لصاحب العزة الأستاذ محمد العشماوي بك
لقد قصدت حين اخترت (رسالة الطالب العربي) موضوعًا لحديث أن أتحرر مما تقتضيه المحاضرات من جهد وعمق فلا يرتفع بحثي إلى مرتبة المحاضرة وما تتطلبه المحاضرة من تقدمة وتفصيل وتحليل، وأن يكون سبيلي حديثًا مرسلًا له صفة الحديث، وهي أنه ذو شجون، فأطالعكم بما يعرض للذهن من خواطر وذكريات يطمئن لها خيالي وشعوري حين يجري حديث العرب. وهأنذا في مكاني هذا أذكر مواقف ماثلة أمامي على الرغم من بعد الشقة وتتابع الأحداث. ففي صيف سنة ١٩٣٧ وقفت على رابية من ربى لبنان الجميل أخطب كشافة العرب: لبنانيين وعراقيين وشاميين وفلسطينيين، فكنت أبصر بعيني بعض البقاع العربية وأستجمع بخيالي نائي الأقطار والديار، فلا ألمح حدودًا بين بعضها وبعض، إن هي إلا أمة واحدة في رقعة من الأرض واحدة، يؤلف بين أجزائها ماض واحد وحاضر مشترك ومستقبل منشود، ويحفز شبابها المتوثب أمل قوي في تجديد الحضارة العربية، وبعث المجد الذي حفلت به صفائح التاريخ. وكذلك لا أنسى أني وقفت أخطب شباب العراق وأتحدث في مذياع بغداد، فجعلت أسائل نفسي: أفي بغداد أنا أم في القاهرة، وعلى ضفاف دجلة أو على شاطئ النيل السعيد، أغريب أنا في هذه الديار، أم أنعم بين عشيرتي وأهلي؟
والآن أقف في جمع يضم شباب العرب من أقطار شتى في ظلال الجامعة المصرية، فلا أجد في نفسي شعور الغريب يتحدث إلى الغريب، وإنما أشعر حق الشعور بأني أتحدث إلى طائفة من بني قومي ليس بيننا وبينهم من الفوارق غير نأى الدار وشط المزار توثق بيننا أمتن الروابط الثقافية والروحية، ويهدينا إلى المستقبل قبس تلك الحضارة العتيدة التي انتظمتنا في الماضي، فجعلت منا أمة موحدة في عقيدتها وأهدافها من المثل العليا
إن رسالة الطالب العربي هي رسالة الجيل الجديد، وهي رسالة المستقبل القريب، فهذه الجماعة التي تألقت من الطلاب العرب في كلية الآداب لترسم الطريق لتحقيق الرسالة، عليها أن تبدأ بتهيئة نفسها لخوض غمارها، وتستوفي من ألوان الإعداد ما يكفل لها النجاح في مهمتها، فأول ما يجب أن يفكر فيه الطالب العربي هو إعداد نفسه وتكوين ذاته،
[ ٤٥١ / ٥ ]
وأرباب الرسالات لا يلون مهمتهم ارتجالًا ولا يرقبونها عفوًا، وإنما يحققون في أنفسهم قدرة الاضطلاع بالأعباء. ومما لا ريب فيه أن الإعداد الصحيح للطالب العربي يجب أن يتناول الجسم والخلق والثقافة، وهؤلاء فريق من طلاب العرب قدموا مصر ليغترفوا من جامعتها ثقافة وعلمًا؛ ومصر حين تقوم نحوهم بواجبها وتفسح لهم صدرها، إنما تؤدي إليهم دينًا في عنقها، فإن علماءهم وأدباءهم دانوها في مفتتح نهضتها وفي ماضي حضارتها، وقد بايعت الأمم العربية اليوم مصر بالزعامة في الأدب والثقافة والاجتماع والسياسة، فمن واجب مصر الزعيمة أن تعرف لهذه الزعامة حقها، وأن تنهض بتكاليفها، وأن تخص الطلاب العرب برعايتها
ولعل مما يحسن أن يتوجه إليه الطالب العربي في الأخذ بأسباب رسالته أن تكون ثقافته كاملة؛ فنحن بنو زمان هيمن فيه العلم على الأدب والقانون وعلى الطب والهندسة ومرافق الحياة كلها في السلم والحرب. فالإعداد العلمي ضروري لمغالبة هذه الحياة. ولن يصلح الآن أن يستقبل المرء حياته معتمدًا على التجربة أو متكلًا على الحظ؛ فذلك إن أجدى عرضًا على فرد فلا يجدي على أمة؛ وإن صلح فلا يصلح لهذا العصر الذي يهيمن العلم على كل مرافقه وأوضاعه.
