في ذكر العقاب والحجلتين
[ ١٧٣ ]
فراغ
[ ١٧٤ ]
قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض ولايات أذربيجان جبل يسمى السماك في العلو يباهي به الأفلاك في السمو المياه والأشجار كثير النبات والثمار في قلبه شجرة عالية قطوفها دانية، وفي ظل الشجرة مأوى لحجلتين ذكر وأنثى وصل إليهما ذلك المكان إرثا هو وطنهما ومستقرهما المألوف وبالقرب من ذلك الجبل جبل مقارن يسمى القارن لو قصد البد سوره أو رفع رأسه ينظر دوره أو يلقي فيه شعاعه ونوره لرمى عن رأسه طرطوره سمير عقاب عالي الجناب هو ملك تلك الطيور وبيده أزمة الأمور وجوارح ذلك الصائح تحت طاعته منتظمون في خدمته. وكانت الحجلتان كلما فرخت أو قاربت أفراخها الطيران عزم العقاب بالاجناد على التنزه والاصطياد فيصل بجماعته والأعوان إلى الجبل الذي فيه الحجلتان فتدب الأفراخ تحت أقدامها العساكر وتصير طعمة لعساكر ذلك الطائر فتقع الحجلتان في الفكر والأحزان، فلم يزالا في نكد على فقد الولد فافتكرتا في بعض الأيام فيما هما عليه من الآلام وترادف الأنكاد على ممر الأعوام فقال الذكر للأنثى: قد
[ ١٧٥ ]
قاربت الشمس عمرنا الأفول وقدم بقائنا بزل ويزول وليس لنا من يذكر الله بعدنا ولا يحيي آثارنا عند فقدنا وقد قضينا العمر في الأنكاد في الخوف وفراق الأولاد وبعد وفاتنا يمحي اسمنا ويندرس رسمنا فلا حياة هنية ولا أخرى رضية، وإني على فراق قرة العين محزون فإنا لله وإنا لله راجعون وهذا أمر صرنا به مخصوصين على وجه المذلة والشين، ومثلنا كمن جمع المال من حله ومن غير حله وتركه بعد الكد والحرص إلى غير أهله كما قيل:
تؤديه مذموما إلى غير أهله فيأكله عفوا وأنت دفين
ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ولا حيلة إلى باب الخلاص من هذا العقاب ومضى العمر في هذا الويل وقد أشبهنا النائم على طرق السبل، فإن ذبينا عن أنفسنا ربما أغفلونا وطرحونا أو ازهونا في مهلكة تدير علينا من العنا طاحونا، فالرأي عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مقام لا نرى فيه تلك المحن فقد فرغ الصبر على فراق الولد ولم يبق قلب يحتمل هذا الألم والنكد كما قيل:
[ ١٧٦ ]
وذاك لأن المرء يحيى بلا يد ورجل ولا تلقاه يحيى بلا كبد
قالت الأنثى: لقد أعربت عما في فكري وشرحت ما كان يجول أبدا في صدري وهذا البلاء نحن فيه سواء ومحنة قد أعياني في برئها الدواء ومصيبة هدت مني الحيل والقوى كما قيل:
بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي لم يدر مر الصبر إلا من أكل
وأنا لم أخل قط في وقت من هاذ الفكر الذي أوجبه الهم والمقت والذكر واعلم أن سهام العقلا وتوجهات أفكار ذوي النظر من الحكما والنبلا إنما تصدر عن قوس واحدة وتتوجه إلى غرض فرد طرقه غير متعددة. وقالت الحكما وأولوا التجارب والعقلا: بل أطلق أرباب العقول وأئمة الدين وأصحاب الأصول أن قضايا العقل كلها صادقة وألسنتها فيما تحكمه بالصدق ناطقة، غير أن كثيرا ما تتعقبه القضايا العقلية بالقضايا الوهمية فيقع الخطأ في القضايا الوهمية فيتصور أنها قضايا عقلية وإلا فالقضايا العقلية لا يقع فيها الخطأ البتة وقذفت رشيد العقل بحبل بال كثير المنافع غزير المقال فإن كل من قصد الصعود إليه أو توجه إلى الارتقاء عليه لا يتيسر له ذلك لا من طريق واحدة منها يصل إلى الفائدة وعلى
[ ١٧٧ ]
هذا فطريق المعاشرة وسبيل المباشرة مع العقلاء وذوي الآراء الزكية في العداوة والبغضا والصداقة والكدورة والرياقه واللطافة والكثافة والخوف والرجا والانتهاء والابتداء إنما هو من باب واحد لا من طرق متعددة. ولأجل هذا ملوك هذا الطريق الأمر معهم متيسر لا متعذر ولا متعسر وإن خيط هذه السموط بالاستقامة مضبوط وبالصلاح مربوط بخلاف الجهال والخلعا والحمقى والسفها فإن أمورهم متفرطة وأفكارهم وآراؤهم غير منضبطة فتكد خواطر العقلاء في تعليمهم وتعيى طبيب الفكر في معالجة أخفهم وإصلاح سعيهم كما قيل:
إني لآمن من عدو عاقل وأخاف خل يعتريه جنون
والعقل زين للفتى وطريقه نجح وخير والجنون فنون
ولهذا قيل: معادات العاقل خير من مصادقة الجاهل، ثم قالت الأنثى: أما سمعت حديث أشرف الإنسان سيد ولد عدنان الذي خلقت من أجل الأكوان "حب الوطن من الإيمان" وقد ألفنا وطننا وحبه وقطع أصول محبتنا صعبة خصوصا وهو في معزل عن طرق الجوارح ومكن عن طوارق السوانح والبوارح، وإنما تعرض لأولادنا تلك الآفات والعاضة من تراكم العساكر وما يحصل من إقدامها من الكثافة وأخاف إن انتقلنا من هذا الوطن يخرج من أيدينا هذا السكن ولا نحصل على مأوى يليق ولا توافقنا الغربة أو يمنع مانع في الطريق فنقصد الريح فيذهب راس المال فنخسر ما في أيدينا في الحال ولا يحصل المأوى في الاستقبال كيف وهو مسقط رأسنا ومحل أنسنا وإيناسنا؟ فالأولى لنا الرضى والانقياد لأوامر القضا وملازمة الوطن القديم والسكون تحت تقدير العزيز العليم، وقد قيل إنما يشفى العليل إذا ترك مشتهيات نفسه وقيد متمنياته في حبسه
[ ١٧٨ ]
ولا بد للمرء في بلوغ المنى من ترك المراد والقانع من قطع النظر عن الازدياد وقد قيل الحزم رفض الشهوات وكل ما هو آت آت. وإنما وقائع الأنكاد من جهة الأولاد وما يقع منها من كل عام فتجيبها إحدى ما يقع من نوايب الأيام ونحن بل كل المخلوقات عرضة للنوايت والآفات وطعمة للمقدور وحوادث الدهور ولو انتقلنا من الوطن وتحولنا عن هذا السكن وبعدنا عن الأقارب وجاورنا الأعداء والأجانب ونزعنا عن الحبايب ومعارفنا من الأجانب لا يطيب لنا مقام وتتكدر أوقاتنا على ممر الأيام ولا نزال بين تذكر الوطن المألوف والتحنن إلى رؤية الصاحب الألوف، فتسهيل هذه الأنكاد مفارقة الأولاد. واعلم أنه لو تيسر لما مع الانتقال انتظام الأمور واستقامة الأحوال وحصلت الأولاد وزالت الأنكاد وصفا الوقت بزوال المقت فإن الخاطر يشتغل من حين وجدان الولد ويتعلق بمصالحه القلب والجسد وتصرف الهمة إلى القيام بمصالح إلى حين ترعرعه وارتياشه ويتعلق القلب بمحبته والإلتفات إلى عمل مصلحته ويزداد ذلك يوما فيوما وشهرا وشهرا وعاما فعاما فإن أدركه والعياذ بالله من ذلك ألم أو أصابه ضرر أو سقم التهبت عليه الجوارح واستولت به الهموم على القلب والجوارح، فإن آل إلى الموت واستحال إلى الفوت فهو المصيبة العظمى والطامة الكبرى وإن سلم من هذه العاهات وبلغ سالما من هذه المخالفات فتزداد كلفته وتتضاعف مؤنته ويركب والده في ذلك كل صعب وذلول ويذهبان في مذهب في كل عرض وطول ويكتسبان من الحلال والحرام ويتحملان المشاق والآثام، هذا إذا كان مطيعا ولأبويه منقادا سميعا وأما إذا ركب جموح العقوق ونسي ما لهما عليه من الحقوق فهي مصيبة أخرى وداهية كبرى ويصير كما قيل:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بد
