للأستاذ محمد يوسف موسى
كلما خطر بالبال أو جرى على اللسان ذكر مولد محمد ﷺ تذكرنا الدين الذي جاء به فكان فارقًا بين الحق والباطل، وحدا فاصلًا بين عهود خلت لبستها الإنسانية وأخلقتها بعد أن اجتوتها، وعهد جديد آهل بالعز والكرامة. حقًا لقد كان ميلاد الرسول إيذانًا بانتهاء ما سبقه من أديان كانت مناسبة لمن جاءت إليهم، وباستهلال الإسلام الدين الخالد الصالح للناس جميعًا؛ لا فرق بين بدو وحضر، وسود وبيض، وشرقيين وغربيين، تقدم بهم الزمان أو تأخر
وليس من العجب أن يجيء دين صالح عام بعد دين قاصر خاص، بل كان يكون العجب ألا يكون هذا التدرج الذي عرفه التاريخ. لقد ولدت الجماعة البشرية طفلة، وترقت - شأن كل الكائنات الحية - جيلًا فجيلًا، فمرت من الطفولة للشباب، وانتهت أخيرًا لدور الرجولة الرشيدة الكاملة. وكان من حكمة الله اللطيف الخبير أن تتفق الديانات التي تعبّد بها عباده في الأزمان المختلفة، وعقول من أرسلت إليهم ومداركهم وحاجاتهم. لهذا رأينا الرسول يتبع الرسول، والدين يجيء في أثر الدين، وكل له ناسه المحدودين وزمنه الموقوت، حتى بعث المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام يدين الناس جميعًا والإنسانية عامة، فتمت به نعمة الله على عباده وكملت لهم السعادة
ولنعرف قيمة منة الله على العالم بأسره بميلاد محمد وبعثه بتاج الأديان، يجب أن نقلب بعض صفحات التاريخ، ونتذكر قليلًا حالة المسيحية التي كانت لها السيادة قبل الإسلام على جزء كبير من العالم المعروف بالمدنية حين ذاك
لقد ظهرت المسيحية في عصر كان المال هو المعبود من دون الله، وكانت الشهوات حتى الوضيع منها هي التي تأخذ على الناس أمرهم وتوجههم في أعمالهم، طلبًا لها وتهافتًا عليها كما يتهافت الفراش على النار. وحسبنا أن نعلم أن مذهب أبيقور، في أوضع ما اتخذ من صور إباحية، كان مذهب الكثرة الغالبة، في بلاد الرومان ميدان نشاط المسيحية بعد مهدها الأول وهو الشام. غلو من اليهود في طلاب المال وجمعه من كل النواحي وبسائر الوسائل، وغلو في الافتتان بالشهوات ومتع الحياة الدنيا. هكذا يمكن تصوير ما كان يسود العالم من
[ ٤٥٨ / ١٣ ]
نزعات إبان ظهور المسيحية
من أجل ذلك كان طابع المسيحية زهدًا شديدًا، ولهذا رأينا المسيح ﵇ معرضًا تمام الإعراض عن الدنيا وحاثا حوارييه وأتباعه على التخلص منها ومن أسرها ومفاتنها، ومؤكد أن ملكوت لن يفتح للأغنياء، وأنه سيكون وقفًا على الفقراء. لكن للنفس شهوات يجب أن ترضى في قصد، لهذا كان من الطبيعي ألا يطيق من جاء لهم هذا الدين وصاياه الشديدة، وما يدعو له من زهد وتقشف وترك تام للدنيا؛ (فهب القائمون عليه أنفسهم لمنافسة الملوك في السلطان، ومزاحمة أهل الترف في جمع الأموال، وانحراف الجمهور الأعظم منهم عن جادته بالتأويل، وأضافوا إليه ما شاء الهوى من الأباطيل).
ولعل من الخير أن نذكر شاهدًا ودليلًا على ما نقول من تهالك عامة رؤساء الدين المسيحي أنفسهم على الدنيا. روى ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق في خبر طويل أن سلمان الفارسي - وكان في بدء أمره مجوسيًا من أهل أصبهان - صبأ إلى المسيحية، إذ أخذ بقلبه ما سمعه من صلوات وتراتيل دينية، فغافل أباه - وكان دهقان قرية - وفر إلى الشام ليأخذ علمًا من علم أهل الإنجيل وليتصل برؤساء هذا الدين. ولما وصل إلى تلك البلاد سأل عن أفضل هذا الدين علمًا، فدُلّ على أُسقُفْ الكنيسة، فذهب إليه واستأذنه في خدمته ليتعلم منه ويلتمس من فضله. . . وهنا أترك الحديث لسلمان نفسه يقول: (وكان - يريد الأسقف - رجل سوء؛ يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئًا منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قِلال من ذهب وورق، فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع). ولما مات وقفت النصارى على ما كان يفعل، وأريتهم موضع كنزه فاستخرجوه، وحنقوا على الأسقف وقالوا والله لا ندفنه أبدًا.