وعلى الطالب العربي وهو يستكمل ثقافته أن يضع ماضي العروبة نصب عينيه؛ فإن كان خيرًا ترسمه أجمع، وإن كان الخير فيه مخلوطًا بالشر نفى عنه شره واستبقى الخير، وإن كان قد غلب الشر في حقبة من الزمن وجب اختطاط خطة تقوم على الخير الغالب. وإن وراء العرب لماضيًا حافلًا بالمفاخر، وحضارة امتدت إلى ما وراء العمران. وكان سبيل الأولين من أسلافنا أن ينتفعوا بما يستطيعون الانتفاع به من علوم الأمم وفلسفاتها ونظم الحياة فيها، فاتخذوا من مختلف الأخلاط مزاجًا جديدًا له روعته؛ وبقى هذا المزاج حتى صار أساسًا لحضارة العرب الحديثة، فرده الغرب إلينا غريبًا علينا. فمن واجب الطالب العربي أن لا ينسى ماضيه لأنه حلقة الاتصال بالحاضر والامتداد إلى المستقبل، وإذا أهملنا هذا الماضي فقد أهملنا مجدًا عظيمًا تتقطع بنا الأسباب دونه، ونفقد ما لنا من طابع وروح. وكيف نزهد في ماض ينطوي على المثل العالية في التفدية والجهاد، ويصور لنا عظمة في الخلق، وقوة في العقيدة دانت بها ممالك الدنيا جمعاء؟ فلنتبين سر هذا الماضي،
[ ٤٥١ / ٦ ]
ولنتعرف كنه هذه الحضارة، ولنتدبر الأسباب التي نقضت هذا الحكم، وهدمت ذلك البناء. وليكن ذلك التدبر وسيلة إلى العظة والاعتبار، فنأخذ من الذرائع ما يكفل النهوض، ونتجنب من العلل ما طوى للعظمة العربية علمها الخفاق.
فإذا عرف الطالب العربي ماضي الأمة العربية بأمجادها ومفاخرها، ووضحت له أسباب تدهورها وخمود جذوتها، وكان قبل ذلك آخذًا من المعرفة بالقسط الأوفى، بدأ يدرس الحاضر وأدواءه، فالطبيب لا يجدي علاجه إذا لم يكن تشخيصه للمرض صحيحًا، ولن تفيد العقاقير مهما تكن قيمتها شيئًا. وإن كثيرًا من المصلحين لتذهب جهودهم هباء على الرغم من قوة عزيمتهم وحسن بلائهم، لأنهم لم يفقهوا البيئة التي حاولوا إصلاحها، ولم يتلمسوا العوامل المؤثرة فيها، ولم يتعلموا كيف توجه الشعوب وكيف تواجه العلل
فليكن هم الطالب العربي أن يدرس العلل الخلقية والاقتصادية التي أثرت في البلاد العربية فردتها عن الصدر، وقد تكون هذه العلل واحدة تشترك في معاناتها سائر أقطار العرب، وقد تكون لكل قطر علته الخاصة به، فعلى كل الطالب أن يتفهم العلل التي ينفرد بها وطنه الأصغر، ثم يتفهم العلل المشتركة التي تصيب وطنه الأكبر؛ فإن كان هناك فرقة استجلي أسبابها ودواعيها، وإن كان هناك جهل أو ضعف خلقي تفحص مصادره وبواعثه، وإن وجد تخلفًا في ميدان الصناعة أو التجارة استهدى إلى بواطن هذا التخلف. ومتى فرغ من هذا الدرس والفحص أمكنه أن يرسم منهاجًا سليمًا لنهضة علمية خلقية عملية على أساس قويم.