[ ١٧٩ ]
وعلى كل قدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم أن الأولاد بين الأبوين وبين الآخرة سد عظيم لا تخلص من الالتفات إليهم لله طاعة وأغلى الانقطاع منهم إلى طريق الآخرة استطاعه، وناهيك بأهل الذكاء والفطنة قول من أنقذك من هذه المحنة إنما أموالكم وأولادكم فتنة فاسمع هذا الكلام بأذن التحقيق واسلك في سير معانيه أوفى طريق وحقق يا ذا الإرشاد أن وجود الأولاد عند ذوي البصيرة النقاد مزيف ومتاع مزخرف وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى وعارية مردوده بعد وفاة محدوده بل أكرة من خشب مموهة بالذهب وطلاية من نضار على جرة من فخار، وقد نبه على هذا رب العباد الصادق في الوعد والميعاد على لسان أشرف العباد بقوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) وكما أن الأطفال الصغار الغافلين عن بديع الحكم ودقائق الأسرار إذا نظروا إلى اللعبة الموقة الملونة والخشبات المصبغة المستحسنة التهوا بها عن اكتساب الآداب وملازمة العلماء والكتاب فيلعبون وهم جاهلون وعن طريق اكتساب الكمال ذاهلون. فكذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره واشتغلت بأمور الدنيا من المال والولد سرائره وضمائرة حرم من الاطلاع على دقائق الملوك وفاته لذات الوقوف على حقائق السلوك فهو عن الله تعالى محجوب وفي عساكر الأموات وإن كان حيا محسوب كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسادهم دون القبور قبور
وإن امرءا لم يحيى بالعلم صدره فليس له حين النشور نشور
قال الله تعالى وكلمته العليا (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وهذا صريح بالشهادة على ما نقلته وقد جليت صداء قلبك
[ ١٨٠ ]
وصقلته فلا تكونن كالآلا ولا تعلق قلبك بغير الله قولا واعتقادا وعملا فالباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا واجتهد في إصلاح قلبك المكابر واصغ إلى ما قاله الحكيم الحليم متحررا من العذاب الأليم عاملا بما يرضي السميع العليم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بلقب سليم. وإذا علمت هذا وتحققته وقررته وحررته وصدقته فاعلم أن الأولى بحالنا والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن فيه من جملة النعم وأن هذا قسم لنا من القسم في القدم فلا تنتقل عن دائرة الرضا والتسليم قدما عن قدم وننتظر ما يتولد عن حدثان الزمان ولا نرخي في ميدان الطمع العنان ونعرض عن طامح الخاطر كمال قال الشاعر:
كم نار عارية شبت لغير قرى على بقاع وكم نور بلا ثمر
هون عليك أمورا أنت تنكرها فالدهر يأتي بألوان من العبر
قال الذكر: جميع هذا القول صادر من موارد المعقول موافق لما ورد به المنقول، لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة ولم تتركي في ميدان المسائل مقالا لقائل ولا مجالا لجائل، ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن حوادث الدهر ولا يعطي ظهره لكواسر العصر فإن طوارق الآفات وخوارق العادات ومحن الزمان وغصص الحدثان محتجبة تحت الأستار ومنظورة في أنواع الأطوار والفلك الدوار له في علم الأدوار مغيبات أبكار يبرزها للناظر فتلعب بالأفكار وتذهب في سناء برق مخارقها بصائر الأبصار ويحتار في حركاتها الرأي المصيب ويدهش في دجى حدسها الفطن الاريب وقد حار الفكر وعجزتن القوى والقدر وحارت عقول البشر دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور من وراء ستر الغيب سعيد القضاء والقدر ولم يعهد من الدهر الخؤون والزمان المجنون إذا
[ ١٨١ ]
استقام أو نزل أو جل أو هزل أو ولى وعزل أو أمر وامتاز وفضل أو أقبل واعتزل أو أراد نقض إبرام من غزل أن يرسل قبل ذلك مبشرا أو مبصرا أو محذرا يستيقظ النائم أو ينهض الحائم أو يتحرك القائم وإنما يحطم بغينه ويهجم في سكته فيأخذ على بهشه فلا يفلت منه نكتة ولا يهمل إلى لحظة ولا فليته وقد قيل شعر:
يا راقد الليل مسرورا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
وعلى هذا فلو وقع منا غفلة أو ذهول عند قدوم هذا الجيش المهول فاخترم والعياذ بالله واحدا منا ونحن على أحسن ما يكون سكونا وأمنا فكيف ترين يبقى حال الآخر وهل يصير إلا كما قال الشاعر؟
ما حال من كان له واحد يؤخذ منه ذلك الواحد، وإذا بقي أحدنا منفردا وعن صاحبه منعزلا متوحدا فماذا يفيده الجيران والسكون والوطن والأمنة وهل يبقى له لذة وصال ألف سنة بأليم الفراق في تلك الساعة الخشنة كما قيل:
إن كان فراقنا على التحقيق هذا كبدي أحق بالتمزيق
لو دام الوصال لنا ألف سنة ما كان يفي بساعة التفريق
لا كان في الدهر يوم لا أراك به يا صاحبي ومؤنسي ورفيق
ولا فيه شمس بل ولا قمر ولا دونت ولا ساق لخمر عتيق
وكل من لم يتفكر في الحوادث قبل حلولها ويتأمل في تداركها قبل نزولها ويطمئن إلى سكونها مع الزمان ويتكئ بظهره على وسادة الحدثان ويحيل في الكوائن على القضاء والقدر ويدفع يد التدبير عن تعاطي أسباب الحذر، كان كمن ترك إحدى جنبتي خرجه فارغة وحشى الأخرى من الحجارة الثقيلة الدافعة فأنى يستقيم محله أو يبلغ على الطريق المستقيم منزله فلا يزال حمله
[ ١٨٢ ]
