أقصى ما بلغه العلم التجريبي
يستدل العلماء على مرور إلكترونات الأشعة الكونية بسماعها
ويحصلون على صور مسارات هذه الإلكترونات
للدكتور محمد محمود غالي
لو أن الساسة اليوم وجهوا عنايتهم إلى العلماء والعاملين على التجديد العلمي لما كان ثمة شك في الخطوات العجيبة التي يخطوها العلم إلى الأمام، ذلك أن الميراث العلمي بلغ حدًا يمكن الإفادة منه أكثر من أي عهد مضى
ولو أن الأموال التي تنفقها الحكومات المتعددة على الاستعداد للحرب وعلى الإكثار من آلات التهلكة والدمار، أخذت طريقًا آخر للخير العام، فأنفقوا جانبًا منها على المعامل العلمية؛ ولو أن الساسة أحسنوا استعمال النتائج العلمية التي يتوصل إليها العلماء واستفادوا للخير لا للشر من انتصارات العلم الباهرة لاقتربنا من جيل يختلف كثيرًا عن العهد الذي نعيش فيه، ولشهد الإنسان حضارة أرقى كثيرًا من الحضارة التي يستمتع بها الآن، ذلك أن العلم التجريبي بلغ حدًا تعجب له عندما تقف على بعض تفاصيله الأخيرة
وإني استعرض مع القارئ بطريقة مبسوطة مثالًا في البحث التجريبي وما أصبح له اليوم من قوة، فأدله في هذا المثال على طريقة قياس الأشعة الكونية وتعيين مسارات جسيماتها السريعة التي لا يمكن للعين أن تراها
لو أني ذكرت للقارئ أن وزن الإلكترون هو (١٠ ٢٧)
١٠٦٠ من الجرام وأن العلماء يستطيعون اليوم رسم صورة
لمساره ويسمعون مروره لما تملكه العجب، ذلك أن النظر إلى
الأرقام لا يدل بطريقة واضحة وسريعة على ضآلة الشيء أو
جسامته، على صعوبته أو سهولته، بقدر ما تدل على ذلك
[ ٣٠٥ / ٥٩ ]
الأمثلة وما تنطوي عليه من مقارنة
ولو أني ذكرت للقارئ أن الإلكترون هو من الضآلة والصغر بحيث أن النسبة بين كتلته وبين كتلة أحد أزرار البدلة التي يرتديها، كالنسبة بين كتلة هذا الزر وكتلة الكرة الأرضية بأسرها، لعجب القارئ كيف أمكن معرفة شخصية هذا الجسيم المتناهي في الصغر ورسم مساره على الورق الحساس، وكيف يمكن أن نسمع بمروره بيننا، هذه أمور يحار لها العقل
هذا الإلكترون (الوحدة السالبة للكهرباء) وشقيقه البروتون (الوحدة الموجبة) يصل كل منهما بسرعة كبيرة وتتركب جسيمات الأشعة الكونية منهما. ولكل من هذه الجسيمات طاقة تفوق حد الوصف، ومع ذلك فبرغم صغرها وسرعتها يتمكن العلماء اليوم من تسجيل مرور كل منها على حدة ومن رسم مساراتها وسماعها عند مرورها، وهم يضعون لذلك وفي طريق هذه الجسيمات من شباك الصيد والأجهزة الدقيقة ما يساعدنا على سماع إنذار عند مرورها، ومن رؤية آثارها في المادة، وتسجيل الطريق التي مرت فيها
ولعل هذا يدعو القارئ إلى شيء من الدهشة يزيد على دهشته عند استماعه من الراديو حفلة غناء تدور حوادثها بعيدة عنه وهو واقف بسيارته في قلب الصحراء
هذا الإلكترون، الزائر العجيب، كان هدف العلماء؛ هذا الطائر السريع الآتي من عوالم بعيدة ما زلنا لا ندرك مصدرها، كان ولا زال محل اهتمام العلماء لتحقيق شخصيته، وقدرته على اختراق المادة وإحداث التفتت الذري فيها - هذا الجسيم الذي ربما بدأ رحلته حول الكون قبل بدء العصر الكمبري، وهو العصر الذي لم يترك لنا أي أثر من الكائنات الحية على الأرض، لا زال محل بحث المعامل قاطبة لمعرفة كنهه وأثره وطبيعته