وجدير بكل طالب عربي أن يتمثل له الوطن الأصغر والوطن الأكبر. فوطنه الأصغر شبيه بالأسرة تضم ما لها من أبناء، ووطنه الأكبر شبيه بالأمة تحتوي سائر الأسر. وإني لأتصور الأمم العربية كلها أسرة كبيرة واحدة لها أب واحد وأم واحدة، فشاء ذلك الأب أن يوفر لبنيه الكثيرين أسباب الاستقلال والنماء ففرقهم في منازل شتى يعنى كل منهم بشأنه، ولكن تبقى بينهم أواصر القربى تجمعهم تحت لواء واحد تؤلف بينهم عند الأحداث فإذا هم كالبنيان المرصوص. والحق أن من يزور الأقطار الشقيقة يحس هذا الشعور وهو يجتاز بلدًا إلى بلد، ويتنقل بين أهل وأهل، فلا حدود ولا فوارق، وإنما هو وطن بعيد الأطراف وحدت بين أجزائه المترامية روابط الدين واللغة والثقافة، وألفت بين قلوب أبنائه آمال
[ ٤٥١ / ٧ ]
متشابهة وأهداف مشتركة.
ولا أظن أن ثمة رابطة أقوى من الرابطة الثقافية في وصل الشعوب بعضها ببعض. فالأمم العربية بخير ما توثقت روابط الثقافة بين شباب العرب لأنها توحد بين الأفكار، وتجمع بين القلوب، ويتسنى بها لكل رابطة سياسية أو اقتصادية أن تجد طريقها إلى القبول. ولا يستطيع أحد أن يتصور أممًا تتفرق بعد أن يتم التوحد بين قلوبها وأفكارها وأمانيها جميعًا.
ومما نوصي به الطالب العربي أن يؤمن إيمانًا عميقًا بأن اللغة الفصحى هي أداة الاتصال بين الأمم، وإنه يجب أن يقوم على دعائمها صرح الثقافة العامة، فلقد طوفت في الشام والعراق وغيرهما فما كان يتيسر لي تقارب الفهم والإفصاح عن مكنونات النفس إلا حين اخترت الفصحى أسلوبًا لحديثي؛ فإذا تدسست اللهجات أفسدت ما بيني وبين محدثي من تعارف، وأسلمتنا إلى التناكر البغيض. فالفصحى هي التي تجمع شملنا؛ وهي التي تقارب تفكيرنا، فليكن من مهمتنا نحن الدعاة إلى الوحدة العربية أن نحرص على الفصحى، وأن نداني بين الأساليب في شتى الأقطار، وأن نعمل على تيسير هذه اللغة لكي يسهل لنا استخدامها في الثقافة المشتركة بين الناطقين بالضاد
ولقد أشرت في مطلع حديثي إلى ضرورة إحيائنا لماضينا. وقد يقال إن لكل أمة من الأمم العربية ماضيًا خاصًا، والواقع أن هذا الماضي مشترك بين أمم العرب لأنها كانت تخضع في حقيقة الأمر لنظام واحد، وتستمد حضارتها وأنماط حياتها وتفكيرها من منبع واحد في الأكثر الغالب؛ فمن أركان رسالة الطالب العربي إحياء ماضي العروبة في التفكير، وعرض هذا التراث الفكري العظيم في إطار جديد. فذلك الماضي يستند إلى دين محكم وضع نظامه ليواجه مشكلات الحياة في كل عصر وكل بيئة؛ ولكن لا بد لنا من أن نتفهم روح الدين السامية على وجهها الصحيح خالصة من البدع محررة من الجمود. فلو استمسكنا بذلك النظام الذي وضع أساسه ديننا القويم لاستطعنا الخروج سالمين من نوائب الزمن التي يرجع مصابنا بها إلى تنكبنا ذلك الطريق المستقيم. وعلى أن لنا مع ذلك ماضيًا تاريخيًا يجمل بنا أن نحييه في أنفسنا معتزين به ليكون حافزًا لنا على التوثب والرقي. ولنا كذلك تراث أدبي وعلمي عني به علماء الغرب قبلنا وكان له أثره في اتساع آفاق تفكيرهم الفلسفي والاجتماعي. فيجب أن يكون لنا في هذا التراث مأرب عظيم وأن نعمل على