مائلا وخطبه هائلا فالعاقل يسعى فيما يظنه ولا يغفل عن السبب وبما وجب يعمل كما قيل:
على المرء أن يسعى ويبذل جهده وليس عليه أن يساعده الدهر
فإن نال بالسعي الذي تم أمره وإن غلب المقدور كان له عذر
وعلى كل حال تعاطي الأسباب لا يقدح في الأفعال والتوكل وناهيك بملحة العمل حكاية الحمار مع الجمل قالت الأنثى: كيف كانت تلك الحكاية وقال الله شر النكاية؟
قال: بلغني أنه ترافق في المسير عير مع بعير فكان الحمار كثير العثار مع أن عينيه كانتا تراقبان يديه ورجليه وكان الجمل على عظم جهامته وعلو قامته وبعد عينيه عن مواقع يديه ورجليه لا يزل له قدم ولا يضل له أجم، فقال الحمار للبعير: أيها الرفيق الكبير ما بالي في المسير كثير الوقوع والزلل دائم العثار والخطل لا أخلو من حجر يدميني الحافر أو عثرة ترميني في حفرة حافر مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء وأنت لا تنظر إلى مواطئ إخفافك، ولا تعرف ماذا تقع فيها ولا تحتل عن طريق تمشي فيها ولا أدري هذا مما ذا قال البعير: أنت في المسير قاصر النظر أعمى
[ ١٨٣ ]
القلب والفكر لا تراقب إلى ما بين يديك ولا تنظر ماذا أمامك إليك أم عليك؟ فإذا أدهمك ما أدهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت وفي حفر المهالك قد نزلت وانخرق ما رقعت فلا يمكنك التلاف إلا وأنت رهين الإتلاف، وأما أنا فمراقب دائما ما يصير من العواقب وأميز أمامي الطريق أسهل أم حد فأميز السلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا وعر إلا وقد سهلته ولا وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وكشفت ضيقها فأستعد للأمر قبل نزوله وأحتال لدفعه قبل أوان حلوله، وهذه قاعدة الفقهاء وأصل كبير عند العلماء لأنهم قالوا الدفع أهون من الرفع.
وإنما أوردت هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي أن لا بد لنا قبل حلول النكبة من أخذ الأهبة فما كل مرة تسلم الجرة ولا كل وقعة سلامتها ميسرة وقد قرب وضع البيض وبعده قد همت العساكر بالفيض فلا بد من إعمال الفكر المصيب في وجه الخلاص من هذا الأمر الصعيب، كما قيل مهد لنفسك قبل الموت مضجعا. قالت الأنثى: جميع مل قررته لا يخلو عن دقيق النظر وتحقيق صائب الفكر وغامض معاني الأسرار وتبيين مواقع الأخبار وكل ذي عقل يقبل ويعول عليه وكل فكر مصيب يحثو الاقتباس في الحكمة بين يديه، ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والراغبون في نيل المرادات والأمنية على فرق شتى في بلوغ المراد والآمال فمنهم من يبلغ بقوة الجنود وبذل الأموال ومنهم من يساعده الدهر ويعاونه معاون العصر وينهض به سعد التقدير ويقوم معه كل صغير وكبير وعظيم وحقير وعدو نصير كما قيل:
وإذا أراد الله نصرة عبده كانت له أعداؤه أنصارا
[ ١٨٤ ]
فيقيض له المساعدة والمعاضد فلا يحتاج إلى سعي ولا في استماع النصيحة إلى وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وعده وعدده، ومنهم من يحتاج إلى سعي بليغ وجهد طويل سبيغ ومساعدة ناصح ومعاون صالح وقرع أبواب وتعاطي أسباب وسعد رقيق وفكر دقيق حتى يبلغ مراده ويدرك ما أراده، ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع والشره والحرص والهلع فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقيه في عائق الحرمان حرصه وشؤمه فيقع من التعب في هويته ويحرم لكونه اعتمد على حوله وقولته فيصير كما قيل:
بالحرص فوتني دهري فوائده فكل من زاد حرصا زيد تفريطا
ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويتوقع ثم يتساهل فيحرم من مقصده ويرده عجزه عن مراده ويده فانظر يا ذا السكون والوقار والركون نحن من أي الأقسام نكون وأنت تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا على أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من عقاب فإنه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا في الثرى لا نقدر أن نرتفع عن الثرى قيد لوا، وقد قيل في المثل أين الثرى من الثريا وأين العادل ممن اشتد بغيا بغيًا وقد قيل كل من تعلق بخصم هو أقوى منه فقد سعى في هلاك نفسه بيده كما قيل:
ومن يشبشم بالعداوة كفه بأكبر منه فهو لا شك هالك
وكان مثله كمثل النملة الضعيفة التي ينبت لها أجنحة خفيفة فتحركها دواعي الطيران فتصور في نفسها أنها صارت من النسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى الهواء التقفها عصفور واختطفها أصغر الطيور ولهذا قيل:
إذا ما أراد الله إهلاك نملة أطار جناحيها فتسقط في المعطب
[ ١٨٥ ]
ونحن ليس لنا اطلاع على مكامن الغيب فتره نفسك عن حوادث هواجس الريب وليس لنا مساعد من الأقارب والأباعد ولا لنا خيل ولا مال ولا عدة ولا رجال ونحن أقل من أن يساعفنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوان فلم يبق لنا إلا الركون تحت حركات السكون وانتظار ما سيكون، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، واعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ذي طريقه وهي الطيرية وكلنا فيها سوية وهم منها كإعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف الأعلى ونحن منها كأصوات الحيوانات في أدنى الأدنى من العلا فالأولى بحالنا الاصطبار من غير ريب إلى أن يصل لكسرنا الجبر من عالم الغيب كما قيل:
مهلا أبا الصقر كم من طائر يحوم يلقى بعد تحليق
زوجت نعمى لم تكن كفؤها إذنها الله بالتطليق
وقيل في هذا المعنى أيضًا:
الأمر يحدث بعده أمر والعسر مقترن به اليسرد
وحلاوة الصبيان من عسل وحلاوة الشجعان من صبر
والصبر يأتي بعده نعم تأتيك مقرونة الشكر
وقال الآخر من هذا المعنى:
اصبر على ما جرى من اسبق قدما فمركب الصبر بالآمال ملتحقه
خوفا من أن تقع مع من هو أشد منا ونعانيه ونأمل التخلص من ييديه حمقا وجهلا لا تفضلا وفضلا كما وقع الثعلب الجائع المجهود مع الجمل الموجود قال: كيف كانت تلك الحكاية؟ أخبريني بها لعل أن تزول عنا بسببها النكاية.