ومن يدري! فقد يكون الوقت الذي استغرقته عملية نشوء الكائنات الحية وتطورها من انفيبيا إلى أسماك، ثم إلى زواحف وطيور وثديات وإنسان، لا يُعد إلا فترة بسيطة بالقياس إلى الزمن الذي قطع فيه هذا الجسيم رحلته الطويلة حول الكون المقفل على نفسه ومع ذلك فقد وصل إلى مكان وجد فيه إنسان مُفكر، يستطيع أن يقف على شيء من دخائل هذا الجسيم الصغير، أن يكشفه، أن يرى مساره، أن يستمع مروره؛ بل يضع له شباكًا من ألواح الرصاص السميكة ويرى رأى العين كيف يخترقها طورًا ويتعثر فيها تارة، بل يرى
[ ٣٠٥ / ٦٠ ]
آثار التهدم الذي يحدثه هذا الزائر السريع في ذرات المادة، ويرى الانفجارات العديدة التي تقع بسبب مروره وبفعله وفعل طاقته العظيمة. وفي الشكل (ا) يرى القارئ صورة لجسيمات الأشعة الكونية وحزمة من الجسيمات الأخرى ويرى هذه الجسيمات الكونية تخترق لوحًا من الرصاص محددًا بالخطين الأفقيين، كما يرى شيئًا من التهدم الذي حدث في هذه المادة. وفي الشكل (٢) يرى حزمة أخرى من هذه الجسيمات المتناهية في الصغر، وبالأحرى يرى مواضعها تظهر دفعة واحدة داخل جهاز ولسون الذي سنتكلم عنه في مقال قادم؛ وهذه الحزمات وهي جسيمات من المادة حدثت بسبب الأشعة الكونية التي لها هذه القوة العجيبة من اختراق ما يقابلها من مادة
ولتعرف شخصية جسيمات الأشعة الكونية، إلكترونات كانت أم برويتونات، وتسجيل مرورها، طريقتان:
الطريقة الأولى تنحصر في استعمال جهاز خاص لعد هذه الإلكترونات ويسمونه (عداد الإلكترونات) وفي هذه الطريقة لا يرسم مسار الإلكترون وإنما يستطيع الجهاز أن يَعدّ الجسيمات التي تمر فيه.
والطريقة الثانية تسمى طريقة (غرفة ولسون) ويمكن بها رسم مسارات هذه الإلكترونات أو البرويتونات، وتعيين أثرها على المادة التي تقابلها وسنشرح الطريقة الثانية في المقال القادم.
أما عدد الإلكترونات فهو اليوم أبسط جهاز معروف في العلوم الطبيعية رغم صغر الظاهرة المراد قياسها، ويتكون (شكل٣) من أنبوبة معدنية داخلها سلك من النحاس المتأكسد وبطرف الأنبوبة سدادتان حيث لا يجاوز ضغط الغاز داخل الأنبوبة بضعة سنتيمترات من الزئبق، وحيث يتفاوت المجال الكهربائي بين السلك والأنبوبة من ١٠٠٠ إلى ٢٠٠٠ فولت.
ويتصل السلك الداخلي إما بالإلكترومتر، وإما بمكبر ذي صمام، فعندما يمر في الغاز داخل الأنبوبة أحد الإلكترونات المكونة للأشعة الكونية يحدث عدد من اليونات، وهذه تُحدث زيادة في الظاهرة الكهربائية، وهذه الزيادة البسيطة يمكن بعد أثر المكبِّر للتيار أن تُحدث حركة آلية من السهل أن تؤثر على جهاز آخر تسمع منه ضربة تدل على مرور أحد
[ ٣٠٥ / ٦١ ]
الجسيمات الكونية التي مرت في هذا الوقت داخل الأنبوبة.
ومن تتح له زيارة معهد الراديوم في باريز في شارع (بيير كيري) ويصعد برج هذا المعهد يجد جهازًا لعد الجسيمات الكونية حيث تتملكه الدهشة عند سماعها
على أن مرور أي إلكترون سواء من الأشعة الكونية أو من أي أشعة راديومية، يكون مصدرها المواد المستعملة في الجهاز نفسه أو المباني المجاورة، يحدث هذه اليونات داخل الغاز التي يتبعها هذه الضربات
ولكي نميز بين الضربات الحادثة بسبب الأشعة الكونية من الضربات الحادثة بإشعاع آخر محلي، فكر العلماء في وضع ثلاثة عدادات بينها ستائر تمنع مرور الجسيمات الأخرى التي تقل طاقتها عن طاقة الأشعة الكونية
وقد تم توصيل ثلاثة العدادات بحيث لا تسجل إلا مرور الجسيم الذي يستطيع اختراقها معًا، وبعبارة أخرى، لا تسجل إلا جسيمات الأشعة الكونية
وهذه الطريقة كان لروسي الفضل الأكبر في نجاحها وسنأتي شرح طريقة ولسون في المقال القادم.
محمد محمود غالي
دكتوراه الدولة في العلوم الطبيعية من السوربون.
ليسانس العلوم التعليمية. ليسانس العلوم الحرة. دبلوم
المهندسخانة
[ ٣٠٥ / ٦٢ ]