للدكتور جواد علي
اتخذت محمد بن عبد الله (أو عبدون) الجبلي موضوعًا لحديثي، لأن الجبلي من الشخصيات الفذة التي يجب أن تدرس ويجب أن تقرأ ويجب أن يذكر عنها شيء، وذلك بالرغم من إهمال المؤرخين والمترجمين شأن هذا الفيلسوف وغضهم النظر عنه؛ فلم يذكروه إلا عرضًا ولم يحفلوا به إلا قليلًا، وبالرغم من إعراض قومه وهم سكان الأندلس وعرب الغرب عنه وإغفالهم أمره لسبب كانوا يذكرونه بمرارة عنه، وحقد قديم كان قد علق في قلوبهم ضد فيلسوفهم؛ ذلك لأنه كان يدين بعقيدة تختلف نوعًا ما عن عقيدتهم، ويقدس فيلسوفًا أعجميًا غريبًا تقديسًا يكاد يصل حدود الغلو والإغراق؛ وهذا ما كان يزعجهم ويؤذيهم
وكان هذا الفيلسوف الأعجمي الغريب الذي قدسه محمد ابن عبد الله بن ميسرة (مسرة) ابن نجيح القرطبي هو الفيلسوف اليوناني بندقليس أو أبيذقليس أحد فلاسفة اليونان القدماء وأول الفلاسفة الخمسة الذين وضعهم العرب في قائمة الحكماء اليونانيين الممتازين وقد ميز هؤلاء عن بقية الفلاسفة بنعوت تدل على مقدار تقدير العرب لهم وإعجابهم بهم. نعتوهم مرة (بالحكماء الخمسة) ونعتوهم أخرى بأساطين الحكمة). سلكوا في ذلك سبيل اليونانيين ونهجهم. وكان اليونان قد اختارواقديمًا سبعة أشخاص الفلاسفة القدماء لقبوهم (بالحكماء السبعة) وأسبغوا عليهم صفات في العلم والاطلاع والحكمة تكاد ترفعهم من صفوف البشر إلى صفوف سكان السموات
وقد ميز العرب أيضًا بين هؤلاء الحكماء فجعلوا أفلاطون مثلًا رئيسًا على الحكماء الإشراقيين. وجعلوا أرسطو زعيمًا على رأس الفلاسفة المشائين المعروفين. وأحاطوا هؤلاء الفلاسفة الحكماء بهالة من التقديس والتعظيم، وزادوا على زمان بعضهم أزمنة ليزيدوا على رأيهم في كثير من المسائل التي تستهويهم تعظيمًا وفي شانهم شأنًا، فقالوا عن بندقليس مثلًا إنه كان في زمان داود النبي، وأنه أخذ الحكمة عن لقمان بالشام، إلى أمثال ذلك من روايات. ولعل مصدر ذلك الكتب التي دونها أتباع مذهب هذا الفيلسوف والتي وجدت لها سبيلًا إلى اللغة العربية، والذين كانوا لا يكتفون بالمبالغات عن زعيمهم بل
[ ٤٥١ / ٢٥ ]
نسبوا إلى زعيمهم المعجزات والكرامات والقدسية الإلهية، وقالوا بأن أرواح الآلهة حلت فيه
وكان صاحبنا محمد بن عبد الله الجبلي الباطني كلفا بفلسفة بندقليس دؤوبًا على دراستها ملازمًا لها مجاهرًا بغرامه العلمي هذا، فاتهمه أبناء قومه لذلك بالزندقة والإلحاد، وغضبوا عليه حتى أضطر إلى الخروج إلى المشرق فارًا سنة سبع وأربعين وثلثمائة (٩٥٨م) ودخل البصرة ومصر ودبر مارستانيهما وتمهر في الطب ونبل فيه، وأحكم كثيرًا من أصوله، وعانى صناعة المنطق عناية صحيحة واشتغل بملاحاة أهل الجدل وأصحاب الكلام وأتصل بأساطين هذه المواضيع؛ وهذا ما زاد في قوة علم صاحبنا قوة وفي منطقه فصاحة وبلاغة
ذهب أصحاب بندقليس مذهب الفيثاغورثيين في العدد وفي الرموز والإشارات وتناسخ الأرواح. حولوا الفلسفة من فلسفة ظاهرة واضحة ذات قواعد معينة إلى فلسفة ورموز وإشارات وأسرار دينية فانتقلت هذه الفلسفة من الفيتاغورثيين إلى المسلمين فظهرت فلسفة قائمة بذاتها اعتقدها جماعة من المسلمين حتى العصور المتأخرة واكتسبت صبغة خاصة دينية لدى جماعة (الحروفية) من المسلمين. ونظرًا لغموض تعاليمهم الفلسفية هذه أطلق عليهم اسم (الباطنية) أيضًا وهم غير الباطنية المعروفين الذين كان منهم الإسماعيلية، وإلى الباطنية الفلسفية نسب صاحبنا محمد بن عبد الله الجبلي
أتصل محمد بن عبد الله أثناء إقامته ببغداد بشخصية كبيرة من شخصيات العلم في العراق هي شخصية محمد بن طاهر أبي سليمان ابن بهرام السجستاني البغدادي، وهي شخصية كبيرة ذات مركز مهم خطير في عالم المنطق والجدل. فاستفاد الباطني منه كثيرًا وتعلم من هذا الأستاذ فن الإقناع والتأثير في الجمهور والقدرة على البحث في شتى المواضيع المتنوعة، وكانت له قابلية عجيبة على التأثير في المستمعين: له لسان خلاب يتوصل به إلى حرارة، وقابلية عجيبة على إبداء الحجج والإقناع. فلما عاد إلى وطنه الأندلس أظهر النسك والورع والتقوى وأغتر الناس بظاهره واختلفوا إليه وسمعوا منه وتكونت له جماعة التفت حوله ودانت بعقيدته وظلت تلازمه وتجتمع به سرًا حتى توفي ١٥١)
حمل الجبلي إلى الأندلس منطق السجستاني وقواعد أهل العراق في الجدل والمناظرة، وقد
[ ٤٥١ / ٢٦ ]
جدد بذلك ما كان قد بدأ به محمد ابن إسماعيل المعروف بالحكيم، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن زيد المعروف بالإقلقدي، وهو صاحب تأليف مشهور لدى أهل الأندلس في اختصار الكتب الثمانية في المنطق، وعلي بن أحمد بن حزم وكان من أهم أركان هذه الحركة في الأندلس فقد انصرف هذا العالم هو وابنه من بعده خاصة إلى المنطق دون سائر الفلسفة إلا أن هذه الحركة لم تكن مستقلة كتلك الحركة التي ظهرت في الشرق ولم تكن قوية. كان عماد منطق أهل الأندلس على منطق أهل العراق وعلى الأخص منطق السجستاني ومنطق متي ابن يونس والفارابي وأمثالهم من زعماء هذه الزمرة
حاول علماء الشرق أن يرفعوا المنطق إلى مصارف علم الفراسة أو علم النفس، حاولوا أن يستدلوا به على معرفة دخائل أمور الفرد وطراز تفكيره، وحاولوا أن يجعلوه سلاحًا ماضيًا بأيديهم يسكتون به الخصم، حتى أطلق عليه الرئيس الفيلسوف ابن سينا (علم الفراسة) في رسالته (قصة حي بن يقظان). أما أهل الغرب فكانوا يرون فيه - وعلى الأخص رجال الحكم والسياسة - شيئًا لا يليق بأهل التقي والدين
جواد علي
[ ٤٥١ / ٢٧ ]