قالت: حكي أن ثعلبا اتخذ له وكرا في روض بهي ذا منظر
[ ١٨٦ ]
شهي يأوي إليه صباحا ومساء ويعكف به صيفا وشتاء ويدخر فيه قوة شتوته في وجه صيفته واستمر على ذلك مدة من الزمان والأعوام والدهور والآوان. ففي بعض السنين احتال على قوته النمل فسرقه وقطعه ومزقه وكان ذلك عند اشتداد البرد فأصابه لذلك الهم والغم والكمد، ففي بعض أوقات نهاره خرج من جحره متطلبا لصيد قفاره إذ رأى جملا على باب جحره باركا ملقيا عنانه وللهمومتاركا ففرح بذلك وقال: لك الحمد يا رب يا مالك أنت اللطيف وراحم الضعيف وقال في نفسه: لقد صادفت ما يكفيك ويفوتك أنت وبنيك فاهنأ بما أعطيت واشكر الله ربك وموليك، ثم أخذ في إعمال حيلته يدخل بها إلى الجمل جحره ويقتنصه بها جهره فأداه جهله وحمقه إلى ما يحصل به هلاكه ومحقه وأخذ حبلا وثيقا من الكتان وليته كان من صوف أو صوفان وربطه في ذيل الجمل من
[ ١٨٧ ]
طرف وأوثق بالطرف الآخر نفسه من خلف، كل هذا والجمل لم يشعر ولم يبصر ولم ينظر ونزل الثعلب جحره وأجهد في جر الجمل إليه أمره فاستشعر الجمل بالحراك والتفت يمينا وشمالا فلم يرد الثعلب الأفاك قايما لينظر ما أهمه من هذا الأمر الذي دهمه فما استتم قايما إلا والثعلب متعلق بذيله هائما فارتبك عند ذلك الثعلب وعلم أنه انغلب ولا مخلص له من ذلك إلا الرب المالك واشتدت عليه طرق الحيل في أمره مع الجمل هذا والجمل يضرب به على فخذيه ويبول ويبعر عليه والثعلب يستغيث فلا يغاث ويتمنى أن لو قنع بالبعر والارواث ولا يقع في هذه البلية التي أذاقته الهم والرزية. فبينما هو على هذا الحال المهول إذ مر به نمس يسمى سؤول فقال: ما هذا يا أبا الحصين؟ فأخبره بالقضية بيقين، فقال له: هذا جزاء من على أكبر من يتعدى ومن هو مجانب طريق الهدى ولم يتأمل العواقب بالفكر المصيب الثاقب فقال: بالله دبر لي في الخلاص فقد كفاني حالي عن القصاص وتصير لك المنة علي والمعروف لدي فتقدم النمس إلى الجمل وقال: حلي على صالح العمل هذا رجل غريب تعلق بأذيالك فأنعم عليه بحسن أحوالك كأنه لا يقدر على أن يعانيك أو يعاديك كما يشهد بذلك جسمه وحواشيك فإن لم تكرمه أطلق وثاقه واحلل خناقه وإن أنت
[ ١٨٨ ]
أكرمته بمروءتك فقد وقع على الخبير وصرت له نعم الأهل ونعم النصير، فالتفت الجمل إليه واعتقه وأحسن إليه ولولا حيلة النمس لحل بالرمس. فلما سمع الذكر ذلك وعلم ما هنالك قال: إن هذا الفكر من الصواب قريب وعند أولي البصائر والتجارب مصيب ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار ومن يصل إلى القصد بالأمان من الليل والنهار وقد قيل:
لئن بادرت عن تسليم روحي هواك فعاذلي عن ذا يعوف
وإن أسرعت نحو الوصل عدوا فعمري من ورا ظهري يعوق
ثم قال الذكر للأنثى: والرأي السديد عندي والذي أراة وأبدي أن نتوجه إلى حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا إليه النقاب ونطلب منه الأمان من نكبات الزمان ونستظل بجناح عاطفته وننتظم في سلك جماعته وخدمته فربما يشملنا بملاطفته فإنه ملك الطيور وبيده أزمة أمور الجمهور وهو وإن كان ملك الجوارح والكواسر وشيمته سفك الدماء والتمزيق بمخالبه النواثر لكنه ملك عالي الهمة ظاهر الشفقة والرحمة لا تقتضي همته العالية إلا الشفقة الشافية والموافاة الوافية خصوصا على من ينشد عليه وينتمي إليه فلا تدعه شميته الأبية وهمته العلية الحمية ومروءته لا تقتضي التعرض لنا بضرر أو يطير لنا منه بشرر. فقالت الأنثى: العجب كل العجب من رأيك المنتخب أنك تخلط منه الغث بالسمين وتسوق إليه الهجان مع الهجين فتارة تصيب حديقة الغرض وتارة يخطئ السهم الغرض فصرت كما قيل:
تلونت حتى لست تدري من العمى أريح جنوب هب أم ريح شمال
هذه المصايب التي نشكوها والبلايا التي نقرأ سورها ونتلوها هي بعض ما قاسيناه من أليم العذاب لحظة من مقاسة عسكر
[ ١٨٩ ]
العقاب، ثم إنك أنت تحركت وسكنت وشرقت على ما في رأيك وغربت وتباعدت وتقربت وارتفعت وحططت وامتنعت وسقطت وجلت ورحت وقعدت وقمت أجئت بالرأي السديد والفكر السعيد حتى عزمت أن تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد وتخلدنا فيه الدهر المزيد لا والله بل تريد أن نمشي بأرجلنا إلى الشبكة وأن نلقي بأنفسنا إلى الهلكة كما قيل:
فلا تشك إلى خلق فتشمته شكوى الجريح إلى العقبان والرخم
أشبهت في هذه الحركة مالك الحزين والسمكة قال الذكر: أزيحي عني الغصة ببيان هذه القصة قالت الأنثى: كان في بعض المروج نهر كثير الحيتان شديد الجريان وقد اعتاده طير الفلا الذي إذا رأى الخير تدلى وإن رأى الشر علا أو راح مجملا يتصرف في تلك السمك وتصرف المالك فيما ملك قضى في ذلك عمره ووجى أوقاته طيب العيش ومره حتى إذا أدركه
[ ١٩٠ ]
