لحن ثائر وطبيعة منحرفة!
للأستاذ زكريا إبراهيم
شعلة متوهجة تقدح الشرر، ولهب حار تتراقص فيه النيران، وسيل جارف تتدفق منه الأمواه: تلك هي ملحمة نيتشه الفلسفية الرائعة!
إنها شعر دافئ ينبض بالحياة، ولحن ثائر يزخر بالقوة، وموسيقى صاخبة تفيض بالنشوة. . . هي فلسفة حية نبعت من قلب الوجود، وسرت في دماء صاحبها حارة فائرة، ثم تدفقت على لسانه عاصفة هوجاء تهدر وتزفر! ولكنها فلسفة قد شاقها الأفق البعيد، واستهواها النجم القصى، فلما حلقت بجناحيها كالنسر في أجواز الفضاء، وأشرفت على الوجود من قبة السماء، لعبت برأسها نشوة العلو، فتضاءل الوجود في عينيها المشدوهتين، وتصاغر الكل تحت جناحيها المنشورين!
. . . أجل، إن في شعر نيتشه سحرًا غريبًا يستأثر بالخيال؛ فإن الصور والمشاهد تتابع فيه كالرؤى والأحلام، والنفس تتنقل معه كأنما هي في رحلة رومانتيكية رائعة في بلاد ساحرة فاتنة: تمر بها المشاهد الأليمة المرعبة، بعد المشاهد السارة المبهجة، ويطوف بها الغريب المضحك، بعد الجليل الرائع؛ ولكن الأمر الوحيد الذي يفسد على الإنسان كل ما في نيتشه من الجوانب الوجدانية المستحبة، ويدفعه إلى النفور منه والعزوف عنه، هو تلك الكبرياء المتعالية التي اصطبغت بها فلسفته، وذلك الغرور المتطرف الذي اتسمت به أحكامه. . .
كان نيتشه يعتقد أنه نسيج وَحْدِه، ولذلك فقد اتخذ في كل مؤلفاته موقف فاوست المتمرد ذي النزعة الرومانتيكية، وثار معه على كل قانون، وكل أخلاق، وكل حياة اجتماعية. ولما تضخمت عنده شخصيته، أصبح ينظر إلى ذاته على أنها مركز للعالم كله، لا بل أستغفر الله، على أنها تستوعب العالم كله وتضمه تحتها! فإذا قال نيتشه بفكرة، فقد وجب ألا يكون أحد قد سبقه إلى تلك الفكرة؛ وإذا أصدر نيتشه حكما، فلا بد أن يكون هذا الحكم صحيحًا، ولو أجمعت الإنسانية كلها على أنه غير صحيح!. . . لقد عاشت الإنسانية على قيم فاسدة وشرائع كاذبة، فلابد من أن يأتي نيتشه بلوحة جديدة للقيم يقضي بها على كل تلك الأوهام
[ ٥٨٢ / ١٠ ]
والخرافات التي ظلت الإنسانية تحرق لها البخور طوال حياتها! أليس نيتشه هو مسيح العصر الحديث الذي اعتقد في نفسه أنه أعظم رجل أنجبه عصره؟ ألم يقل نيتشه إن الثورة الفلسفية التي سوف تحدثها آراؤه، ستكون نقطة البدء لانقلاب هائل يحل بالإنسانية كلها؟ ألم يعتقد نيتشه أنه حطم شريعة المسيحية ووضع حدًا لقيمها الكاذبة ومعاييرها الخاطئة؟ إذن فليس من حرج عليه إذا قال بملء شدقيه: (إن الناس تخطيء الحساب، إذ تعتبر بداية التاريخ، ذلك اليوم المشئوم الذي بدأت به المسيحية. أجل، لماذا لا تكون بداية التاريخ هي نهاية المسيحية؟ إذن فلنحسب القرون والأجيال، ابتداءً من اليوم، فإن يومنا هذا هو يوم تحول مطلق للقيم والمعايير كلها)!
