تأملات:
لتقليد والتمثيل
للأستاذ عزيز أحمد فهمي
عندنا عامل فقير مرح، فجأته ثروة ضخمة، فانكب على إنفاقها، فأصابته أمراض وعلل، فانقلب صاحب هم وغم ولم يجد خلاصًا من همه وغمه إلا أن يفر من ثروته
هذا الرجل نريد أن نمثله فكيف نمثله؟
الممثلون ينقسمون حيال هذا الرجل - كما ينقسمون حيال غيره - إلى قسمين: قسم يقول لك: أنا إذا أردت أن أمثل دورًا كهذا فإني أبحث بين الناس أو في ذاكرتي عن رجل يشبهه أكون قد رأيته أو أكون قادرًا على رؤيته، ثم أدرس هذا الشبيه في فقره ومرحه فأرى أثر الفقر فيه، وتأثيره في صوته، وفي مشيته، وفي حديثه، وفي إصغائه، وفي إشاراته، وفي إقباله على الناس، وفي تركه للناس. . . وما يفعله الفقر بعد ذلك كله في نفسه، ثم أدرسه بعد ذلك في مرحه، ثم أدرسه بعد ذلك إذا اغتنى، فإذا رأيته يبذر القرش في طعام، فهو سيبذر الجنيه في طعام أيضًا إذا أتاه جنيه، وإذا رأيته يبذر القرش في زينة، فهو سيبذر الجنيه أيضًا في زينة، وإن اختلفت زينة القرش عن زينة الجنيه؛ ثم أدرسه بعد ذلك وهو مريض معتل، فأراه إذا كان يصير ويحتمل أو يتبرم ويتململ؛ ثم أدرسه بعد ذلك في همه وغمه، فأراه كيف يشكو أو كيف يكتم الشكوى، وأراه لمن يشكو إذا شكا، ألكل من هب ودب أمامه، أم لعاقل ترجى عنده النصيحة، وأراه بعد ذلك كيف يقطع الرأي فيما يهمه ويغمه، أيتردد طويلًا أم قصيرًا أم يبت في الأمر بالفكرة الأولى، أم يستقصي ما يتوارد إلى ذهنه من الأفكار، أم يستسلم فلا يفكر؛ ثم أدرسه في آخر الأمر وهو فار هارب من همه وغمه، وأراه كيف يكون حين يشعر بالنجاة، أراضيًا مرتاحًا، أم ساخطًا، أم مشتاقًا إلى الرجوع إلى النكد عندما يذكر أن هذا النكد كان فيه مال، وكانت فيه ثروة فإذا درست هذا كله وإذا رأيته استطعت بعد ذلك أن أمثله وأنا أضمن أن أخرجه صورة طبيعية صادقة رائعة. . .
[ ٣٦٩ / ٣٧ ]
هذا كلام يقوله ممثل من القسم الأول، أما الممثل من القسم الثاني فيقول: (ومالي أنا أجري وراء الناس، أو أجري وراء الأشباح في ذكراي؟ أنا سأفرض أني هذا العامل الفقير وسأرى أي أثر يؤثر هذا العمل في النفس وفي الجسم: أهو يعطي صحة أو يعطي سقمًا، أهو يورث الهدوء أم يبعث في الأعصاب الفزع، أهو ينشط العقل أم يعلمه النوم والكسل. . . فإذا علمت أي شيء يصنعه هذا العمل بالعامل استطعت أن أعود إلى نفسي أنا فأراها كيف تكون عندما تنطبق عليها الأوصاف المترتبة عن هذا العمل، وليس علي بعد ذلك إلا أن ألزم نفسي في اتخاذ هذه الأوصاف وأنا أمثل هذا الدور، فإذا فرغت من هذا الأساس رجعت إلى نفسي مرة أخرى فرأيتها في الفقر ورأيتها في المرح، ورأيتها حين تبذر وتسرف كيف تلقي المال وكيف تنسقه إذا كانت بهذه الأوصاف الجيدة، ثم أرى نفسي بعد ذلك كيف أهتم وكيف أغتم، وكيف أفر من الهم ومن الغم. . .