[ ٤٥١ / ٨ ]
تجديده وتنظيمه بما يلائم تطور الفكر الإنساني، وأن نقرب موارده للدارسين والباحثين وطالبي المعرفة. فقد طالما طالعتنا الحقائق بأن كثيرًا من نظريات آبائنا السالفين في نواحي العلم يؤيدها الفكر الحديث ويحتفل بها العلماء المعاصرون
غير أننا مع احتفائنا بذلك التراث العظيم ودعوتنا إلى إحيائه والانتفاع به لا يجوز أن نتعصب له ونطرح ما عداه فنقول إن ثقافتنا كل شيء في الحياة، وأننا نستغني بها عما سواها، بل نعمل كما عمل أجدادنا العرب، وننهج طريقهم في اكتساب المعرفة، فلقد نشدوا العلم من شتى مصادره وفرضوه على كل مسلم ومسلمة، وقربوا إليهم العلماء دون تفرقة بين أصيل ودخيل فانعقد لهم لواء الحضارة في فجر نهضتهم، وسخروه لدولتهم وصولتهم. فلنتزود من العلم الصحيح حيث يكون فالعلم لا حكر فيه لأحد ولا وطن له ولا دين
وإنه من تباشير الخير في الشرق أن يوفد أبناءه ليتلقوا العلم من جامعة مصر. ومن تباشير الخير في مصر أن تفتح جامعتها الأبواب لكل وافد عربي. ولقد كنت أتحدث إلى بعض أولي الأمر في البلاد الشرقية أثناء جولاتي فقلت له في سياق الحديث لم تنشئ كل من سورية والعراق وفلسطين جامعة، وليس إنشاء الجامعات بالأمر الهين ولا يقصد به مجرد المظهر، فقليلًا ما يتوافر العلماء، وقليلًا ما يتيسر المال اللازم للإنشاء؟ ولم لا تكون الثقافة الجامعية في الشرق موحدة فتكون جامعة فؤاد الأول في مصر جامعة الشرق كله يفد إليها الطلاب العرب فيتزودون زاد إخوانهم طلاب مصر العرب
إني كلما أفضت في حديث مشكلة اجتماعية يتملكني عاملان: عامل يأس وعامل رجاء. وهذا هو شعوري بعد أن ألمعت لكم برسالة الطالب العربي؛ فيحضرني عامل الرجاء حين أرى طائفة من شباب العرب فيها مخايل الرجولة الكاملة تفكر في العرب وثقافة العرب ومستقبل العرب، وتكون من أنفسها جماعة تدعو إلى رسالتها، وتنظم المحاضرات في موضوعاتها، فهنا يقوى الرجاء ويبتسم المستقبل. ويحضرني عامل اليأس حين أتفرس في الحياة الاجتماعية التي يحيا العرب في أكنافها، فأرى في بعض ما أرى نوعًا من الانقسام، وألاحظ بلبلة في الرأي، وتباعدًا عن فكرة الوطن الأكبر، واشتغالًا بتوافه الأمور عن جلائلها. وهنا يلحقني التردد في الاطمئنان إلى الأمل والرجاء؛ ولكن إذا كانت عوامل اليأس مما تجوز لمن هم على عتبة الشيخوخة أمثالي فإن الشباب يجب أن يمتثلوا أملًا
[ ٤٥١ / ٩ ]
وطموحًا وثقة بالغد المنتظر، وأن يكونوا رسل إيمان ويقين في المستقبل المنشود، فإنهم بهذه الروح تلين لهم الصعاب وتنفتح لهم أبواب الجهاد لتأدية رسالتهم العظمى رسالة الإنهاض للشعب العربي ورده إلى مكانه في الصدر الأول وإسلامه إلى مستقبل ميمون الطلعة مبارك النفع إن شاء الله
محمد العشماوي
[ ٤٥١ / ١٠ ]