للدكتور محمد البهي
بائع الصحف. . .
وبائع (اليانصيب). . .
والذي يقفز إلى (الترام) أو إلى (الأوتوبيس) ليقدم لك بضاعته التي لا تساوي كذا. . مليما. .
والمتسول الملح في سؤاله. . . وحامل صندوق (الورنيش) الذي يزعج المار والجالس بصوت فرجونه وترديد ندائه. . .
وجامع أعقاب السجائر. . . و. . . و. . . أبناء الشارع
الشارع إذًا معرض لكثير من الحرف والمهن، وسوق لعدد وفير من العارضين بضاعتهم التي إذا قومت فلا تقوم إلا بثمن زهيد، ويعرضونها في إلحاح ومذلة، ولكن في صبر وجلد ما الذي حمل هؤلاء على أن يدفعوا بأنفسهم في هذا السبيل؟ سؤال يلقيه على نفسه من يحضر لمصر للتنزه أو لدرس حالتها الاجتماعية، ويلقيه كذلك المصري دقيق الملاحظة. هل حملهم على اعتساف هذه الطريق الربح من غير تعب؟ لا أظن ذلك، إذ أن التعب شديد والربح ضئيل، وبعبارة اقتصادية العمل كثير شاق والإنتاج قليل الأثر، أي شيء إذًا؟ ألميل إلى (حفظ البقاء؟) وهو - كما يقول علماء النفس - أساس كل الميول الفطرية أو أساس لكل التصرفات النفسية غير الإرادية.
ربما يكون لك باعثًا لهم على السعي لجلب القوت فحسب. ولكن لماذا تحتم أن يكون الشارع ميدان الكفاح؟
هذه ظاهرة اجتماعية مزدوجة: تنم أولا عن شدة الحاجة من جانب (ابن الشارع) واستباحته الطرق والميادين العامة ومركبات النقل وإزعاج الراجل والراكب كوسائل لسد هذه الحاجة ودفعها، وثانيًا عن مقدار الرعاية من جانب الحكمة لأفراد الأمة، أو عن مقدار اتجاهها نحو المصلحة الشعبية وبعدها أو قربها من المنفعة الشخصية.
كثير من الناس يلوم (ابن الشارع) ويزجره لأنه في نظره قد انتهك حرمات الغير بإزعاجه، وأساء استخدام المنافع العامة التي يجب أن تبقى مضمونة من العبث.
[ ٣٠٦ / ٤ ]
وكثير من الناس كذلك تدفعه العاطفة الإنسانية أو الرابطة الأخوية، رابطة الدم والوطن، إلى إجابة (السائل) أو مساعدة (جامع أعقاب السجائر) أو على الأقل إلى تأثره لحال (ابن الشارع) على العموم غير ناظر إلى ما يأتيه من أعمال لا تتناسب مع مظهر الجماعة المهذبة من البشر، بل بالعكس هو لا يرى فيها جرمًا اجتماعيًا ولا خلقيًا من جانب فاعلها لأنه مرغم على فعلها، ليس من مرغم له - في نظره - غير حكومته.
فليست غاية الحكومة - في رأي هذا الأخير - فرض الضرائب وجمعها، ثم توزيع ما جمع منها على جماعة من أفراد الأمة، وهي طائفة من الموظفين كان المبدأ الحزبي أو العصبية والمحسوبية أساس اختيارها؛ لأن هذا معناه استغلال فئة خاصة لثروة الشعب من طريق هو أميل إلى الخداع منه إلى تعويضه عن ذلك بعمل إيجابي. وإنما غاية كل حكومة رعاية المصلحة العامة وضمانها لكل فرد سبل العيش بتنظيمها ثروة الأمة، وإنتاج الشعب، ولها مقابل ذلك طاعته لما تفرضه عليه من قوانين أو التزامات، وعلى مقدار تهذيبها للفرد وعنايتها به تكون درجة إنتاجه الذي هو جزء من الإنتاج الشعبي العام.
