دراسات في الفن
الصدق في الفن
للأستاذ عزيز أحمد فهمي
في هذا الكون ظواهر غامضة يحاول الناس أن يتفهموها بعقولهم، فيعرجوا إليها بعكازات من هذه العقول البطيئة المتثاقلة، بينما يقفز بعض الناس إلى حقائق هذه الظواهر الغامضة بإحساسهم لا بعقولهم فيوفقوا إلى قوانينها توفيقًا من حيث لا يتكلفون ولا يتعمدون. ولعل أبرز ما تصدى له هذا الفريق من أهل الحس فبلغوا غايته، ثم لحقهم العلم بعد أجيال فقرر ما أحسوه، هو هذه النفس الإنسانية التي أحسها الكتاب والروائيون منذ آلاف السنين، فعرضوها في قصصهم وساروا بها في مناهجها الصحيحة؛ ثم خلفوها للعلم الذي أخذ يحاول في القرن الماضي فقط أن يتعرفها على أساس يطمئن إليه هذا العقل الشكاك الذي ينكر الحس.
وإذا كان أهل العلم يعرفون الفن بأنه التطبيق العملي للنظريات العلمية التي تحوم حول موضوع واحد، أو التي تدور حول مسألة واحدة، فإنا نرى في تعريفهم هذا ما يعزز الذي نذهب إليه. ذلك أننا نلحظ أن فنون الناس سبقت علومهم، فقد طار الإنسان على بساط الريح في قصص ألف ليلة وليلة قبل أن يركب متن الهواء في الطائرات والمناطيد بألف سنة على الأقل. وقد حول الإنسان الرصاص والنحاس إلى ذهب في خرافات الأقدمين قبل أن تحول المعامل (السلاؤون) الأحمر إلى ذهب في العصر الحديث. وقد استطلع الإنسان الغيب في كرة البلور الهندية ما شاء من الغيب قبل أن تنتهي الدراسة الجديدة إلى (التنويم المغناطيسي) بقرون وقرون. وقد مُسخ الإنسان قردًا عقابًا له على الشر في قصص القدماء قبل أن يعلن داروين نظرية التطور بدهور ودهور.
فكيف اهتدى هؤلاء (المخرفون) القدماء إلى هذه الحقائق التي لم يثبت أنها حقائق إلا بعد أن تغيرت الأرض ومن عليها؟ هل كانوا يطبقون نظريات علمية تدور حول موضوعات متفرقة فدار كل منهم بنظرياته حول موضوع؟ هل يمكن أن يكون هذا قد حدث مع تسليمنا
[ ٣٠٨ / ٥٩ ]
بأن النظريات العلمية لم تتكشف إلا أخيرًا؟
نعم! هذا هو الذي حدث، ولم يحدث شيء غيره، وإنما كل ما كان هو أنهم لم يعرجوا إلى هذه الحقائق بعكازات من عقولهم، وإنما طاروا إليها على أجنحة من إحساسهم. هم أحسوا هذه الحقائق، وبلغوها صادقين، وأعلنوها، وإن كانوا قد عجزوا عن إثباتها لمن لا يريدون أن يفهموا إلا بالعقول!