هكذا قال صاحب لوحة العهد الجديد، الذي آمن بالأرستقراطية المتطرفة، وانتهى به غروره إلى قمة الجنون الباردة وليس بدْعا أن يعتقد نيتشه في نفسه أنه مسيح العهد الجديد، فقد خيل إليه أن شريعة المسيح قد تهدمت على يديه، وأن عليه هو أن يقدم للإنسانية شرعة جديدة يقيم بها بناء القيم من جديد! وقد قارن نيتشه بين نفسه وبين المسيح، وقدم نفسه في كتابه: (هاهو ذا الإنسان!): باعتبار أنه المسيح الجديد! وحينما كان الجنون قد أخذ يتسلل إليه، نراه يوقع خطابه الأخير إلى (براند يس) بإمضاء (المصلوب)! وليس من عجب أن يعتقد نيتشه ذلك نفسه، فقد توهم أن العمل الذي قام به في عالم الأخلاق والفلسفة، عمل فريد لم ينهض به أحد من قبل. . . وأما مؤلفاته فقد اعتبرها من قبيل ذلك الوحي الذي يجيء به الأنبياء المرسلون، وأن كانت تختلف عنه في أنها وحي صادق لم تموهه الأكاذيب والأساطير! وتبعًا لذلك فقد تحدَّث نيتشة عن كل كتاب من كتبه، باعتباره حدَثًا هامًا بالنسبة إلى العالم كله؛ ووسم واحدًا من هذه الكتب باسم (الفجر)، ظنًا منه أنه هو فجر اليوم الجديد الذي طلع على العالم بأسره!
وحينما نظر نيتشه إلى عالم القيم ألفي أن النقد السائد فيه نقد زائف بهرج، فأعلن بقوة وحماسة أن الوقت قد حان لتغيير مادة ذلك النقد وصورته معًا. . . أجل، إن الإنسانية قد أخطأت حتى الآن في كل قيم الحياة التي اتخذتها لنفسها، فلابد من أن يأتي مشرع هذا العصر، فيقدم لها صورة صادقة للحياة الوحيدة التي يمكن أن تكون جديرة بأن يتحمل المرء في سبيلها مرارة العيش! وقد نادى نيتشه بقيم الحياة الجديدة، ثم هتف في نشوة
[ ٥٨٢ / ١١ ]
وسرور: (إن آلاف الأجيال القادمة لن تقسم إلا باسمي)!
وتضخمت في نفس نيتشه عاطفة الأرستقراطية، فلم يلبث شعوره بنفسه أن تزايد، حتى استحال إلى شعور مريض غير طبيعي. وليس أدل على انحراف نفسيته في هذا الصدد، من أنه كان يعتقد أنه ينتسب إلى سلالة نبيلة من جنس سلافي، كأن السلافيين جنس راق ليس أنبل منه، وكأنما هو سلافي أصيل حقًا! - فهذا الألماني الذي تجري في عروقه دماء جرمانية خالصة، كان يفخر طوال حياته بأنه من أصل بولوني عريق، هو آل على حين أن أخته نفسها قد ذكرت أنه ليس في عروقه قطرة واحدة من الدم البولندي! وهذا الابن الذي أنجبه قسيس ألماني من مقاطعة بروسية، كان يتوهم دائمًا أنه ليس بألماني! وقد كوَّن عنده ذلك الأصل البولوني المزعوم فكرة متسلطة سيطرت على نفسه وكان لها تأثير كبير في حياته، حتى لقد أصبح يخضع لها في كل تفكيره وعمله
ولما كان النبيل البولندي - فيما يروى نيتشه - يفصل في الحكم الذي يُصدره مجلس بأكمله، فيحكم عليه بجرة قلم واحدة أنه منقوض أو ملغي، وبذلك ينسخ حكم ذلك المجلس بكلمة واحدة، فقد شاء نيتشه أيضًا أن يقضى على كل ما حكمت به الإنسانية مثل هذا القضاء، ومن ثم فقد تقدم في بطولة وإقدام، وكتب تحت كل ما قضت به الإنسانية حتى الآن: (منقوص)! ونحن نعلم أن كويرنيكوس كان بولونيًا؛ وقد غير كويرنيكوس نظام الكون، فلا بد أيضًا من أن يقلب نيتشه نظام الأفكار والمعايير