ومما يجب أن يلاحظ - وقد بلغنا هذا الموضع من نبأ سلمان - أن النصارى أقاموا بعد الأسقف الذي ذكرنا خبره آخر لم ير سلمان أفضل منه وأزهد في الدنيا، فأقام معه زمانًا، ولما حضره الموت طلب إليه أن يوصي به من يرى فيه الخير مثله فقال له: (أي بني، والله ما أعلم اليوم أحدًا على ما كنت عليه، فقد هلك الناس وبدّلوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلًا بالموصل، وهو فلان وهو على ما كنت عليه فألحق به). فعل سلمان وحمد لصاحب الموصل - وقد خبره - دينه وأمره، ولما حانت منيته لم ير من يوصي به إليه إلا آخر
[ ٤٥٨ / ١٤ ]
بنصيبين، وهذا لم يجد من يوصي به إليه حين أشرف على الموت إلا رجلًا بعمُّورية من أرض الروم، لأنه كما يرى صاحب نصيبين آخر من بقى على الدين المسيحي ونهجه الصحيح حين ذاك. ومعنى هذا أن الناس في ذلك الزمن لم يطيقوا الدين المسيحي، فانسلخوا منه شيئًا فشيئاُ لما طال بهم الأمد، وقست قلوبهم فما رعوه حق رعايته
وهنا أنفِّس عن نفسي بالإشارة إلى ظاهرة أحسستها من زمن بعيد وجهدت في أن أجد لها تعليلًا: هي أن الغالب على رجال الأديان عامة - حتى المسلمين - في هذا الزمن حب المال وجمعه والاستكثار منه، وعدم المسارعة إلى أفعال البر التي تقتضي البذل والإنفاق! لماذا! لا أدري، اللهم إلا أن يكون معرفتهم بالدين معرفة دقيقة، والإحاطة بما دونه المتأخرون من الفقهاء في تآليفهم، كل ذلك جعل منهم على حبل الذراع تعلات ليست من الحق في شيء، تجعل من الهين عليهم ما نحسه فيهم من إقبال على الدنيا شديد وتخلف في ميادين البذل والإنفاق!
ومهما يكن فقد كانت المسيحية وما تدعو إليه من غلو في الزهد، وكان أهلها وما فتنوا به من حب المال والشهوات وعروض هذه الحياة، ممهدًا طيبًا للإسلام الذي جاء والإنسانية قد بلغت رشدها فكان دينًا وسطًا قيمًا لا عوج فيه، دين عرف للجسم حقه وللروح حقها، فلم يوجب التقشف ولم يحرم التمتع بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، ولم يغلق أبواب الجنان دون الأغنياء كما أعلن عيسى ﵇، بل إنه رفع الغني الشاكر إلى مرتبة الفقير الصابر وربما فضله عليه، دين نهانا عن الغلو في طلب الآخرة ونسيان الدنيا، وبخاصة وهذه قد تكون من وسائل تلك، قاصًا علينا ما قال قوم هارون له: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) دين لم يقل رسوله كما قال المسيح لواحد من أنصاره (بع مالك واتبعني)، بل قال لسعد بن أبي وقاص وقد استشاره - وهو عليل مدنف وذو مال كثير - فيما يتصدق به: (الثلث والثلث كثير! إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)، وهكذا نجد الإسلام يتناسب وما بلغته الإنسانية من رشد، والدين الذي استحق أن يكون خاتم الأديان بما يؤدي إلى سعادة الناس جميعًا مهما اختلف بهم الزمن
إذا كان هذا شأن العالم والمسيحية بصفة عامة، وهو شأن كان ينادي بضرورة دين جديد
[ ٤٥٨ / ١٥ ]
فلبى الإسلام النداء، فكيف كان حال العرب وهم مهد الإسلام ومنبِته؟ لا أظن المرء يأتي بجديد إن عرض حالة العرب قبل ميلاد الرسول وبعثه بخير دين، فقد كثر في ذلك الكلام، فْلأقتصر إذن على كلمة قصيرة نتبين منها كيف كان العرب يعكفون على ما كانوا عليه من ضلال في الدين، وضلال في التقاليد، وشدة في الخضوع لما كان عندهم من أوثان وأصنام؛ وهي حالة تستوجب الإنقاذ السريع بدين يرد للإنسان شرفه وكرامته بعد أن ألغى عقله وعبد في موطن البيت الحرام بعض ما كان يصنع بيديه!
والحديث قد طال فلنرجئ تمامه إلى العدد الآتي أن شاء الله
محمد يوسف موسى
المدرس بكلية أصول الدين
[ ٤٥٨ / ١٦ ]