جهاد شهيد
للأستاذ سعيد الأفغاني
كلما أظل الكون عام جديد التفت المسلمون إلى الماضي البعيد يستوحونه العبرة ويتلقون منه الدرس. وكم في صدر الإسلام من عظات، وكم فيه من دروس ينقضي الزمان وهي لا تنفد وإنها لتجود على كل ناظر فيها بما يحفز الهمة ويوقظ الوجدان ويملأ النفس حمية والقلب خشوعاَ. وما أحرى الأقطار العربية عامة أن تتأمل في تاريخها المجيد وخاصة ما حف بحادث الهجرة الكبرى من أذى واضطهاد، ظفر من بعدهما المؤمنون الصابرون، لتستشعر القوة والإقدام وهي تكافح من طغيان المحتلين وكيدهم ما ينفذ معه الصبر وتعيا الحيلة وتكل القوى. ومتى رأوا ما فعلت العقيدة والإخلاص في نفوس أسلافهم، الذين كانوا أضعف منهم اليوم وأفقر وأقل عددًا، مضوا في جهادهم مستعينين بالله، وليس بينهم وبين النصر إلا أن يفعلوا ما فعل الأولون.
سمع دعوة الإسلام فأنشرح لها صدره، وطرب قلبه، ودخل في الدين الحق فأشرب حبه والإخلاص له والاستماتة من أجله، وشمل أهل بيته ما شمله من رحمة الله فاغتبطوا ذكورًا وإناثًا بما ساق إليهم ربهم من خير.
وكان نعيمه من الدنيا أن يرى الرسول أو يجلس معه أو يستمع إليه، وهو يجد في ذلك لذة تغمر وجوده كله فيذهل عن الدنيا وما فيها من متاع ولهو ليغرق في غيبوبة روحية سامية، بحماسة جامحة تثير عاطفة الخير في كل قلب. وكان في سيرته مثلًا كاملًا للمسلم الحق الذي آمن بالله فعبده مجتهدًا حق العبادة، وأحب الخلق جميعًا فمنحهم من نفسه الرحمة والخير والحب والإحسان.
ولقد رقق من نفسه ما كان بلغه من سيرة الرسول في مكة، وما تحمل هو وأصحابه من أذى المشركين واضطهادهم في سبيل الله، حين دعاهم إلى الخير فصدوا عنه مستكبرين، وعرض عليهم الإسلام فأسمعوه في دينه وإله ما يكره، ثم زادت وقاحتهم فرجموه وشتموه وأخرجوه وأجاعوه؛ وهو مع أصحابه الأخيار صابر ساكت يدعو لهم وينتظر فرج ربه
وكان أنس بن النضر على عقيدة في الله راسخة وإيمان صليب، ملك عليه الإسلام لبه
[ ٢٤٧ / ٢٧ ]
وتمكن حب الله وحب رسوله من قلبه، وهو مع كونه من خيار الأنصار قولًا وعملًا ومع فرط محبة النبي له، شديد الحسرة على أنه لم يكن ممن أوذي في الله بمكة، وأنه فاته بذلك شرف عظيم استأثر به المهاجرون الأولون؛ ولم يكن يعزيه إلا أنه يتلبث حتى تكون فرصة سعيدة يخرج فيها عن حق الله في ماله وأهله ودمه
وكانت النفرة الأولى إلى بدر، حيث تصاول الخير والشر كفاحًا، وحيث وقف المؤمنون صفًا واحدًا سلاحهم التقوى وإيمان بالله لا يتزعزع، واثقين بأنه لا بد ناصرهم مع قلتهم وضعفهم على الشرك وأهله الذين خرجوا بطرين مستطيلين، عادين على الله وعلى رسوله والمسلمين. ولقد صدق المسلمون يومئذ الحملة وأخلصوا النية، وأرخصوا في سبيل الله دماءهم وأموالهم فنصرهم الله النصر المؤزر، ورجعوا إلى المدينة مغتبطين بما أذل الله من الباطل ورفع من الحق، وما مكّن لهم من صناديد قريش حتى أوسعوهم قتلًا وأسرًا.