فإذا رأيت هذا كله وإذا درسته استطعت بعد ذلك أن أمثله وأنا أضمن أن أخرج الدور لك صورة طبيعية صادقة رائعة
وتسمع أنت كلام الممثل الأول، وكلام هذا الممثل الثاني، وتريد أن ترى أيهما الأضمن طريقًا، وأيهما ألأمكن فنًا، أهذا الذي يتلقط مادة فنه من صورها الطبيعية، أم هذا الذي ينفخ نفسه في الطبيعة فيخرجها مخلوقًا جديدًا؟
فإذا طلبت من هذين الممثلين أن يمثلا هذا الدور، رأيت الممثل الأول يسرع إلى الإجادة، فلا يحتاج إلى تدريب، وإن احتاج فإلى تدريب قصير يتمكن بعده من الدور تمكنًا ملحوظًا
أما الممثل الثاني فإنك تراه يتسكع نحو الإجادة تسكعًا، ولكنه كلما أصاب تصوير حالة ما استمسك بها، وراح يبحث عن غيرها، فكلما طال تدربه على الدور وانشغاله به زاد إتقانه له واندماجه فيه، على العكس من الممثل الأول الذي يقف في الإجادة والإتقان عند حد خاص، هو الذي رآه في الطبيعة ونقل عنه.
وليس هذا وحده هو الفرق بين هذين الممثلين، فثمة فرق آخر كبير، ذلك أنك تجد في الممثل الأول الذي يأخذ عن الصور الطبيعية ملامح هذه الصور الطبيعية ولا ترى ملامحه هو، كما أنك ترى النفوس هذه الصور الطبيعية ولا ترى نفسه هو؛ أما الممثل الثاني فإنك ترى ملامحه ونفسه في الدور، فكأنه هو قد انصرف عن التمثيل فعلًا واشتغل عاملًا
[ ٣٦٩ / ٣٨ ]
وافتقر، وحدث له وحدث. . .
فأي واحد من هذين الممثلين أمكن فنًا من صاحبه؟
أغلب الممثلين المجيدين في الغرب من النوع الأول، وقليلون جدًا فيهم الذين من النوع الثاني وأذكر منهم شارلي شابلن
وأغلب الممثلين المجيدين عندنا هنا من النوع الأول أيضًا، وقليلون جدًا فيهم الذين من النوع الثاني وأذكر منهم نجيب الريحاني
ولعل القارئ يلحظ أن شارلي شابلن منذ استتب اخذ يتباطأ في إخراج الروايات ولم يعد يلاحق بعضها ببعض، كما أن نجيب الريحاني قد أخذ هو أيضًا يتباطأ ولم يعد يخرج في العام الواحد أكثر من روايتين
ولعل القارئ يعرف أن شارلي ونجيب يقضيان ما بين الرواية السابقة والرواية المقبلة تهيؤاُ وتربصًا، وإن كان شارلي يستمتع بحرية أوسع بكثير جدًا من الحرية التي يستمتع بها الريحاني
وشارلي ونجيب لا يتشابهان في هذا فقط، وإنما هما يتشابهان أيضًا في أن كلا منهما يؤلف رواياته لنفسه، ويعلم ممثليها بنفسه، ثم إن كلا منهما يضم حوله مجموعة من الممثلين لا يكاد الجمهور يعرفها إلا حوله هو، فإذا بعدت عنه ثقل التمثيل عليها وثقلت عليه، زد على ذلك أن شارلي شابلن بدأ أخيرًا يضع الموسيقى التي تصاحب التمثيل في رواياته، وقد سبقه الريحاني إلى هذا وإن لم يكن قد سبقه بنفسه، فزكريا أحمد الملحن الكبير الذي اختصه الريحاني برواياته يقول إنه تعلم من الريحاني ألوانًا من الموسيقى شرحها له معاني فنفذها هو بالنغم