رأيان إذًا في تكييف هذه الظاهرة الاجتماعية وشرحها، وبينهما فرق كبير. فابن الشارع إما مذنب في نظر العرف الاجتماعي أو على حسب مقياس أخلاق الجماعة، وإما بريء لأنه بعمله هذا قد استخدم حقه الطبيعي، وهو رعاية نفسه بنفسه حفظًا لبقائه بعد تحلله من رابطة الجماعة تحللًا نفسيًا، لأنه شعر ووقر في نفسه كذلك عدم فائدة تلك الرابطة له. فليس ما يأتيه إذًا من إزعاج الغير وتجاوز الغاية المعروفة من الطرقات والميادين العامة منكرًا؛ وإن جاز أن يعده قانون الجماعة منكرًا، ولكنه اصبح لا يعترف به.
قد يكون هذا شرحًا لتلك الظاهرة من الوجهة الخلقية. وهو أيضا له أثره في الناحية القانونية. فالذي يرى براءة ابن الشارع هذا لا يعترف نفسيًا بعقوبة القانون الذي يحاكمه على مباشرته لعمله (الطبيعي) وإن كان يتقبلها على أنها ظلم حل به.
وعلى ممر الأيام سيعتقد بما آمن به بعض قدماء الإغريق من أن (القانون الوضعي جعل لرعاية المصالح الذاتية، مصالح الولاة والحكام، مصالح الأقلية القوية الحاكمة ضد الرعية التي هي أكثرية ضعيفة). وإذًا فعقاب (ابن الشارع) على ما يأتيه مما ظاهره منكر من جانب واحد وهو جانب العرف الاجتماعي اضطهاد لوجوده أو هو عمل على فنائه.
[ ٣٠٦ / ٥ ]
ولكن هل هذا هو ما يشعر به حقًا ابن الشارع أو المنتصر له الذي يعطف منه أو تصدقه عليه؟ قد يكون؛ ويغلب أن يكون ذلك لأنك لو سألت ابن الشارع لماذا لا تعمل عملًا منتجًا أكثر وأحسن من هذا لأجابك على الفور: أين؟ وأي شيء هو؟
وما دام يسيطر عليه مثل هذا الشعور فقلما يكون منه احترام للقانون العام الذي هو قانون الجماعة، وقلما يعرف حرمة لعلاقته بغيره، وقلما يميز بين (مشروع وغير مشروع) حتى تشعره الحكومة بالرعاية وتعترف بوجوده وتعبد له طرق الحياة الشريفة.
ولعل من يلوم ابن الشارع على عمله يلومه لأنه يرى أن حكومة الدولة لم تذخر وسعًا في تعميم تلك (الرعاية) فأنشأت الملاجئ للمعوزين، والمستعمرات الزراعية للأطفال المتشردين، ثم منعت التسول، ثم نظم صاحب السعادة محافظ العاصمة الشاذلي باشا، بائعي الصحف (واليانصيب) بتميزهم بقمصان زرقاء أو صفراء. . . الخ
والواقع أن التدابير التي تتخذها حكومتنا في معالجة المسائل الاجتماعية ليست مبينة على أساس، لان الذي يحملها على ذلك إما التقليد غير الموفق، أو الثائر الوقتي لأمر ما، وغالبًا تكون الدعاية الحزبية.
ولن تأتي (تدابير) رعاية ابن الشارع بثمرة ما دامت الحكومة لا تأخذ بمبدأ التدخل في تنظيم الاستغلال والإشراف على الإنتاج العام.
وسيظل ابن الشارع غير مجزم في نظر نفسه؛ وسيظل تضرر الغير به ما دام يباشر عمله؛ وسيستمر هو في مباشرته حتمًا حفظًا لوجوده وتلبية لغريزة حفظ البقاء.
محمد البهي
دكتوراه في الفلسفة وعلم النفس من جامعات ألمانيا
[ ٣٠٦ / ٦ ]