياة بيئته وبتاريخها وبشتى نواحي النشاط فيها؟ إننا بهذه الطريقة نجعل المدرسة خير صديق للقرية، ونجعل الحياة في القرية ذاتها محبوبة لا تدعو إلى تفضيل حياة المدينة عليها
قد يقول قائل إن هذا مشروع ضخم وفي القطر حوالي ثلاثة آلاف وأربعمائة قرية! وهو بالفعل كذلك ولكنه بعد ضرورة ملحة في القرن العشرين! قرن المدينة والنور! وإذا فلتضغط الحكومة مصروفاتها الكمالية ضغطًا، فإنها إن فعلت استطاعت - مع الخطة الحكيمة - أن تنفذ هذا المشروع في بضع سنين!
٥ - تعليم البالغين في السويد وإنجلترا
أما تعليم البالغين فيتطلب مجهودًا آخر. وهاهي السويد قد أسست حوالي ٥٤ مدرسة لإشغال فراغهم بدراسة اللغة والاقتصاد المنزلي والرياضة والموسيقى وأشغال الإبرة
[ ٢٤٨ / ٣٩ ]
والخشب والمعادن. وهاهي إنجلترا تبعث بمحاضر كفؤ ليحاضر طلبة أمثال هذه المدارس بها في شئون عامة كالطفولة والتمريض، وآداب اللياقة ونحوها، وكثيرًا ما يستعان هناك بالراديو في نشر الثقافة القروية الملائمة
فنرى ماذا يمنع مصر من الأخذ بمثل هذا النظام؟ وكيف السبيل إلى الاستفادة من مشروع (المجموعات القروية) مثلا إذا لم توجد أولا العقول المتهيئة للاستفادة والفهم؟
خاتمة
يجب إذًا أن نتيح للفلاح حياة أرقى، وألا نتخذ من عدم شكواه وسيلة إلى إهماله. أن النور سيطرق بابه عاجلا أو آجلا، وسوف لا يرضى حينئذ بحظه الراهن قط. بل هو على النقيض سيطالب بحياة اكثر تنوعًا، وبعمل اقل ارهاقًا، وبفرصة لكفاح أبنائه اكثر اتساعًا. نعم لا بد من يطلب غدًا أولئك الذين يخلقون ثروة الأمة شيئًا اكثر من الكلمات!.
(يتبع)
محمد حسن ظاظا
مدرس الفلسفة بالمدارس الثانوية الأميرية
[ ٢٤٨ / ٤٠ ]