وزير مصر يمهد للوحدة العربية
للأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف
التعارف سبيل التآلف في الميول والرغبات، والتفاهم على المقاصد والغايات، والأخذ بأسباب المودة الوطنية الأكيدة، وإذا قلت التعارف فلست أقصد ما يجري من ذلك على الأوضاع الرسمية والتقاليد الدبلوماسية، وإنما أعني التعارف الذي تتقارب به الأرواح، وتتمازج فيه العواطف، وتتضامن به الفكر والغايات، فيكون كل فرد في دائرته قبلة صاحبه ووجهته، ويكون الجميع في هذه الدائرة حلقة متماسكة لا تنفصل، وقوة متساندة لا تلين، ووجهة واحدة في تحقيق الخير الشامل والصالح العام
هذا التعارف أحوج ما تكون إليه الأمم العربية، وهي في هذا الطور تنشد الوحدة بين أفرادها، والتعاون بين حكوماتها، والتآلف بين أبنائها، والتضامن القوي الجميع في تحقيق الآمال المشتركة والأغراض المتفقة والغايات المنشودة. وإذا كانت تتلك الأقطار ظلت نحو ربع قرن من الزمان وهي تكافح في هذا السبيل، فإن كل أمة بقيت في هذا الكفاح محصورة في ميدانها، ولم يكن يربطها في ذلك إلا زيارة وزير تجري على الوضع الرسمي، أو نقلة كبير يقوم بها عابر سبيل إن صح أن يكون هذا رباطًا بين الأشقاء الخلصاء.
وفي الفترة الأخيرة فطنت الأمة العربية إلى ما يجب عليها في هذا الشأن من توطيد التعارف وتبادل العواطف، ورأت أن خير ما يؤدي إلى هذا السبيل هو عقد المؤتمرات العامة ليلتقي بذلك قادتها وزعماؤها، وليكون مدعاة تقاربها وامتزاجها بما يتم من تبادل الرأي وتضامن الأفكار في تحليل المسائل الهامة وتذليل العقبات الصعبة، والتغلب على ما يقف في سبيل نهوضها. وإننا لنكتب هذه السطور وقلوبنا مفعمة بالغبطة والبهجة لعقد مؤتمر المحامين العرب الذي دعت إليه سوريا، فتم على صورة رائعة موفقة دلت على الصدق والإخلاص في الأخذ بأسباب نهضة شاملة ووحدة جامعة، ويقظة تملأ النفوس والقلوب، وإذا كانت سوريا قد أحسنت في الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر الهام في هدفه وغايته، وإذا كانت قد أحسنت مرة أخرى إذ دعت إليه جهابذة القانون وعلماء التشريع في
[ ٥٨٢ / ٢٢ ]
مصر ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، فنهضوا إلى تلبية دعوتها الكريمة فخورين مبتهلين، فإن مصر قد أحسنت من جانبها كل الإحسان، إذ رأت أن يكون رئيس الوفد المصري في هذه السفارة وزير العدل، ثم أحسنت كذلك مرة أخرى إذ اختارت صاحب المعالي الأستاذ محمد صبري أبو علم باشا بذاته، ليكون رسول أمته في تبليغ أمانيها وتوضيح غاياتها بين وفود العروبة في هذا المؤتمر، فإنه بعقله وحكمته، وبما حباه الله من سعة الإدراك والمواهب، وبما تم له من شرف السمعة وقوة الخبرة أبلغ ما يكون في تبليغ الرسالة، وأقدر ما يكون لحمل الأمانة، وأوفق ما يجب لتمثيل مصر الزعيمة بين وفود الأقطار الشقيقة
أحسنت مصر كل الإحسان ووفقت حكومتها كل التوفيق في اختيار معالي صبري باشا في هذه المهمة نظرًا لما اكتمل بشخصيته من بلاغة الحجة، وبراعة التعبير، ودقة البحث وعمقه في ميدان التشريع، ثم هو في ميدان الدعوة للعربية يمتلئ غيرة وحماسة ويتدفق إيمانًا بالحق ويقينًا بالصدق، مما وسع له في المنزلة والمكانة في قلوب أبناء الأقطار الشقيقة؛ فكلهم له أخ وصديق، وهو لهم جميعًا أخ وصديق، لهم في قلبه وفي نفسه ماله في قلوبهم وفي نفوسهم، ولا ريب أنه كان يعبر عن ذات نفسه أصدق تعبير، إذ قال عند سفره: (إنني بانتقالي إلى سوريا أنتقل إلى قطعة من مصر وأهل هم من أبناء مصر)، لأنه هكذا يرى في كل قطر من أقطار العربية وهكذا إحساسه نحو أبناء العروبة.
ولقد كانت لفتة بارعة من هذا الفطن اللبق، إذ تقدم إلى فخامة رئيس الجمهورية السورية بهدية متواضعة في قيمتها ولكنها عظيمة في دلالتها. أجل لقد قدم إلى فخامته مسبحة حجازية، وماذا تكون قيمة المسبحة مهما بلغت، إلا أنها جلب من الحجاز الشقيق، فهي إشارة لها مغزاها ومعناها في الحرص على جمع الشمل، وتوطيد الوحدة الجامعة، وإلا فما كان أهون على الوزير أن يختارها هدية منسوبة إلى مصر، ولكنه يرى أن مصر والحجاز وسوريا وسائر الأقطار الشقيقة كلها وطن العروبة، وكل ما فيها عام للجميع.
