للأستاذ إسماعيل مظهر
كانت رومية قد لفظت آخر أنفاسها عندما اقتلع زعيم حربي من الهمج المتبربرة تاج الإمبراطورية الرومانية من رأس إمبراطور صبيٍْ ابيض الوجه، وضَّاح الجبين، ليضعه فوق رأسه الكث الشعر، الملبَّد الفودين.
أما الزمان فسنة ٤٧٦ بعد الميلاد. وأما المسرح فدرجات فدرجات قصر رافِنَّا الرخامية.
كان الانحلال قد امتد إلى عظام رومية ينخرها منذ سنين، فأخذت مِرَّتها تضعف وقواها تتبدد شيئًا بعد شيء. أما آخر مشهد من مشاهد هذه المأساة التي مثلتها رومية على المسرح هذه الدنيا، فقد مرَّ مرور الحلم ولم يأبه له إنسان. وهنالك انسدل الستار على تلك المدينة القديمة وانطوت صفحاتها الخالدة. أما المستقبل فكان طوع يمين تلك الشعوب الفتية القوية التي انحدرت من الشمال.
خرجت تلك الشعوب من خلال المفاوز الجبلية المثلوجة، وانحدرت من هضاب الشمال الهاوية، وشقت طريقها إلى الجنوب حيث الأراضي الشامسة والحقول الخصبة. ولقد ركب بعضهم متن العباب على سفائن أشبه بالحيتان الضخام، وامتطى آخرون عجلات من ذلك الصنف الذي يستخدمه البدو إذ يرعون إنعامهم. ولقد اتخذوا في جوانب الطرق المرمرية التي أنشأها القياصرة العظام محاطَّ يضربون فيها مخايمهم، وكان البحر المتوسط مرمى أنظارهم؛ ذلك بأن رومية لم تجمع ثروتها الضخمة إلا من شطآنه
مضوا يهيمون في كل واد غاصبين مقاتلين، فنشروا الرعب والفوضى في ربوع المدائن القيصرية؛ وكانوا في جهالة؛ فساء تصرفهم، وفسدت أعمالهم؛ وقد تمضي عليهم فترة يتفرقون فيها أشتاتًا، ثم تنجدهم موجات جديدة من الهمج أمثالهم هابطة من الشمال أو من الشرق. ونُسِيَ القانون الروماني فأصبح الحق للأقوى، واحتكمت تقاليد العشيرة البدائية في الجماهير، تقاليد أولئك الذين نشَّأتهم صحراء غوبي المجدبة في جوف الصين.
وظل العالم الحاف بالبحر المتوسط خمسة قرون ميدانيًا لتنقل تلك القبائل الهمجية ووحداتها الحربية. على إنهم إن ظلوا أمناء لتقاليد حياتهم البدائية، واحتفظوا بروح العشيرة، فإنهم في خلال لك الخمسمائة من السنين كانوا قد تقبلوا أثارة مما خلف العالم الروماني الإغريقي
[ ٢٤٧ / ٤ ]
من صور الثقافة.
طوى رومية ظلام القرون؛ فلما طواها خيم على أوربا ظلام الجهل والهمجية. ذلك الجهل وتلك الهمجية كان طابع الشمال، فعملت رومية جاهدة في أن تصد طغيانهما عن الجنوب قرونًا عديدة؛ فلما لفظت آخر أنفاسها، استباحت فوضى الشمال حضارة الجنوب.
وكانت الغابات المرطوبة على عهدها لم تتغير، والخرائب المغبرة الحزينة على سابق حالها مذ سكنها البوم وأخذت تسبح في أفنيتها وتنتقل في كرومها القديمة. ولقد ألفتها الذئاب الجارحة تعيش جماعات متعاونة على الصيد والافتراس. أما المزارع فكانت رقعًا تتخلل الأرض الحجرية، حيث القرى بأكواخها المشيدة في لبنات ملاَطها الطين وسقوفها من البوص والهشيم، تقوم هنالك في سفح قصر منيف ذي أبراج ضخام لسيد من أسياد القطائع.