المشيب، وولى العمر النضير الشيب وكساه أصناف العبر حتى ضعف عن الاصطياد وجرى عليه الدهر بالرسم المعتاد من الآلام والأنكاد فصار لا يمر عليه برهة من الأوقات إلا وهو عاجز عن تحصيل الضروري من الأقوات فتوجه في بعض الأحيان وهو يرفل في ثياب الأحزان ووقف على النهر متفكرا في تصرفات الدهر فمرت به سمكة لطيفة الحركة فرأته في ذل وانكسار سابحا في بحار الأفكار لا قدرة له ولا حركة على التقاط السمكة فلم يلتفت إليها ولم يعول عليها وقد أوطاته الحوادث أقدام الأحزان الكوارث وبدلت ربيع شبابه بخريف الهرم وحرارة جسمه ببرودة الديم فوقفت لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب تفكره وسبب حيرته وتحيره، فقال: تفكرت فيما مضى من الشباب الفاخر وما تقضى فيه من طيب العيش وانشراح الخاطر وقد تبدل وجوده بالعدم ولم نحصل فيه إلا على الذنوب والندم وقد رقت العظام واستوى على الجسد السقام وتزلزلت الأعضاء وتراكمت فتوارت الرضى واشتعل المشيب بزيادة الآلام واتقدت نيرانه وجرت إلى السقام وقد قيل:
عزمت على إجلاء جسمي بروحه من خرق مشيب كل عنه المراقع
فقلت اسكنيه يا عمارة عمره فقالت وكيف ربت جسمك المواقع
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما ترقع
فلم أفق من هذه السكرةى ولا وقعت بي الفكرة إلا وسفينة العمر
[ ١٩١ ]
بالساحل قد أرست وشمس الحياة على قلة الضنا أمست فما أمكنني إلا التلاقي بالعقوبة والندم قبل حلول النوايب وزلة القدم والتطهر من جناية الظلم بمياه الاستغفار والتخلي عن القبائح والتحلي بعقد در الاستعبار وغسل سواد الأجرام والأوزار بدموع الإنابة والاعتذار:
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب في الرأس نازل
واعلم أن جامح هواي قد قلع ضرس الأماني والطمع وجارح متمناي نزع طيلسان الشره والخلع، وقد قدمت إلى هذا المكان لأتحلل من الأسماك والحيتان فطالما أغرت على عشائرهم وأولادهم وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم وشتت شملهم وخوفت قلبهم وجلهم وأرعبتهم وأرهبتهم وحايلتهم وأسرتهم فرأيت أن براءة الذمة في الأولى قبل الأخرى أولى وأحق وأحرى فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران تذرف فلما سمعت السمكة الخديعة وشاهدت هذه الحركة البديعة نشرتها أضلاعها ودعاها خداعها أن قالت ما تريد أيها الصالح أن أفعل معك من المصالح قال: أريد أن تبلغي هذا الكلام بعد إيصال التحية والسلام وأن يكون القوم بعد اليوم آمنين من سطواتي سالمين من حملاتي ساكنين إلى حركاتي بعيث يرتفع الظلم والعدوان وينام السمك في الماء وأمان الرحمن، فقال لها: لا بد من تأكيد العهود وأقلها المصافحة على المصالحة ثم تأكيد الإيمان بمن خلق الإنس والجان فقالت: كيف أصافحك وأنا طعمتك وأنى تخلص من فيك لقمتك؟ قال لها: ارمي هذا العلف واربطي حنكي لتأمني من التلف فأخذت قبضة من الحشيش وفتلت وإلى ربط فكه قصدت وأقبلت فمد منقاره إلى الماء وقربت السمكة العمياء فما كذب أن اقتلعها وابتلعها وكان هذا آخر العهد بها.
[ ١٩٢ ]
وإنما أوردت هذه اللطيفة يا ذا الحركات الظريفة لتعلم أن قريبا من العقاب إلقاؤنا أنفسنا بايدينا إلى العذاب وأين غرب عنك نهاك حتى تلقينا في عين الهلاك ونحن قوت العقاب وتأمن منه ضرب الرقاب وقد قيل عهوده كاذبة وحشو ضميره غل وقربه سقام معجل. قال الذكر اسلمي يا قريبة الخير واعلمي أن الريح وقت أن تكسو الأزهار وتهب على الأشجار تأتي في الصحاري والقفار من أنواع الأنوار بما يدهش البصائر والأبصار من زكي الروايح والثمار بما يدهش البصائر ويروق الأبصار وينعش أجسام الصغار والكبار ويشفي الأسقام ويبرد الغليل ويبري العليل لا سيما وقت السحر نسيم الصبا في صفو القمر يريي القلب والروح ويحيي الصب المجروح ودونك قول الحق في كلمته ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته، ووقت الخريف ليس كأيام المصيف ومنها النشر واللوافح والمعطرات بطيب الروايح ويعري الأشجار ويثير الغبار، وربما كان إعصار فيه نار يسقم الصحيح ويطير المشئوم من
[ ١٩٣ ]
الريح، ومنها الإعجاز الرجسات والأيام النحسات والقواصف والعواصف والخواصب والصرصر والنكبا والزعزع والرخا وقد قال فيهم العزيز العليم: (فأرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) . ثم اعلمي يا ربة الحجال وفتنة الرجال أن النار تحرق من يقربها وتذهب من يصحبها وتنشف الطراوة وتذهب نشوة الطلاوة وتلتقم ما نجده وتبلعه وتزدرده وتسود الوجوه بدخانها وتزلم الوجود بقربانها وتمحو الآثار وتهدم الديار مع أنها تنضج الأطعمة وتطبخ الأغذية وتهدي النور وتدفي المقرور وترشد الضال في القفار وهي على رؤوس الجبال، قال رب العالمين ومكون الكون: (أفرايتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين) وكذلك الماء يا ذات الثغر الالمي يذهب الظمأ ويظهر النما ويبرد الصدور ويطفي الحرور وينبت الزروع ويدر الفروع ويحمل الراكب، وما فيها من مركوب وراكب وإذا أطلقت المياه والعياذ بالله تعالى غرقت السفن وابتلعت المراكب وخطفت الراجل والمراكب ونعوذ بالله من هجوم السيل خصوصا في ظلام الليل وكذلك التراب يا زين الأحباب غيبت الحصرم والعنب والثمر والحطب والشوك والرطب ونشرع سنان الشوك المحدد وغصون السهم المسدد ويريى الورد والأزهار والرياحين والنوار والرياض النضرة والغياض الخضرة ثم يعمي النواظر ويفترش تحت الحوافر ويعطي الحلو والمر والزعفران والبر والناعم والخشن والقبيح والحسن. وهذه المضرة والمنفعة مركبة من العناصر الأربعة التي هي أصل الكائنات وسبح المخلوقات وإذا كان ذلك وقاك الله شر المهالك وأرشد إلى أوضح المسالك فاعلمي بالتحقيق يا ذات الثغر العقيق أن هذا الملك الأعظم بل وكل أولاد آدم مركبون من