بهذا الشعور الفياض الدافق قصد معالي صبري باشا إلى ملاقاة أبناء العروبة في سوريا، وبمثل هذا الشعور اليقظ النابض تلقوه مرحبين مبتهجين يرون في صورته صورة مصر الزعيمة الأمينة، ويلمسون في إحساسه الشريف إحساس مصر الصادقة الغيور؛ فهو ينزل فيهم على الرحب والسعة، ويمشي على الإكرام والتكريم؛ فاستقبله فخامة الرئيس استقبالًا
[ ٥٨٢ / ٢٣ ]
يفيض بالمحبة والمودة، ودعاه الوزراء والكبراء إلى حفلات تكريم هي مظهر الصداقة والأخوة، وصدرت الصحف كلها مزدانة بصورته، تطرى فيه عالمًا جليلًا وقائدًا مجاهدا ووزيرًا مشرعًا ورسولًا كريمًا من الكنانة الخالدة إلى شقيقتها المحبة المخلصة؛ فماذا يكون هذا كله وما الغرض منه والدافع إليه إلا أنها عواطف أبناء العروبة، نضجت على الإخاء واستوت على الرخاء، وإلا أنها منزلة كريمة لمصر بين شقيقاتها من الأمم يرفع لواءها زعيم مصر ويؤدي رسالتها وزير مصر
لقد تجلى هذا الشعور كأوضح ما يكون في موقف الوزير في حفلة افتتاح المؤتمر ليؤدي تحية النيل - على حد تعبيره - إلى بردى والفرات وفلسطين ولبنان وشرق الأردن مقرونة بالإعجاب وعرفان الجميل. فلم يقف في أداء هذه التحية عند واجب المجاملة الكلامية، بل ولم يقف عند الحدود المرسومة لمباحث المؤتمر ومداولاته، ولكنه امتد في التحية بما تطمع إليه مصر وما ترجوه لشقيقاتها من الخير وما تتمنى أن يكون من عقد المؤتمرات النافعة المثمرة، إذ قال في خطبته موجهًا الخطاب إلى فخامة رئيس الجمهورية السورية ورجال حكومتها الاماجد وأعضاء المؤتمر:
يا فخامة الرئيس
يجتمع حولك في هذه القاعة ممثلو البلاد العربية، وإن اجتماعهم في هذه الظروف وفي هذه المناسبة لفياض بالمعاني، جياش بالحقائق، هاتف بالرجاء في المستقبل، عازف بألحان الأمل البسام، هابط برسالة المجد والسلام، ناشر لصحيفة من الصحف الأولى، صحف الأولين الخالدين من أبطال التاريخ العربي المجيد
نجتمع هنا في هذه القاعة حاملين إلى فخامتكم، وإلى حكومتكم، وإلى كل أمة ممثلة هنا صورة من الآمال التي تحدونا، وآية من المجد الذي ينادينا، ونورًا من الإصلاح الذي نعمر به نوادينا، نجتمع لا لنستلهم مجدًا فرديًا. ولا لنستمطر السماء على بلد دون آخر. إن لساننا ليهتف مع الشاعر العربي إذ يقول:
ولو أنى حبيت الخلد فردًا لما أحببت بالخلد انفرادًا
فلا هطلت علي ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا
وإن الوحدة التي يبغيها المحامون المجتمعون هنا للتشريع هدفًا وغاية هي صورة مصغرة
[ ٥٨٢ / ٢٤ ]
للوحدة التي تبتغيها الأمم العربية في الحياة مثلًا أعلى وحصنًا تحتمي فيه عند كل ملمة، وبقدر ما يصادف هذا المؤتمر من توفيق ونجاح تتفتح أبواب الخير لمشروع الوحدة العربية، وإننا إن شاء الله لواصلون إلى تحقيق هذا المشروع؛ فإن مشروعًا عظيمًا كهذا تخفق من حوله قلوب الملايين من أبناء الأمم العربية داعية متهللة وتتولاه أيدي كرام الزعماء الذين وضعوا أيديهم في يد زعيم مصر رفعة مصطفى النحاس باشا بعد أن عاهدوه على العمل لإنقاذه وجعله حقيقة لمشروع مكتوب له التحقيق والتوفيق إن شاء الله
وهذا كلام طيب يملأ كل نفس مخلصة بالغبطة، ولقد كان وقعه في نفوس المؤتمرين جميلًا إذ قابلوه بالتصفيق والهتاف تحية لمصر المجاهدة وتقديرًا لوزيرها الصادق الأمين وإكبارًا لطموحها الموفق السديد، ولن يسع كل عربي مخلص إلا أن يكبر المعنى المقصود في هذا الكلام وأن يسأل الله تحقيق الأمل فيه.
محمد فهمي عبد اللطيف
[ ٥٨٢ / ٢٥ ]