أما الرعاة فكانوا ينامون في العراء، وفي الوديان المخيفة الموحشة؛ ما يؤنسهم من شيء إلا المفترس من الحيوان والجارح من الطير. ذلك لأن مفاوز الغابات كانت مآهلهم الأمينة ومرابيهم الأصيلة
وهنا وهنالك كنت تقع على ذلك التراب الأبيض السافي تتخلله قطع من الأحجار، إن نمت عن شيء فعن أن التراب والأحجار إنما هي بقايا طريق روماني براه الزمان
بين الفينة والفينة كان يمر بذلك الطريق يهودي من بني إسرائيل ومن ورائه شرذمة من الخيل؛ أو تاجر تحيط به كتيبة من حملة الحراب، وأقل ما يكون حدوثًا أن يثير غبار ذلك الطريق كتيبة لسيد من أسياد القطائع، فإذا مرت اجتمع من حولها أهل الحقول ينظرون مأخوذين من رجال تلك الكتيبة الأشداء، يؤخذون بمرأى الدروع السود المصفحة بالحديد، والملافع الكبيرة التي يغشى أطرافها الفراء.
قلّ من أهل الريف من رأى اكثر من ذلك؛ اللهم إلا أن يكونوا قد رأوا علامة الصليب الكبيرة التي تشير إلى التقاء الطرق وتفرعها في نهاية الوادي. أما ما وراء التلال فكان مجهولًا بل كان عدوًا مخيفًا. ولم يكن لهم اتصال بالعالم الخارجي عن عالمهم هذا، اللهم إلا عن طريق الرهبان لابسي المسوح، أولئك الذين كانوا يجوبون الأنحاء حُفاة من دير إلى دير، أو عن طريق شاعر من مؤلفي الأغنيات، يمر عجلان إلى البهو ليتناول وجبة فاته
[ ٢٤٧ / ٥ ]
أوانها.
ذلك بأن أهل أوربا في عصور الظلام عاشوا مدفونين في وديانهم التي نشأتهم ولم يروا مما ورائها شيئًا. قال حراث من أهل ذلك العصر انحدرت إلينا كلماته: (إذا تنفس الصبح خرجت توًا أقود الثيران إلى الحقل، ثم أضعها في المحراث، لأن واجبي أن أحرث كل يوم حقلًا، وإلى جانبي ولد لي أبحَّ صوته البرد والصياح. فإذا فرغت من عملي ذاك ملأت المذاود بالدريس وسقيت النَّعَم ثم أخرجت الرَّوث. يا الله! إن هذا العمل المرهق شاق، ولكني لست حرًا).
وكثيرًا ما كان القحط يحط عليهم. فأيام ممطرة حين البذار، أو فساد في المحصول، أو سوس ينخر القمح، أو جفاف أو حرب، كل سبب من أولئك كان كافيًا وحده أن ينشر الجوع والبلاء
قيل: (كان الطباشير يطلب من الأرض ويمزج بالدقيق ليصنع خبزا. لقد اصفرت وجوههم وانحطت قواهم، حتى لقد عجزوا عن أن يجروا أنفسهم من فوق الأرض جرًا. وهيئت حفر ليسحب إليها المحتفرون ويلقون في جوفها. وكانت هذه المصائب تلابسها مصائب أكبر وكوارث أعظم. فإن الذئاب وقد أنسوا على جوانب الطريق كثيرًا من الجثث، ملكتهم الشجاعة وأغواهم ضعف الناس، فراحوا يهاجمون الأحياء. أما مواد الطعام فقد خص بها الأقوياء ليظلوا قادرين على العمل، لعل الحقول تزرع ولا تبور)
وقيل: (رئى رجل في سوق (تونير) حاملًا لحمًا مطبوخًا ليبيعه في سوق المدينة. فلما سئل فيه ادعى أنه لحم حيوان. ولكن ذلك لم ينجه فسيق إلى السؤال، وهنالك لم ينكر جريمته فأحرق حيًا. أما اللحم البشري الذي أتى به الرجل فقد دفن باسم العدل والقانون. غير أن رجلًا غيره نبش ذلك اللحم وأكل منه، فكان جزاؤه الموت إحراقًا)
وفي مثل تلك الفترات كان الطاعون من بلايا الأحياء. فإنهم كانوا يزحمون الأكواخ والدساكر، حتى إن أسرًا برمتها كثيرًا ما كانت تذهب فريسة ذلك المرض، فيتركها الباقون ويهجرون المنازل والربوع فزعًا من الموت وفرارًا من البلاء. وكان المرضى يحملون إلى الكنائس ابتغاء الشفاء، فتنتشر العدوى في أولئك الذين أتوا ليؤدوا فريضة الصلاة عبادة خالصة لوجه الله.