وكان صاحبنا أنس قد عاقته العوائق عن شهود بدر، فلما بلغه ما كان ثمة من جهاد واستماتة، وما حل بالقوم من رحمة الله ورضوانه، حزن حزنًا ما حزنه أحد قط، وكلما سمع من النبي ﷺ ما خص الله به أهل بدر من الفضل والخير، تقطع قلبه حسرات على ما أخطئه من فرصة كان يترقبها بفارغ الصبر منذ عرف الإسلام، لذلك أراد أن يأخذ على نفسه عهدًا يشهد عليه الله والنبي والمسلمين، حتى لا يصيبه في المستقبل ما أصابه في الماضي؛ فهرع إلى رسول الله مُنصرفَه من بدر وإن سيماءه لتفصح عن ندم شديد وعزيمة صادقة وحماسة متأججة، عرف ذلك في وجهه كل من رآه، فلما وقف على النبي في أصحابه قال له:
(يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت به المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينّ ما أصنع).
لبث أنس ينتظر الفرص حتى بلغ أهل المدينة ما جمع لهم أبو سفيان من الخيل والرجلْ، وما طابت به نفوس المشركين من ربحهم في العير لينفق على حرب النبي وأصحابه، وكان ذلك خمسين ألف دينار. وما كانت قريش ولا حلفاؤها لتسمح بهذا وهم التجار الحراص على المال، لولا ما ملأ صدورهم من الغيظ والحنق والكره للمسلمين على ما فعلوا بهم يوم بدر.
[ ٢٤٧ / ٢٨ ]
شاور الرسول أصحابه فيما يصنع فكان الرأي أن يتحصنوا بالمدينة، حتى إذا أتوهم قاتلوهم عنها. وكان من قول عبد الله بن أبي: (يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم. فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا).
وأنى لهم أن يجمعوا على هذا الرأي وفيهم من يتلهف شوقًا إلى حرب المشركين (فقد كان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر لما سمعوا النبي يخبر بفضل من شهدها وعظيم ثوابه، فودوا غزوة ينالون بها مثل ما ناله البدريون وإن استشهدوا)؛ فلم يعجبهم ما قال المجربون من الرأي الهادئ الخمير، وتغلبت عواطفهم الجياشة، واشتد بهم الظمأ إلى الشهادة حتى قالت طائفة منهم:
(إنا نخشى أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبنًا عن لقائهم فيكون هذا جراءة منهم علينا).
وقال حمزة: (والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة).
وقال النعمان بن مالك: (يا رسول الله لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها) الخ.
ووافق هؤلاء مشيخة من المهاجرين والأنصار فكانت غزوة أحد، وكان أول الناس إسراعًا إليها وأشدهم فرحًا بها أنس وأخته، وخرج إليها الكثير من الأحداث والنساء، فأبلوا فيها البلاء المحمود، دفاعًا عن دينهم وذيادًا عن نبيهم وشوقًا إلى ما عند الله.