رأسًا على عقب، ولا بُدَّ من أن يجعل الإنسانية تدور حول محور مما كانت تحتقره وترذله - وإذا كان شوبان البولندي (وهو في الحقيقة فرنسي أيضًا بحكم أن أباه كان فرنسيًا) قد حرَّر الموسيقى من التأثيرات الألمانية، فإن نيتشه لا بد أيضًا أن يحرر الفلسفة من هذه التأثيرات الألمانية! ولكن كل ما فعله نيتشة في الواقع هو أنه عدَّل فلسفة شوبنهور واتجه بها اتجاهًا خاصًا؛ فلم يتجه بإرادة الحياة اتجاهًا تشاؤميًا، ولم يَلْقَ ضروب التغير وما يجيء معها من ألوان الألم المختلفة بكلمة (لا) (كما فعل شوبنهور) بل اتجه بإدارة الحياة اتجاهًا تفاؤليًا، وتقبَّل كل وما يجئ به التغير من ضروب الألم. أما الذي جعله يعتقد أنه قد اتجه بالفلسفة اتجاها جديدًا خاصًا، فهو ميله إلى اعتبار نفسه رائد الإنسانية الأول! فإن نيتشة حينما كان ينتج فكرة من الأفكار، كان يتوهم أن أحدًا قبله لم يسبقه إلى تصور تلك الفكرة؛ ومن أجل ذلك فإن كل
[ ٥٨٢ / ١٢ ]
عبارة من عباراته، وكل قول من أقواله، يرن في السمع كأنه كلمة الخالق: (ليكن نور)! أي كأنما هو يستخرج عالمًا من العدم!
وعلى الرغم من أن نتيشه قد انتقض على الفلاسفة الألمانيين جميعًا، فإنه قد اعتقد بمثل ما اعتقد به هؤلاء (ابتداء من هيجل حتى شوبنهر) وهو أن ليس في استطاعة أحد غيره أن يفهمه! وفي كتابه (عدو المسيح) نجده يذكر أن اليوم الذي سيكون ملكًا له إنما هو اليوم الذي يتلو الغد. . . (إن هناك أناسًا يولدون بعد موتهم؛ وأنا أعرف جيدًا ما هي الشروط التي لا بدّ منها، لكي يفهمني الناس: آذان جديدة تستطيع أن تتسمع الموسيقى الجديدة. . . أعين جديدة تستطيع أن تستشف الأشياء البعيدة. شعورٌ جديد يستطيع أن يتقبل الحقائق التي ظلت صامته خرساء حتى الآن. إن من يتهيأ لهم هذا كله، هم وحدهم قرائي، قرائي الحقيقيون، المقدَّرون لي منذ الأزل؛ فماذا يعنيني عن الباقين؟ إن الباقين هم الإنسانية (أو العامة، فالمعنى واحد)؛ ولا بد أن نسمو على الإنسانية في القوة، ورفعة النفس، والقدرة على الاحتقار)!
هذا هو نيتشه كما بدا لنفسه، فقد اعتقد فيلسوفنا أنه ليس ثمة رجل يدانيه بين أهل عصره. وعلى الرغم من أن نظرته إلى نفسه لا تخلو من الصدق في بعض النواحي - لأن شخصية نيتشه في الواقع شخصية فريدة، قلما يعثر المؤرخ على نظير لها - إلا أن في هذه النظرة أيضًا شيئًا غير قليل من الإغراق والتهويل. ومهما يكن من شيء؛ فإن قارئ نيتشه تتوزّعه عاطفتان مختلفتان أثناء مطالعته لكتب فيلسوفنا: عاطفة الإعجاب من ناحية، وعاطفة الشفقة والرثاء من ناحية أخرى (بالرغم من أن نيتشه قد اطرَّح هذه العاطفة الأخيرة واعتبرها إهانة أو مسبَّة) فنحن نجد لدى نيتشه، وفي تضاعيف كثير من الأفكار السامية، شيئًا ينطوي على الانحراف والشذوذ، وهذا الشيء يستوقف أحيانًا، ويضيع على القارئ أروع التأثيرات العقلية في أحيان أخرى. وإذا كان نيتشه قد وسم كتابًا من كتبه باسم (مسألة فجنر، مشكلة موسيقية)، أفليس في استطاعتنا نحن أيضًا أن نقول: (مسألة نيتشه، مشكلة مَرَضِيَّة)
زكريا إبراهيم
[ ٥٨٢ / ١٣ ]