[ ٢٤٧ / ٦ ]
قال أردريكوس فيتالس أحد مؤرخي القساوسة: (عمَّ بلاء المرض فمضى بأهل بيوت كثيرة، كما إن الجوع قد أفنى المرض؛ فلما أن خربت النيران الأرض، خرج الأكثرون هائمين على وجوههم. فلما رأوا أن الأبْرَشيات قد طمست معالمها ودرست آثارها، فروا من الكنائس الخاوية هربًا إلى حيث لا يعلمون)
هذه صورة مما كان في أوربا الغربية، لما انفلق صبح الزمان عن غلام يتيم من أبناء قريش؛ فلما شب وترعرع، ثم تفتى وكاد يكتهل نزل عليه الوحي ليبشر بدين جديد، وليؤدي الرسالة الربانية للناس أجمعين، وكانوا من الهمجية على مثل ما رأيت في أوربا، يقتلون أولادهم خشية الإملاق ويئدون البنات ويعبدون أصنامًا كثيرة تبول الثعالب برؤوسها، ويدينون بقوى سحرية، ويؤمنون بظواهر الطبيعة كآلهة. غير إنهم بالرغم من هذا صدقوا وآمنوا بما أُنزل إليهم. فإن صلابة محمد في نصرة الحق شدخت يافوخ الشرك والوثنية.
أدى محمد رسالته على خير ما تؤدى رسائل الوحي، فلما قبض كان نور الإسلام قد أنبلج فأعتنق أكثر العرب ذلك الدين القيم وأمنوا بالقرآن وآيتهما: (أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله)
وما لم يتح لنبي قريش أن يتم في حياته، أتمه من بعده خلفاؤه العظام. فإن رجال تلك الصحراء، وعلى رؤوسهم خوذات الحرب، قد امتطوا صهوات جياد قضيفة صغيرة الحجوم، أو ظهور إبلٍ عجاف، وخرجوا من فضائهم الأرحب ليغزوا ويمعنوا في الغزو، تعزيزًا للإسلام ونشرًا لكلمة الله. ولقد اتقدت في جوانحهم نار الحمية فانتشروا في الأرض ومشوا في مناكبها، وتنقلوا فيها من مكان إلى مكان، بسرعة أقلقت أهل العالم القديم.
بدأت الغزوات في حكم الخلفاء الراشدين، أصحاب محمد المقربين. وفي أقل من قرن من الزمان رفعت راية الإسلام على الدنيا جميعًا من السند إلى جوف الصين، ولمعت سيوفه في مفاوز القوقاز وأغوارها، وسقطت مصر في يد العرب، وتبعها شمال أفريقيا، ثم الأندلس.
ومنذ فاتحة تلك الغزوات طغى مدها العظيم على وديان أورشليم الصخرية فاكتسحها، وأحاط الإسلام بهيكل المسيح أما طغيان الإسلام على أوربا جميعًا فلم يصده في الظاهر
[ ٢٤٧ / ٧ ]
غير عقبتين: شارل مارتل في الغرب، وحصون بوزنطية في الشرق. أما السبب الحقيقي في وقوف ذلك المدَّ الإسلامي العظيم عند ذلك الحد، وهبوطه بعد أنه كاد يبلغ الذروة العليا، فيرجع إلى أن أصحاب محمد قد انقسموا أحزابًا وتفرقوا شيعًا، وأختص كل حزب منهم بجزء من الأرض المغزوة. ولو إنهم ظلوا مجمعين على كلمة الإسلام إذن لأندحر شارل مارتل، وإذن لاندكت حصون بوزنطية، وتحقق بذلك وعيد معاوية للإمبراطور الروماني إذ قال له في كتاب أرسل به إليه لما علم بعزمه على غزو الشام إبان خلافه مع علي بن أبي طالب: (لئن تمْمت على ما بلغني لأصالحنَّ صاحبي، ولأكوننَّ على رأس طلائعه إليك، ولأجعلن القسطنطينية الحمراءُ حمامة سوداء، ولأخلعنك عن عرشك خلع الإسطفليتة، ولأرسلنك في الجبال ترعى الإبل)
لو لم ينشق المسلمون لتحقق هذا: (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم)
ولقد كانت تلك الغزوات سببًا في أن يقف العرب، وهم يحملون أرقى الأديان وأمجد المدنيات، وجهًا لوجه أمام أولئك الهمج الذين ثبتوا أقدامهم في خرائب الإمبراطورية الرومانية، واعتنقوا دين عيسى فأصبحوا نصارى. وتجاورت قوات أوربا وقوات آسيا. فإن طلائع قوى النصارى كانت تلحظ عن كثب مقدمة معاقل الإسلام.