[ ١٩٤ ]
الرضا والغضب والحلم والسخط والرفع والحط والقبض والبسط والقهر واللطف والفظاظة والعنف والخشونة واللين والتحريك والتسكين والبخل والسخا والشدة والرخا والوفاء والجفا والكدورة والصفا واعلمي يا نعم العون وقرينة الخير والصون أن هذا الكون سروره في شروره مندرج ووروده في ذهابه مندمج وصفاؤه بكدوراته ممتزج، فيمكن أن العقاب لكونه الملك الرقاب مع وجود هيبته القاهرة وسطوته الباهرة وخلقه الشرس الصعب والنكس إذا رأى ضعفنا وذلنا وانكسارنا وقلنا وترامينا لديه وتعويلنا عليه يضمنا إلى جناح عاطفته ويسبل علينا ذيل إحسانه وملاطفته ويعاملنا بالمراحم والألطاف ويسمح لنا بالإسعاف دون الاعتساف كما قيل:
لكل كريم عادة يستديمها وعادات الكرام كرائم
والقادر على الكسر والجبر لا يعامل ذوي الكسر بالكسر لأنا في مقام الأبناء وهو في مقام الأبوة والتقوي على الضعيف ضعف في القوة. قالت الأنثى هذا وإن كان شيئا داخلا في خير الإمكان لكن أخاف يا ذا الألطاف أنا بمجرد الوقوف بين يديه في أواسط الصفوف لا نمهل لأداء الكلام ولا نتشبث في المقام بل نعامل
[ ١٩٥ ]
بالتحريق والتفريق ويهوي بنا الريح في مكان سحيق فيفوتنا هذا الطلب إذا قيل إن الطبع غلب، وهذا إذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه وأما إذا اعترضنا دونه كالعارض وجرحنا من جوارح الطير فلا حول يحمينا ولا قوة تنجينا فيبغينا كل باغ ويتجاذب لحمنا كل طاغ فيصير مثلنا مثل النمس والزاغ. قال الذكر: كيف ذلك المثل؟ أخبرني يا ست الحجل.
قالت: ذكر أهل الأخبار ورواة الأسمار أنه كان في بعض الرياض الزاهرة والغياض الفاخرة والبساتين العاطرة مأوى لزاغ ظريف حسن الشكل لطيف عشه في راس شجرة عطرة الطيب زاهرة ومثمرة فاقت على الأشجار بطيب النوار وحسن الثمار ورهاوة الخضرة وحسن النضرة كأنها بين الأشجار عروس أو زهر في وسط الكؤوس، فاتفق أن نمسا من النموس حل به في وكره البؤس فانزع عن وطنه واضطر عن مفارقة سكنه فقاده الزمان إلى هذا البستان فراقه منظره وشاقه نيره وأزاهره وأعجبه ظله وشجره وأطربه خريره ونهره فعزم على السكن فيه ووطن نفسه على الوطن في نواحيه إذ وجد أحسن منزل وإذا أعشبت فانزل ثم وقع اختيار ذلك الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ فسوى له وكرا وحفره واستقر ساكنا في أصل الشجرة وألقى عصا السيار واستقرب هناك الدار، فلما رأى الزاغ هذا الحال داخله الخوف والأدجال وخشي أن يندرج من أدناها إلى أن يرتقي أعلاها فيعرف النمس سكنه القديم ويذيقه فيه العذاب الأليم فلم يجد له حيلة في الخلاص من هذا الاقتناص إلا مفارقته الوطن والانزعاج عن الألف والسكن وكيف يفارق ذلك النعيم ويسمح بالبعد عن الوطن القديم كما قيل:
بلاد بها نيطت علي تمايمي وأول أرض مس جلدي ترابها
[ ١٩٦ ]
فغلبت محبة وطنه على قلبه فلم يطاوعه على فراقه لشدة حبه ثم اعتراه في ذلك الوسواس فأخذ يضرب الأخماس في الأسداس في وجه خلاصه من هذا البأس فرأى المدافعة والممانعة بخاطره عن جواره أولى وأتم وأحق وأعلى، ثم افتكر في كيفية المدافعة وسلوك طريق الممانعة فلم ير أوفق من المصانعة وتعاطي أسباب المخادعة ليقف أولا بذلك على أمره ويعرف مقدار خيره وشره وبصل إلى مقدار قوته وضعفه ورصافة فهمه وعقله ورضاه وسخطه وسره في حالة غضب واكتفاه ويدرك غور أحواله ومنتهاه ثم يبني على ذلك أساس رفعه وهدم ما يبنيه من قلعته لقلعه، فهبط إلى النمس من الهوى وحفظ شيئا وسلم عليه سلام المحب من الحبيب وجلس منه بمكان قريب وخاطبه خطاب ناصح لمريب استبهج بجواره واستأنس بقرب داره وذكر له أنه كان وحيدا وعن الأنيس والجليس الموافق فريدا وقد حصل له الأنس بموافقة النمس ولقد أحسن من قال:
انفراد المرء خير له من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير من قعود المرء وحده
فاستمع النمس كلام الزاغ وما طغى بصبر بصيرته عن مكابرته وما زاغ ثم افتكر في نفسه ونظر في مرآة حدسه فقال إن هذا الطير خبيث السيرة مشهور وبسوء السريرة مذكور لا أصل له زكي ولا فرع له على ولا غائلته مضمونة ولا صحبته مأمونة لا خير عنده ولا مير بل يخشى منه الضرر والضير وهو كما قيل:
وهو غراب البين في شؤمه لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ
ولم يكن قط بيني وبينه علاقة ولا واسطة محبة ولا صداقة، وأما العداوة فإنها بيننا متأكدة مستحكمة وكل منا للآخر مأكله
[ ١٩٧ ]
ومطعمه ولا شك أنه إنما قصد سوء ومكيدة نكد فإن اضعت الفرصة فيه وقعت في الندم الأمد ووقعت من الندامة في قصة وحصة ولا يفيد إذ ذاك الندم إلا الغصة. أنى وقد فات المطلوب وزلت القدم وقد قيل واحزم الحزم سوء الظن بالناس فالذي يقتضيه الحزم المشيد والرأي السديد والعزم المفيد والفهم المديد القبض عليه إلى أن يظهر ما لديه ثم نهض من مربضه وأنشب في الزاغ مخالب مقبضه وقبضه قبضة أعمى كقبض أرض الرمل الناشفة على الماء فلما رأى الزاغ هلاك النكد وأنه صار كالفريسة في مخالب الأسد قال: يا كريم الخيم ويا أيها الخل الكريم أنا رغبت في مصادقتك وجئتك راغبا في موافقتك وأردت إزالة وحشتك ومؤانستك بأبعاد وحاشاك أن تخيب ظني فيك أو تعامل بالجفاء موافيك كما قيل:
وحاشاك أن تمسي بوجهك معرضا وما يحسن الإعراض من وجهك الحسن
والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الشيم والوفاء والإبقاء على خير وإبعاد الملامة والضرر والضير وإنما قد نظرت أنيسك وجارك وجليسك كما قيل في الشعر الكميل:
وكن جليس قعقاع ابن شور وما يشقى لقعقاع جليس
مع أنه لم يسبق مني سبب عداوة ولا وما يوجب هذه الفظاظة والغلاظة والفجاجة وهذه أول مرة فما وجب هذه النفرة؟ قال النمس: أيها الزاغ الكثير الرواغ الأنحس باغ الأبخس طاغ اسمك ناطق بأنك منافق وهو خير صادق إذ هو للخارج مطابق ورؤيتك شاهدة أنك تنقض المعاهدة وعين منظرك دلت على مخبرك وصدق من قال:
[ ١٩٨ ]
والعين تعلم من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
من أين بيننا صداقة ومتى كان للنموس مع الزاغات علاقة وكيف تنعقد بيننا صحابة وأين يتصل بيننا مودة وقرابة؟ بين لي كيفية هذا السبب ومن أين بيننا هذا الإخاء والنسب أنت لي طعمة وجسمي لسداء لحمك لحمة يسوءني ما يسرك وينفعني ما يضرك وقلت في هذا المعنى:
الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نكرمكم إذ لا تحبونا
أنا واقف على ضميرك وعالم بسوء مكرك وتدبيرك وقد اطلعت منك على هذه الهواجس كما اطلع ذلك الماشي على ما في خاطر الفارس، قال الزاغ: بين لي بلا جدال كيف كانت هذه الأمثال؟
قال النمس: ذكرت رواة الأخبار ونقلة السمار أنه ترافق راجل وراكب في بعض السباسب وكان مع الراجل من البضائع رزمة قد أوثقها أوثق حزمة وقد أعياه حملها حتى أعجزه ثقلها عن نقلها فقال لذلك الراكب أيها الرفيق الصاحب لو ساعدتني بحمل هذه البضاعة أرحتني ونفست عني وسرحتني كما قيل:
كذا المجد يحمل أثقاله قوى المجد حمول التلف
فقال الفارس: لا آكل فرسي ولا أتعب فرسي ونفسي فإن مركبي لم يقطع البارحة عليقة وأنا أخاف أن لا يقطع طريقه وإذا خفت التخلف عن سيري فكيف أتكلف حمل ثقل غيري. فبينما هم في هذا الكلام لاحت أرنب في بعض الآكام فأطلق الفارس وراء الأرنب وذهب وراء الرزمة كل مذهب فرأى فرسه قوية للنهضة سر معه النكصة والركضة فرأى أنه ضاع حزمه في عدم أخذ الرزمة وما ضره لو أخذها وساق إلى بعض الآفاق فقام بها أوده وانتفع بها وولده وترك الماشي بلا شيء، ثم رجع بهذه النية
[ ١٩٩ ]
الضارة ليحمل عن الماشي مضاره فقال له أعطني هذا الحمل المتعب لأريحك في حمله في هذا المذهب وابلع ريقك واقطع طريقك فقال: قد فهمت تلك النية وما أضمرت من يليه فاتركني وحالي فلي حاجة بمالي.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم يا فحل الرجال أن العقاب لا يؤمن ولا يقطع فيه بالظن الحسن بل يتدبر في خطفه بوارقه ومخالب صواعقه ورجفات غوائله وبوائقه هذا إن سلمت شقه حياتنا من تشقيق حواشيه وتخلصت برد بقائنا من تمزيق غواشيه وأن بينك وبين هذا المراد أصعب من خرط القتاد والموانع التي هي دون سعاد فما الوصول إلى ملك الطير قريب السير ولا سهل المأخذ ولا سريع المنفذ وأين الحجل من العقاب؟ ذاك نائم النعيم وهذا في عقاب العقاب فتدبر عاقبة هذا الأمر وتأمل في الفراق بين التمر والجمر. والظاهر عندي وما أدى إليه فكري وجهدي أن قصارى هذه الأمور ليس لها إلا التطوع والقصور دون الوصول إلى ملك القصور. قال الذكر: لقد كررت عليك امرارا وأسندت إلى
[ ٢٠٠ ]
مسامعك إنشاء وأخبارا وسأزيدك مقالا حتما لا ريب فيه بل قائما قيما وذلك أن علو همة الملك وفضله العالي وهامي بحاره تقتضي سلامة تجاره وأمن خادمه وجاره وزيادة كرمه وبسط كرامته وامتنانه وانتشار حرمته واشتهار رأفته ورحمته وإثبات حشمته لا يقتضي حرمان من قصده وأم جنابه واعتمده ولجأ إلى جانب عاطفته واستجار بديل ملاطفته وحاشاه أن يسم مصون همته بغير ابتذال أو يشوه جمال وفائه لمن أمن من كل قبيل وأمه سيما إذا رأى من مراسيم العبودية خضوع الخدم الأدنية والمقام في مراكز مرضاه والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضاه فإني بحمد الله أعرف مداخل الأمور ومخارجها وعندي امتداد كامل لصعود الأمور وممارجها واعلم طرق المجاز وحقائقها وسلوك دويها وطوافيها وشمالها وجنوبها وشرقها وغربيها، فالرأي أن نقتصر على المحاورة ونكتفي عهده المشؤوم في المشاورة ونتوكل على مقلب القلوب ومحبب كل محبوب ونتوجه بعزم شديد ورأي سديد نحو هذا المراد فإن فيه الخير والسداد فأنا لم يبق لي إلا ملاقاة حضرته والوقوف في مراكز خدمته وحصلت لي مشاهدته واتفقت لي معاهدته فأنشأت خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب وتؤلف بين المحب والمحبوب وأرجو أن تكون نافعة ولمصالح الدين والدنيا جامعة فإن كلامي وفى مقامي. قالت: قل فأؤجر لكن لا تخل وأطنب لكن لا تمل وأسمعنيها لأنظر فيها فقال: الحيط له آذان وربما سبقنا بأدائها الشيطان فجوهر القول في حق حتى يظهر بحقه فقالت: الرأي ما رأيت ورب البيت.