فهل هناك علاقة بين أوجه الشبه هذه، وبين الطريقة التي يسلكها هذان الممثلان في فنهما؟ وهل نستطيع أن نقول إن هذه الطريقة هي التي ارتقت بهذين الممثلين حتى ميزتمها هذا التمييز على الممثلين المجيدين؟
الواقع أن هناك علاقة وصلة بين هذه الطريقة وبين هذا التمكن الفني الذي وصل إليه كل من الأستاذين شارلي شابلن ونجيب الريحاني
فنحن إذا رجعنا إلى طريقة التمثيل الأولى رأيناها أقرب إلى ما تمارسه القردة من التقليد،
[ ٣٦٩ / ٣٩ ]
فالقرد كلما رأى حركة قلدها، وكلما رأى حالة نفسية تتضح على صاحبها أثرًا جسمانيًا باديًا تصنع هذا الأثر الجسماني البادي وإن لم يقدر على أن يقنع الناظر إليه بأن نفسه من الداخل قد تحولت إلى هذه الحال التي من عادتها أن تنضح بهذا الأثر، ولكن الممثل الذي من نوع شارلي ونجيب أصدق تصويرًا للنفس الإنسانية في حالاتها المختلفة، وإن كان يتقيد في هذا التصوير بطبيعة نفسه هو تاركا ما عداها من النفوس، ونفسه مهما كانت غنية ومهما كانت سهلة طيعة فهي نفس مفردة واحدة بينا الحياة فيها ملايين الملايين من النفوس والصور. . .
وهذا عيب قد يؤخذ على هذا النوع من الممثلين، ولكنه في الحقيقة غير عيب، وإنما هو فضيلة. فكل نفس إنسانية في حقيقتها المجردة لا تفترق في شيء عن غيرها من النفوس، وإنما تختلف النفوس بعضها عن بعض تبعًا لمؤثرات عارضة بعضها موروث وبعضها مكتسب، وبعضها تمكن، وبعضها لا يزال مزعزعًا، وهكذا، والفنان الذي يتخذ الحق طريقة إلى الفن يبدأ أول ما يبدأ بمراقبة نفسه وبمتابعة فضائلها ورذائلها، ثم يعكف على توطيد الفضائل، ومكافحة الرذائل، فإذا لم ينجح حيال شر من شرور نفسه لم يخفه عن الناس، وإنما أعلنه مع ما يعلن من نفسه فيعرف عن الناس أسراره ودخائله وشروره وآثامه وعيوبه وأخطاءه ومساويه ورذائله، وهو أول من يعرفها من الناس، وهو أول من يكرهها وإن استسلم لها وعجز حينًا عنها، ولكنه لا يزال يتربص بها الفرص ويرجو النجاة منها ويطلب من الحق أن يعينه على هذه النجاة. . .
وهذه نزعة من نزعات التصوف، وهي انطلاقة جريئة نحو الحق، وهي وحدها التي تمكن صاحبها من الإلمام بنفسه والإحاطة بما فيها، فإذا بالذي فيها كنز لا يفنى، ككل كنز في كل نفس، غير أن هذا كنز مفتوح لم تتكدس عليه الأكاذيب والأباطيل
فليس عجيبًا بعد هذا أن تتاح صحبة من الفنون الجميلة للفنان الذي نفسه هي هذه النفس، فيكون أديبًا وممثلًا ومغنيًا وراقصًا ومعلمًا وغير ذلك
وإذا كان القرد يقلد وينجح في التقليد نجاحًا خفيف الروح بهيج الظل لأنه يتطلع إلى غيره، فإن للإنسان أن يكون فنانًا إذا تطلع إلى نفسه وهي أقرب إليه من غيره.
عزيز أحمد فهمي
[ ٣٦٩ / ٤٠ ]