أما في الغرب، حيث شهدت الأندلس معارك أوربا والإسلام، فإن نصارى الفرنجة، وقد انتهزوا فرصة اضطرام نار الخلاف والموروث بين القبائل منذ الجاهلية، كانوا قد استردوا مفاوز (البرنيز)، ومضوا يتقدمون بتؤدة، مثبتين أقدامهم في شبه الجزيرة خطوة بعد أخرى. ذلك على الضد مما كان في الشرق. فإن المسلمين كانوا قد تقدموا نحو أوربا مخترقين آسيا الصغرى.
فيما بين هذين الطرفين: الأندلس غربًا، وآسيا الصغرى شرقًا؛ وفي وسط تلك الشقة، كان للإسلام اليد العليا: في الأرض كما في البحر. ذلك بأن العرب قد ألفوا البحر بسهولة، وشقوا عبابه مرحين. وابتنوا البوارج الفخام، فتحولوا شيئًا بعد شيء من غزاة فاتحين بحد السيف، إلى غزاة فاتحين بسلاح التجارة. ومن ثم ثبتوا أقدامهم في جزر البحر المتوسط، وبخاصة صقلية، وركبوا متن نهر (التيبر) حتى بلغوا جدران رومية.
ولم يمض غير قليل حتى أخذ العرب عن الشعوب التي غزوها مبادئ الثقافة القديمة،
[ ٢٤٧ / ٨ ]
واخترقت قوافلهم تلك الصحارى الشاسعات من بلاد الهند إلى أسواق حلب والإسكندرية؛ وإزدانت قرطبة والقاهرة بالقصور الشامخة ودور العلم الفخمة، وحكم هارون الرشيد في بغداد.
وهدأت الحالة واستقرت الأمور على امتداد التخوم. ذلك بان المسلمين كانوا أحد ذكاء وأكثر معرفة وأعرق مدنية واعظم قوة من جيرانهم همج النصارى.
حوالي ذلك الزمن بدت في أوربا بوادر جديدة، فان شارلمان ملك الفرنجة وحفيد شارل مارتل قد بدأ في تنفيذ خطته. فإن متابعة الحرب والمغازي المتتالية، واستئثار رجل واحد بالحكم كان سببًا في أن تكون إمبراطورية لم يدم بقاؤها أكثر من جيل واحد، وفي أثناء ذلك اتجه شارلمان ونبلاء جيشه نحو الشرق، ونصب أعينهم مدينة بوزنطية.
أما الذين اتزنت عقولهم فقد اعتقدوا أن عمل شارلمان إنما هو بداءة النظام وفاتحة حكم القانون، ذلك بأن آخر حكومة منظمة كانوا يذكرون قيامها، إنما هي حكومة الإمبراطورية الرومانية. ولذا اعتقدوا أنه ما من حاكم يصلح للحكم إلا عاهل قيصري، يملك زمام الأمر ويجمعه في يده. ولقد صحت نظرتهم فإن موت شارلمان كان سببًا في أن تتمزق تلك الإمبراطورية وتذهب بددًا.
بذهاب الإمبراطورية التي شيدها شارلمان عادت لأوربا عصور الظلام. فتفرقت الأمم وتنازعت الشعوب، من غير أن تعرف أمة أو يفقه شعب للخلاص طريقًا. لقد اقتتلوا كما اقتتل آباؤهم، بشراهة الذئاب. وفيما هم على حالهم تلك، ممزقة وحدتهم متفرقة كلمتهم، هبطت عليهم من الشمال عشائر من الهمج هم الدانيون والنورمان ممتطين عباب الماء.