شب القتال؛ وكان المشركون ثلاثة أمثال المسلمين أو يزيدون، ونصر الله المسلمين أول الأمر، حتى إذا ترك الرماة مواقفهم التي أمرهم الرسول بلزومها كان ما هو معلوم للجميع، وزلزل المسلمون زلزالًا شديدًا وكثر فيهم القتل وانهزم فريق وثبت فريق وأشيع أن رسول الله قد قتل وأسقط في أيديهم. هنالك كان الامتحان الأعظم للبطولة والإخلاص فمحص الله للشهادة الأخيار، وذاد القرومُ البواسل عن الرسول ذياد المستميت، وعمد النساء إلى السلاح يأخذنه من المنهزمين فقاتلن به حتى كانت ضروب الشجاعة والبسالة التي أتاها النساء فقط، صفحة مجيدة تتقطع دون الظفر بها رقاب الفحول المذاويد الأبطال؛ وكان من ثبت
[ ٢٤٧ / ٢٩ ]
من الصحابة نفرًا ضئيلًا وقع عليهم نعي الرسول وقوع الصاعقة فحاروا في أمرهم بعد أن ترك أكثرهم القتال ووهنت نفوسهم وألقوا بأيديهم؛ إذ ذاك، يدركهم الله بهذا البطل المجاهد المغوار، أنس ابن النضر يسألهم فيم جلوسهم والحرب قائمة؟ فيقولون: قتل رسول الله! فيزداد حمية واستبسالًا ويهتز من فرعه إلى قدمه وتتجسد فيه معاني الجهاد السامية فتتألق عيناه ويلتمع وجهه ويكاد دمه ينفر من عروقه وترتسم عليه سمات الصلابة والعزيمة والاندفاع ويفتر ثغره عن هذه الكلمات الملهمات تذكرهم بالواجب الذي ذهلوا عنه، وتحفزهم إلى الشهادة، وتدفع أجبن الناس إلى اقتحام الغمرات.
(فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه، أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله ﷿ شهداء) ثم قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني أصحابه) وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعني المشركين) انقضت على سامعيه لحظة كانوا منها في مثل لجج النور من كلماته، فألهبهم ودفعهم إلى الموت دفعًا؛ ثم انطلق نحو جموع المشركين فلقي في طريقه سعد بن معاذ فقال له: (يا سعد؛ الجنة! ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد) ورمى بنفسه وسط الجموع الحانقة الظافرة، ضاربًا وطاعنًا، فأشرعت إليه الرماح وأصلتت عليه السيوف وسالت منه الدماء على جوانبه، وهو لا يحس لتلك وخزًا ولا يشعر لهذه بألم، ولا ينفك منقضًا على الأعداء مقتحمًا صفوفهم، يوسعهم تقتيلًا وإثخانًا، غير آبه للرماح تتناوشه، ولا للسهام تنفذ فيه، ولا للسيوف تقطّع منه، وإنه مع هذا كله لا يرى انه بذل في الله طائلًا، وكلما ازداد الدم منه انصبابًا زاد على أعدائه كرًا وإقدامًا حتى أكرم الله هذه الروح الزكية فسالت على قِصَد القنا وظُبي السيوف فأستأثر سبحانه بها، وأنالها ما تمنت من الشهادة لتنعم بلقائه وجواره في عليين.
ولقد أحمى بكلماته تلك أنوف المهاجرين والأنصار، فمشوا على أثره وكروا ثانية على العدو، واجتهدوا في القتال؛ إلا أن أحدًا ما بلغ مبلغ أنس ﵀ ورضي عنه، حتى إن سعد ابن معاذ - على ما أبلى في العدو يومئذ - ليحدث عنه بعد الحرب فيقول: (ما استطعت يا رسول الله ما صنع).
انقضت المعركة حافلة بضروب البطولة، وطفق المسلمون يتحرون قتلاهم لمواراتهم التراب؛ وإنهم لفي شأنهم إذ وقفوا على جثة لم يعرفوا صاحبها لأن السيوف والرماح لم
[ ٢٤٧ / ٣٠ ]
تبقعلى شيء من ملامحه قط. يا للهول ويا للبسالة! بضع وثمانون بين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، يتلقاها رجل واحد فقط، ثم هو بعد ذلك لم يشف صدور أعدائه الحنقين عليه لما ملاء قلوبهم حردًا وغيظا من كثرة ما فعلّ فيهم، لم يُبرد أكبادهم كلُّ ما نالوا منه ولم يُذهب غيظ قلوبهم قتله، بل شوهوا الجثة ومثلوا بها، لقد بلغ من المسلمين هذا المنظر أمدًا بعيدًا ونفضهم نفضًا من شدة التأثر، وعظمت رغبتهم في معرفة صاحب الجثة، ولبثوا مدة لا يهتدون إليه، حتى تقدمت امرأة جاهدة تحدَّرت منها العبرات الحرار، وهي تحدق في أنامل الشهيد ثم قالت: (هو أخي أنس بن النضر، عرفته ببنانه!).