ومن هذا نرى أن صدق الإحساس يكشف للإنسان ما يستره المستقبل. فهذا الكاتب الذي طير الإنسان على بساط الريح في قصص ألف ليلة وليلة كان يحس أن الإنسان يستطيع أن يطير، هذا إذا لم نقل إنه كان مؤمنًا بأن الإنسان سيطير. وهذا (المخرف) الذي حول الرصاص والنحاس إلى ذهب كان مؤمنًا بأن هذه المعادن التي يشاهدها ليست إلا مظاهر مختلفة لشيء واحد يمكن إذا عدلت المؤثرات التي تؤثر فيه أن تتعدل الأشكال التي يتشكل بها. كان مؤمنًا بهذا وإن لم يكن يعرف أن المادة ذرات، وأن الذرات كهارب، وأن الكهارب إلكترونات إلى آخر هذه الزحمة التي تشغل عقول العلماء. وهذا الهندي الذي اختلق في قصصه كرة من البلور ينظر فيها الإنسان فيعلم الغيب كان يحس أن في الإنسان هذه القوة التي تمكنه من الوقوف على ما يغيب عنه وهو في حالته العادية، ولم يكن يدري أن الإنسان سينوم أخاه تنويمًا مغناطيسيًا فيسأله عن بعض المحجوب عن عقله، وأنه يستطيع أيضًا أن ينوم نفسه ليصل إلى ما يريد. وهذا (المخرف) الآخر الذي رد الناس في خرافاته قردة كان يحس أن هناك عقدًا تنتظم فيه الخلائق متتابعة متسلسلة من حلقة إلى حلقة كل حلقة أرقى من أختها وأشد تعقيدًا. . وإن لم يكن قد قرأ كتب داروين.
كل هذه حقائق اهتدى إليها الكتاب بإحساسهم لا بعقولهم فنحن نعلم أن العقل لا يطمئن إلا إلى ما يثبت ثبوتًا صريحًا للعين والأذن والأنف وبقة الحواس المادية.
فإذا سايرنا أهل العلم وقلنا إن عمل العقل هو جمع هذه المدركات الحسية والنفاذ بها بعد توليفها إلى الحقائق الصحيحة، رأينا أهل الفن والحس المرهف أسبق من غيرهم في الوصول إلى هذه الحقائق الصحيحة؛ فنفوسهم تدرك من المحسوسات والمعنويات ما هو قابل لأن ينتظم في سلك واحد بأسرع مما تدرك النفوس المتعقلة المتشككة هذه الدركات نفسها. ولعل هذا هو ما يسميه المتصوفون (العلم اللدني) أي الذي يأتي من لدن الله فيهدي
[ ٣٠٨ / ٦٠ ]
الإنسان إلى الصواب.
أما المتصوفون فيقولون إنهم يستطيعون أن يفسروا علمهم هذا، وأما أهل الفنون فهم غالبًا يحتاجون إلى نقاد يصفون فنونهم ويفصلون ما فيها من الحق والبلاغة والجمال، فالفنان إذا أضيف إليه ناقده وشارحه كان مجموعهما إنسانًا متصوفًا يهتدي إلى الحق بإحساس الفنان، ويضيء السبيل إلى الحق بدراسة الناقد وشرحه.
وقد أشعر بعد هذا التفصيل أن هذه المسألة قد وضحت بحيث أستطيع أن أتركها مطمئنًا إلى ناحية أخرى من نواحي الصدق في الفن، فليس كل الصدق الفني متصلًا بالمستقبل، بل إن هذا الصدق المتصل بالمستقبل هو أندر ما يطالعنا به الفن من الصدق، وإنما يتجلى الصدق في الفنون جميعًا إذ تتصدى للحاضر. فهذا الرسام الذي يسجل الخصائص النفسية للشخص الذي يرسمه حين لا يخط بريشته على الورق إلا خطوطًا رآها في وجه الشخص المرسوم فأحس أنها تخفي هذه المعاني التي يعبر عنها بهذه الخطوط. . . وقد يكون عقله في هذا الطواف كله نائمًا لا يدرك الصلة بين الخطوط التي يراها على الوجه والتجاعيد الصاعدة والهابطة فيه، وبين هذه الأحاسيس التي يحسها من يرى الرسم وبين هذه الخطوط التي قيدها على القرطاس. . . هذا الرسام من غير شك صادق الحس، صادق التعبير. وهو موفق في فنه ما دام صادقًا في إحساسه صادقًا في تعبيره، فإذا التوى على نفسه وحاول أن يدرس عقله في فنه لم يصب من هذا الدرس غير التعقيد يشوب الفن، والبعد ينحرف به عن الحق.