برزوا إلى مسرح الحوادث العالمية، وكأنهم برزوا من أغوار البحار المجللة بالظلام والضباب، متلهفين إلى أرض مشمسة خصبة، هي أرض الجنوب، وكانوا غر مدجنين، يلبسون جلود الثعالب وإهاب الحيتان، ومن فوقها الذهب اللامع، وفي أيديهم سيوفهم الطويلة وحرابهم المسنونة وفؤوسهم الغليظة، فخربوا ودمروا وأحرقوا. واستقروا في النهاية حذاء الشواطئ.
ظلام من فوقه ظلام، ومن فوقه ظلام. وفي ذلك الوقت تخيل إنسان من طيبي النصارى خيالًا، واعتقد بأن نهاية العالم أي القيامة ستكون سنة ألف، أي في اليوم الأخير من القرن
[ ٢٤٧ / ٩ ]
العاشر الميلادي، وارتقب الناس ذلك اليوم، وأمضوا الليلة الأخيرة ساهرين، يتوقعون النفخة في الصور، ليهرعوا جميعًا إلى موقف الحساب، ولكن ذُكاء بزغت في نهاية الأفق صامتة كعادتها، منعشة كعهدها، وظهرت الأرض لابسة حليتها المعروفة، فلم يتغير بها من شيء.
ظلام في العقيدة وظلام في الفكر وظلام في الحضارة. تلك كانت حال تلك البقعة التي نعرفها باسم أوربا في أواخر القرن الحادي عشر المسيحي. فكيف كان العرب والإسلام؟
في أواسط القرن التاسع الميلادي أي في عهد الخليفة المأمون العبَّاسي، عاش محمد بن موسى الذي ألَّف في علم الجبر وعنه أخذت أوربا في أواسط القرن الرابع عشر، فإن مقالته في ذلك العلم قد ترجمت إلى اللاتينية واتخذت أساسًا لتدريس الجبر في عصر النهضة العلمية في أوربا. وعقب عليه محمد بن جابر البتَّاني المتوفى سنة ٩٢٩ ميلادية وهو صاحب الزيج المشهور المعروف باسم الزيج الصابي، وله عدا الزيج شروح على المجسطي وشرح مقالات بطليموس ومقالة في الفلك والجغرافية؛ ويقول فيه المؤرخ أوليري: (كان زيجه أضبط ما وجد من نوعه عند العرب، وله عدة مستكشفات رياضية وفلكية ظلت العمدة في علم الفلك عهدًا طويلًا في القرون الوسطى وفي مدارس أوربا على الأخص؛ وكان يلقب بطليموس العرب لثبات قدمه في علم الفلك وتضلعه فيه)
وفي حدود سنة ٨٢٨ للميلاد أمر الخليفة المأمون بقياس درجة من الهاجرة لاستقراء جرم الكرة الأرضية، وقام بهذا العمل أربعة من علماء الهيئة مدونة أسمائهم في صفحات التاريخ.
قال أبو الفدا:
(قام بتحقيق حصة الدرجة طائفة من القدماء لبطليموس صاحب المجسطي وغيره، فوجدوا حصة الدرجة الواحدة من العظيمة المتوَّهمة على الأرض ستة وثلاثين ميلًا وثلثي ميل. ثم قام بتحقيقه طائفة من الحكماء المحدثين في عهد المأمون وحضروا بأمره في برية سنجار وافترقوا فرقتين بعد أن أخذوا ارتفاع القطب محرَّرًا في المكان الذي افترقوا منه. وأخذت إحدى الفرقتين تسير نحو القطب الشمالي والأخرى نحو القطب الجنوبي، وساروا على أشد ما أمكنهم من الاستقامة حتى أرتفع القطب للسائرين في الشمال وانحط للسائرين في
[ ٢٤٧ / ١٠ ]
الجنوب درجة واحدة. ثم اجتمعوا عند المفترق وقابلوا على ما وجدوه فكان مع إحداهما ستة وخمسون ميلًا وثلث ميل، ومع الأخرى ستة وخمسون ميلًا بلا كسر، فأخذ بالأقل)
قيل: (واشتغل الرازي بالكيمياء وأستكشف ما أسماه (زيت الزاج) وهو الحامض الكبريتيك والكحول. أستحضر الأول بإستقطار كبريتات الحديد واسمه في العربية الزاج الأخضر فلما استقطره خرج منه سائل سماه زيت الزاج. ولا تزال الطريقة التي اتبعها الرازي في استخراج ذلك الحامض متبعة في استخراجه إلى اليوم. أما الكحول فقد استحضره بإستقطار المواد نشوية وسكرية مختمرة.
