ساحرة الجبال
للأستاذ صلاح الدين المنجد
نَعِمْت الليلة بزورة من آنستي. فجفوتُ حديقة أبيقور، وكنتُ أرتع فيها منذ ثلاث، وجلست بين يديها؛ فهي كتاب حي كله إبداع وإغراء. وهي بساّمة جذابة، كأن جسمها الأهيف ظَرْفُ فتونٍ وعطور، وكأن ثغرها الحبيب جمرة ترفّ ولهب يفور. ولا سبيل إلى الإنكار فهي حلوة بارعة الجمال
دخلت عليّ تقفز وتضحك، وإذا ضحكت آنستي، فالدلُ الناعم، والنَغْم الجذاب. فرمت قفازها في الأرض، وفراءها الأشقر على نضد الزهور، واقتربت من المدفأة جذلى وهي تقول:
- مررتُ، وأنا آتية إليك، بعجوز. فدفعُتها فانغمست في الطين!
ثم قهقت، فقلت
- أوه. . .! ولم إذًا؟. . .
- طلبت قرشًا وألحت، ثم أمسكت بفرائي، فزجرتها، فتبعتني، فدفعتُها وأسرعت!
وآنستي لعوب يروقها أن تعبث بالعجائز كلما صادفتهن، فتغمز بهن، وتسخر منهن، كأن ثارًا لا يدرك بينها وبينهنّ.
قلت لها وقد جلست أمامي تجعد شعرها والمقعد يصيح تحتها:
- أراكِ مسرورة، ألا تخافين؟
- هه. . . ومما أخاف؟. . .
- أن يصيبك - مثلًا - ما أصاب الأميرة التي طردت الساحرة العجوز لماّ سألتْها قطعة من اللحم
- وماذا أصابها. . .
- انقلبت عجوزًا ذات شعور بيض، وأسنان دُرْدْ، بعد أن كانت فتّانة الصبا جذابة الجمال
فضحكت ضحكة طويلة. . . وقالت مستغربة:
- وكيف صارت عجوزًا؟
[ ٤٥١ / ٣١ ]
- قلبتها ساحرة الجبال. . . لأن العجائز مصونات محوطات، ما آذاهن أحد إلا مسّه السوء. . .
- وكيف كان ذلك. . .؟
- لا تسخري، أصغي إلّي، أقرأْ عليك قصّتها:
وتناولت كتابًا من جانبي وقرأت: (هاهي ذي تترك كهفها المظلم، مأوى الخفافيش، لتحدر إلى السهل من مهاوي الجبال، وتزور القصور والسفوح.
(إنها قصيرة، قصيرة جدًا. تلبس رداء من جلد الذئاب، وتسعى وراء الفلوس والقروش؛ فهي عطشى للمال على رغم غناها. لقد قالوا إن الغيران التي تملكها في الجبال مترعة بأساور من فضة بيضاء، وأن بقراتها ذوات القرون المذهبة ترعى في الأهاضيب الخضر، على شطآن السهول.
(لقد عجب الناس إذ رأوها، وقالوا: ماذا أتت تفعل في السهول، ولِمْ تركتْ كهوف الذئاب. . .؟
(إنها عجوز هَرمة. يا بعد وجهها الأصفر القبيح، الرفاف بالدهون، وأنفها الغليظ النافر، وعينيها الصغيرتين الوامضتين تحت الأوساخ كالجمرات تحت الرماد. . . يا بعد ذلك من صباحة العذارى وحلاوة الفتيات!
(لقد زعموا أن لها من العمر مئات السنين، وأنها قادرة على إنزال البَردَ وإيماض البرق. وهي تضلّ القطعان، وتسلّط الذئاب على الخرفان؛ وفي إكرامها الخير والبركة. . . فمن حَقَرَها فجزاؤه أن بنفر الحصان، ويحترق الكوخ، وتعلّ البقرة، وتجن الزوج. . .
(يا ويحها! لَمَ هبطت من ذرى الجبال. . .؟ لِمَ تركت غيران الذئاب. . .؟ ولماذا يصحبها البوم، وترف حواليها الخفافيش، وتخرج الحدآت فيملان الأفق ويغزون الدور والقصور. .؟
(إنها تمشي مطمئنة، لا تخاف شيئًا ولا تفزع من مخلوق، وهل هي ذي تصل إلى قصر الأميرة الشامخ ذي العُمُد البيض والجدران الشواهق
(وداست بحذائها الغليظ المصنوع من قشور الأشجار العتاق مماشي الحديقة المطرَّزة بالأزهار، ثم صعدت السلم إلى الطبقات العُلى
[ ٤٥١ / ٣٢ ]
(وكانت الأميرة في روشن القصر تتمتع بروعة السماء وأناقة الرياض، وقد حمل لها خادمان قطعًا من اللحم المشوي ذي الرائحة الطيبة. . .
(وبدت العجوز ومدت يدها إلى اللحم. . .
وشدهت الأميرة فنادت:
- ويلك أيتها العجوز السارقة. . . أذهبي. . .
فقالت العجوز:
- أعطيني قطعة لحم. . . أعطيني. . .
- مجنونة. . سارقة. . . أخرجوها. . .!
- أعطيني قطعة من اللحم الأشقر المشوي. . .
- لا. . . لن أعطيك يا عجوز القبح. . . لن أعطيك فأذهبي. . . أطعمها للخفافيش ولا تذوقين طعمها. . .
واضطربت العجوز، ثم أخرجت قضيبها الأخضر المسحور وتمتمت وبربرت، ثم قالت:
- إذن فلتفترسك الخفافيش!
وكنت أرامق آنستي وأنا أقرأ لها، فرأيتها قد فغرت فمها الصغير، وتورَّدت وجنتاها الريانتان، وحملقت عينيها الناعستين فبدت كالطفل المذعور، فقالت:
- ثم ماذا أصابها. . . أتمم. . . أتمم. . .؟!
(وجمدت الأميرة من الخوف: أرادت أن تضحك فلم تستطع وحاولت البكاء فجمد الدمع. . .!
(وأقبلت خفافيش الغاب، مناقيرهن حمر، يبتغين افتراسها وكن يضحكن ضحكات ملأى بالسخرية. تنشر الذعر وتبعث الخوف!
(لقد أسرعت الأميرة إلى مخدعها وأغلقت الباب، ولكن رنين الضحكات واصطفاق الأجنحة كانا يسمعان في كل مكان!
(وعاشت الأميرة فلم تر عيناها بعد ذلك اليوم عذوبة الصباح، ومتوع المساء، وفرح الحياة. . . واختبأت في الظلام وراء السُجف الصّفاق خوفًا من الخفافيش
(وأصبحت بعد أيام، وإذا شعورها تبيض، ووجها يتجعد، وإذا هي عجوز
[ ٤٥١ / ٣٣ ]
(أين صباحتها الضاحكة، أين شعرها الناعم، أين جسمها الطري. . . أين. . .؟)
ونظرت إلى آنستي، فإذا بها قد اقتربت مني وأمسكن بيدي، وإذا رأسها الجميل الأشقر يميل برفق على كتفي. . . كأنما خدَّرها دفء الهواء، وأفزعتها خفافيش الغاب، وأحزنها دفعها السائلة، فخافت أن يدركها الهرم، ويضحك في رأسها المشيب
نامي آنستي. . . نامي. . . ولا تفزعي، فتلك أساطير وأوهام
(دمشق)
صلاح الدين المنجد
[ ٤٥١ / ٣٤ ]