وهكذا الصدق في الفنون جميعًا - كما رأينا في الأدب والرسم - فهو دائمًا عمدتها في الإحساس بالحياة كما أنه عمدتها في التعبير، وبمقدار ما في الفن من صدق يبلغ الفن شأوه الذي تحسده العلوم عليه، فهو الذي يوجه الإنسانية، وهو الذي يحصي لها خيرها ويحصي عليها شرها، هو ضميرها وروحها.
فإذا أراد القارئ أن أضرب له المثل بالموسيقى فنًا يلزمه الصدق أيضًا - فقد تكون صلتها بالصدق متسترة - ذكرته بلحن المارسيليز الذي حرر فرنسا، فهو ليس سوى إحساس صادق بالحرية عربد في أنغام اختلفت في نفوس المستعبدين حب الحرية الصادق فعربدوا كما عربد النغم، وتحرروا كما تحررت روح منشده، وقد كان كل فرنسي منشده وراء
[ ٣٠٨ / ٦١ ]
مبدعه.
والآن فإني أظن القارئ الكريم قد بدأ يستسيغ هذا الذي عرضته عليه. وكم أحب أن يستعيد القارئ التفكير في هذه المسائل حتى تسري من عقله إلى روحه. ثم كم أحب بعد ذلك أن يبحث القارئ في ذاكرته عمن يعرفهم من الفنانين وأن يبحث بفراسته في أحوالهم، وأن يرى مدى الصدق في أعمالهم وأقوالهم، وأن يقيس هذا الصدق بما يصيبونه من التوفيق في فنونهم. ولست أريد بالتوفيق النجاح التجاري الذي يؤدي إلى الغنى المادي، وإنما أقصد به الإصابة الفنية التي يعتز بها الإنسان أمام ربه إذ تحسب في حسناته وإن لم تكن صلاة ولا صومًا لأنها أثر من آثار الصدق ومظهر من مظاهره، والصدق في النية، والأعمال بالنيات.
بالمشاهدة والتجربة يتضح أن أبلغ الفنانين فنًا هم أصدقهم فعلًا وقولًا كما أنهم أصدقهم حسًا.
وهذا الصدق كما أنه حس، فإنه خلق، وإذا كان لا بد لنا أن نلجأ إلى أسلوب العلماء لنثبت الحق في قولنا فإننا لا نكره أن نردد ما يقوله العلماء من أن كل خلق ينمو في نفس الإنسان بالتدريب والتمرين، والفنان الأمين على فنه المؤمن به الآمن له يوالي هذا التدريب ليل نهار، سواء فيما هو متعلق بفنه من الأعمال والأقوال وفيما لا علاقة له بالفن: ذلك لأن الفنان يكون دائمًا من المؤمنين بأنفسهم، لأن نفسه ترزقه الحق وتلهمه إياه والحق من الله، ولو لم يدرك بعقله هذا الإيمان وسره. وهو لذلك يطلق روحه حرة صادقة في كل أعماله وأقواله لا يتكلف ولا يتعمل كما يتكلف ويتعمل بقية الناس، ولا يتلون ولا يتشكل في النهار مرات وفي الليل مرات كما يتلونون ويتشكلون، وإنما هو يتشكل ويتلون تبعًا لأحاسيسه الصادقة لا تبعًا لحكمة العقل الكذوب!
وأحسبني لست في حاجة إلى أن أثبت أن الناس كذابون، والناس كما نعرف عقلاء أو هم عقلاء كما يقولون، وهم الذين يتوهمون بعقولهم أن تصرفات الفنانين في حياتهم الخاصة والعامة تصرفات (شاذة) غير معقولة، وهي في الحق شاذة وغير معقولة عند عقل الخداع والغش، وإن كانت طبيعية ومنطقية أمام حكمة الحق.
والآن ما رأي القارئ في الرجل يوالي الصدق ويواصل التدريب عليه؟ ألا ينمو الصدق
[ ٣٠٨ / ٦٢ ]
في نفسه حتى يملأها؟ وما رأي القارئ في الرجل امتلأ صدقًا؟ أليس هو رجل الجنة؟ وأنه رجل الفن!
عزيز أحمد فهمي
[ ٣٠٨ / ٦٣ ]