وقيل: (أسس المأمون الخليفة العباسي مدرسة بغداد سنة ٢١٧هـ (٨٣٢م) وسماها بيت الحكمة وعهد بها إلى عناية يحيى بن ماسويه الذي توفي سنة ٨٥٧م. وكان من المؤلفين في السريانية والعربية. أما مقالته في الحميات فقد كانت العمدة في دراسة تلك الأمراض زمنًا طويلًا. وقد نقلت من بعد إلى اللاتينية والعبرية.
ويعتقد المؤرخون إن أكبر الأعمال التي قام بها بيت الحكمة شأنًا ترجع إلى الجهود التي بذلها تلاميذ يحيى بن ماسويه ومنهم الرجل الفذ أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي المتوفى سنة ٨٧٦م فقد نقل فضلًا عما نقل من المؤلفات الطبية، جزءًا من منطق أرسطو (الأورغانون) وبعد أن درس أبو زيد في بغداد رحل إلى الإسكندرية، وعاد منها مزودًا بكل ثمار الدرس التي كانت شائعة في عهده متقنًا للغة اليونانية التي استخدمها في النقل إلى السريانية والعربية.
ثم قيل: واجتمع معه في بيت الحكمة ابنه إسحاق وابن أخته حبيش الأعسم الدمشقي. وترجم حنين إلى العربية مقالات إقليدس وبضعة مؤلفات عن جالينوس وأبقراط وأرخميدس وايولونيوس الفرغايوسى، وهو أكبر من اشتغل بالهندسة في العالم اليوناني بعد اقليدس. ولقد ترجم أبو زيد عن غير هؤلاء كما ترجم الجمهورية، وكتاب طيماوس لأفلاطون وقاطيغورياس والموسيقا والماغتاموراليا أي الأخلاق الكبير عن أرسطوطاليس وتعليقات طيموستيوس على المقال الثلاثين من الفيزيقا. كذلك ترجم كتاب أرسطوطاليس في المعادن، وهو كتاب ظلَّ زمانًا طويلًا مرجعًا من أهم المراجع في درس الكيمياء، وعن اصله اليوناني أخذ بولس الأجانيطي.
[ ٢٤٧ / ١١ ]
ومما انحدر إلينا؟ أن إسحاق بن حنين قد ترجم إلى العربية - فضلًا عن الطب - كتبًا من أشهر ما حوت حكمة الأقدمين؛ منها السوفسطائي لأفلاطون، والميتافيزيقا والروح (ده أينما) والكون والفساد، وإرمانوطيقا، أو باري أرمانياس أي العبارة لأرسطوطاليس؛ كما نقل تعليقات عن فرفوريوس الصوري والاسكندر الأفروديسي وأمونيوس.
وقيل: كان من عظماء المشارقة في عهد نهضتهم قسطا بن لوقا وأبو بشر متي بن يونس ويحيى ابن عدي وابن ناعمة وثابت بن قرة وجابر بن حيان والفارابي وابن سينا والغزالي وغيرهم.
هذه إثارة مما كان في الشرق، بل إشارة إلى بعض ما وصل إلينا من أخبارهم وما انحدر إلينا من أحوالهم بعد أن اتخذ هولاكو من كتبهم قنطرة عبر عليها أحد الرافدين.
ولك أن تقيس ما انبعث على يد العرب والإسلام من أنوار العلم والمدنية، على ما بعث أهل أوربا في ذلك العهد من ظلام على أهل الشمال.