رجع المجاهدون الأبرار، الذين اصطفاهم الله رسلًا إلى الإنسانية المعذبة يفيضون فيها الرحمة، ويشيعون العدل والإحسان، رجعوا إلى المدينة يحفهم رضوان الله وتتنزل عليهم رحمته؛ وقد خلفوا في أحد سبعين بطلًا استماتوا بإخلاص ليجعلوا كلمة الله هي العليا، فنعمت أرواحهم بالشهادة. ولئن كان من بقى منهم على قيد الحياة قد أبلى البلاء الحسن وبذل طاقته ومجهوده. فإن الحسرة لتذيب كبده على أنه لم يحظ بما حظي به إخوانه من شرف الشهادة، ولم يخفف من حسرتهم إلا أملهم في أن يكرمهم الله بها فيما ينتظرهم من معارك.
لكن الله سبحانه رضي عن هؤلاء وأولئك، وأنزل فيهم قرآنًا ما يزال الناس يتلونه والعبرات تجري غزارًا من مآقيهم، وما زال هذا الصوت الإلهي المقدس يهيب بالمسلمين والمستضعفين مدويًا في الآفاق:
(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يُقاتلون في سبيل الله فيقتُلوَن ويُقْتَلونْ، وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).
ونحمد الله على أن هذا الفيض المقدس من شرف الدفاع، ما زالت إمداده متصلة باستمرار، وما زال الشهداء يتوافدون على ميادين الجهاد؛ وما برحت هذه الطائفة المختارة من المسلمين تتكالب عليه الأعداء من كل جانب، وما انفكت عرضة لتألبهم وهمجيتهم وضراوتهم والله يمتحن الخلف بما امتحن به السلف، ويخص من شاء منهم بكرامته. ففي كل بلد إسلامي ميدان جهاد وشهداء دفاع، وفي كل بقعة عربية عدد مستبيح وقافلة تستشهد
[ ٢٤٧ / ٣١ ]
ولن نزال إلى قيام الساعة نستشهد، ولن نزال إلى قيام الساعة نتأسى بتلك العصبة الطاهرة من شهداء أُحد ومجاهديها، ولا تفتأ منا طوائف تتري على آثار من سلف من أولينا كلما خلت مواضع في الصف احتلها فوج؛ ولم ينس الناس بعد تلك الأرواح البريئة التي صعدت إلى بارئها في العراق وسوريا وفلسطين ومصر وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش، وهي تكافح أحفاد الصليبيين من بريطان وفرنسيس وطليان وإن هذه القوافل لتستمر في تلبية نداء ربها بتهافتها على الشهادة، كلما ردَّدَت المحاريب ما أنزل الله في أبطال أُحد:
(من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).
فيا أيها الشهداء المخلصون الأبرار من لدن أُحد وبدر إلى معارك فلسطين وساحات المغرب الأقصى اليوم!
ويا أيتها الحلقة النورانية التي انتظم فيها أنس بن النضر وعبد الرحمن الغافقي. . . حتى عمر المختار وعز الدين القسام وفرحان السعدي ومن يخلف هؤلاء وأولئك في مشارق الأرض ومغاربها!
هنيئًا لكم الكرامة في دار الخلد، فقد غضبتم للحق وحميتم الحرمة وحفظتم البيضة، وجردتم سيوفكم تذودون لصوص الأعراض والأموال والأديان من ذئاب البشر الجائعة الضارية، وتدافعون عن الشرف والنبل والخير والمثل السامية، حتى أسلمتم أرواحكم وقدمتم على ربكم بدمائكم تشكون وحشية الطامعين وفظائع المحتلين.
يا أيها الشهداءُ المجاهدون: لا حرم الله دنيانا من أمثالكم فأنتم منار الهدى ومصابيح الظلام. وعليكم رحمة الله ورضوانه.
دمشق.
سعيد الأفغاني
[ ٢٤٧ / ٣٢ ]