أما في الغرب - أي في بلاد الأندلس - فقد أرسل العرب على ذلك العالم الميت المظلم الذي نعرفه الآن باسم أوربا أول شعاع من أشعة النور. وليس لنا أن نأتي من عندنا بكلام نبين به عن أثرهم في تحضير العالم الحديث بل نترك الكلام للأستاذ (درابر) في كتابه (نماء أوربا العقلي ص٣٠ ج٢) قال:
لما ثبت قدم العرب في بلاد الأندلس، بادروا إلى العمل على نشر العلم والحضارة، وقد نقلوا معهم إلى الغرب جميع المبادئ التي قامت عليها حضارتهم في أسيا. وكان أول ما التفتوا إليه نشر المعرفة وتظليلها بحمايتهم. وقد ازدهرت في عهدهم المدن وأقرب مثال لها قرطبة، فقد كانت تتألف من مائتي ألف بيت ويسكنها مليون من النسمات. ويكفي أن تعرف أن شارعها الأكبر كان يطول عشرة أميال ويضاء ليلًا للمارة بمصابيح كبيرة، وذلك مشهد من مشاهد الحضارة لم تعرفه مدينة لندن إلا بعد ذلك العهد بسبعمائة عام. وكانت طرقاتها مرصوفة بالأحجار في حين أن باريس ظلت قرونًا بعد حضارة العرب في الأندلس مبركًا للمياه والأوحال التي تغوص فيها الأرجل إلى الركب في فصل الشتاء. ولم يقتصر الأمر على قرطبة، بل إن غرناطة وأشبيلية وطليطلة كانت مدنًا تعد أشباهًا لقرطبة ونظائر. وكانت قصور الأمراء مثلًا من الفخامة الشرقية، بل كانت متاحف للفنون الرفيعة وعنوانًا
[ ٢٤٧ / ١٢ ]
على حضارة عريقة، في حين أن المنازل التي سكنها أمراء ألمانيا وفرنسا وإنجلترا لم تكن تفضل حظائر الماشية في شيء، فهي بلا مداخن أو نوافذ، وكان المخرج الوحيد الذي يسلم إلى فضاء الجو كوة في أعلى السقف يتصرف منها الدخان)
ولقد وصف المؤرخون قصور أمراء الأندلس وصفًا يقصر عن إدراك حقيقته الخيال؛ فهل علمت أن قصورهم كانت مجهزة بأنابيب معدنية لتوزيع الماء على الأجنحة المختلفة، وأن الماء كان يجري دافئًا في أثناء الشتاء وباردًا مثلوجًا في أثناء الصيف، وأن جهازات التهوية الصناعية كانت في الأشياء التي اخترعها العرب في فن البناء واستخدمت لأول مرة في قصور الأندلس؟ قيل إن من المفاخر التي كان يزهى بها أصحاب القصور ما تحوي من المكتبات النادرة. ويكفي أن نعرف أن مكتبة الخليفة الحاكم رصدت كتبها في فهرس بلغت مجلداته أربعين مجلدا
كان قصر الحمراء مقر عبد الرحمن الثالث وما تزال آثاره حتى اليوم تحفة نادرة من تحف الفن العالي. كانت واجهته مقامه على ١٢٠٠ عمود من الرخام جلبت من مختلف بقاع العالم المتمدين: من اليونان وإيطاليا وأفريقية؛ وكان البهو الأكبر مغشى بالذهب الخالص؛ وكان بالقصر ٦٣٠٠ من الحاشية والخدم، ومن حوله ثكنات بها ١٢. ٠٠٠ من الحرَّاس لباسهم من الحرير ومعاطفهم مطرزة بالذهب.
كل هذا المجد يصغر ويتضاءل إلى جانب ما خلف ابن باجة، وابن الطفيل، وابن رشد وغيرهم من صور الفكر التي أصبحت بعد زمان النور الذي استهدى به العقل الأوربي وعنه أخذ ليؤسس نهضة أوربا الحديثة.
ثم نمنا واستيقظ الزمان، ورحنا في سبات وعجلة الدهر من حولنا تدور، حتى أصبحنا ولسان حالنا يقول مع شاعرنا حافظ:
لم يبق شيء من الدنيا بأيدينا إلاَّ بقية دمع في مآقينا
كنا قلادةَ هذا الدهر فانفرطت وفي يمن العلا كنَّا رياحينا
كانت منازلنا بالعز شامخة لا تطلع الشمس إلا في مغانينا
والشهب لو أنها كانت مسخرة لرجم من كان يبدو من أعادينا
فلم نزل وصروف الدهر ترمقنا شَزْرًا وتخدعنا الدنيا وتلهينا
[ ٢٤٧ / ١٣ ]
حتى غدونا ولا مال ولا نشب ولا صديق ولا خل يواسينا
هذا طرف من مجد العرب والإسلام وصورة تذكرنا أننا كنا منائر الأرض وحماة الحضارة والعلم والثقافة والمعرفة. فلنذكر هذا ولنذكره دائمًا عسى أن تنفعنا الذكريات.
إسماعيل مظهر
[ ٢٤٧ / ١٤ ]