ثم لما علمت الأنثى منه التعويل على الذهاب من دون مين وارتياب سلمت ذمام انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم قالت عش واسلم وتيقن واعلم أنك إن أردت صحبة الملوك
[ ٢٠١ ]
وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك فإنك تحتاج في ذلك المنهاج إلى صفات جميلة وخصائل نبيلة فتتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل جمالها الأولى أن تقدم في مصادرك ومواردك مراد الملك على جميع مقاصدك وأن تتلقى أموره بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم، الثانية تحسن أقواله وتصوب أفعاله وتزين أحواله وتتعامى أوحاله وترده بوجه لا يجلى إلى تشويشه ولا يحتاج فيه إلى تهويشه، الثالثة تجتهد في صيانة عرضك عن وصمة الخنا وإياك أن تقول أنا فإن ذلك يوقع في العنا الرابعة أن يعد الدوام ومرور الأيام خدماتك الوافرة عن حقوق نعمة قاصرة، الخامسة إذا وقعت منك زلة فلا تعد لها جموع القله بل اطلب لتلك الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه، فإن الذنوب إذا تراكمت وتجمعت وتراحمت أشبهت المزبلة ففاحت روايحها المنتنة، والشخص غير معصوم والآدمي بالخطأ موسوم السادسة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب وكلامك عن أن يفوح منه غير الطيب، السابعة إياك ومصادقة أعدائه ومصادمة أوليائه الثامنة كلما زادك رفعة وتقريبا مل إلى التواضع تصويبا، التاسعة إذا استعملك في أمر ولو المشي على الجمر فلا تطلب منه أجر ولا تبدي لذلك ذكر فإن الطمع يورث العقوق ويسود وجه الحقوق العاشرة ولا تدخر عنه نصيحة ولو تكون في الخلوة لئلا تؤدي إلى الفضيحة وإياك أن تتعدى القواعد الكسروية وقوانين الملوك الفرسية إن أعظمها أن يعرف كل إنسان تقصير نفسه في خدمة مخدومه وقدر نعمة سيده وهمة ملكه ومقام مرسومه.
قال الذكر: أخبريني يا فخر القواعد بشيء من تلك القواعد قالت الأنثى: من القواعد الكسروية الدائرة بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل فيها على السلوك وكان ملكا مشهورا
[ ٢٠٢ ]
بالعدل والإحسان مذكور بإقامة البرهان متصفا بالصفات الحميدة مكتفيا بالشمائل السعيدة من الدين والعفة والعقول الراجحة المكفه والعلم الوافد والعطاء العاطر، واعلم أن بعض الملوك السالكين في رعيتهم أحسن سلوك أمر في بعض الأيام أن تجتمع الخواص والعوام ما بين وزير وأمير وصغير وكبير وغني وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ومفضول وفاضل وحاكم وقاض وساخط وراض وجندي وتبع وقريب وبعيد وشقي وسعيد وقاص ودان وعاص ومذكور وخامل وناصر وعامل وصالح وطالح وضاحك وباك ومصيب وخاطئ ومسرع ومتباطي وصياد وملاح وشياح ومناح وبلدي وفلاح ومسلك وسالك ومملوك ومالك، بحيث أن لا يتخلف عن الحضور أحد ولا يجري في التقاعد ولد عن ولد ومهد لهم في روض أريض ومرج عريض تتدفق مياه أنهاره وتتباهى بالتسبيح فصحاء أطياره وتلتذ بفواكه جنانه ثماره كما قيل:
يلتذ جاني بأنعم مقطف وساكنه يحظى بأنعم معطف
والورق بين محلق في جوه طيرا ومنحط عليه برفرف
وأمر أن يفرش ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر الند والعبير وبين من المقامات في هذه الأوقات الطيبات مقاما معلوما وقسم له مجلسا مقسوما وأحله محله وبسط عليه ظله ثم أمر بأنوع الأطعمة المفتخرة وأصناف الألوان الطيبة العطرة فأحضر في أواني الفضة والنضار ووضع بين يدي أولئك الحضار بحيث غمرت الجميع ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مسند السلطنة واكتنفه الميسرة والميمنة وأخذ كل منهم مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ثم أقام عليهم أرباب الديون وأدخل جميعهم في دفاتر الحسان والإيوان وافر مناديا فشدا وأشهر الندا
[ ٢٠٣ ]
وأعلن في ذلك الجميع بحيث تلقاه الجميع بالبصر والسمع، فقال يا أهل المكان برز مرسوم السلطان أن كل من كان في مرتبة مرضاة أو متعبة لا يلاحظ من هو فوقه ولو أنه أمير أو سوقه بل يراقب من هو دونه فائزة كانت منزلته أو معونه فإن ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر المطلوب واجلب للرضا بحوادث القضا فإن من رأى نفسه في مقام ورأى غيره في أدنى من ذلك المقام استقام واستعظم منزلته عليه وعد أن لنفسه على غيره مزية لديه فتوطنت نفسه على الرضا واشتغلت بالشكر لوارد القضا مثل الراقي إلى منزلة الصدر إذا رأى من هو دونه في القدر لم يشك في أن محله محل البدر والباقي حواليه كالنجوم فلا يأخذه لنفسه وجوم، كذلك الغائب بالنسبة إلى الحاجب والدوا يدار بالنسبة إلى البزدار والخازندار بالنسبة إلى جابي الدينار والمهتار بالنسبة إلى السايس وللسايس والمارقدار وكذا السايس بالنسبة إلى الحارس وكاتب السر المرتفع بالنسبة إلى كاتب الدعاوى الموقع وكاتب الزمام بالنسبة إلى الخدام وكذا القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر النبيه والتاجر مع العامي السفيه والغني والأمير بالنسبة إلى حال المآمير والفقير مع المأمور والناصر مع المنصور. وعلى هذا القياس أرباب الصنائع وجلاب البضائع وأهل المدن والقرى والبيع والشرا والألازر ذوي الوضاعة والشرف من أنواع المكتبات والحرف إلى أن ينزلوا في المراتب ويتدرجوا من البقاع إلى الحضيض في المناصب ويتفاوتوا في المعاتب والمناقب فيصل نظرهم في ذلك إلى كل ذي فعل سيء وحالك كأرباب العظائم وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب والصحيح بالنسبة إلى المكلوم والمشرم بالنسبة إلى المسموم والصحيح بالنسبة إلى جريح ويلاحظ مضروب العصا حال مسلوخ المقارع والمسلوخ حال مقطوع
[ ٢٠٤ ]
الأكارع وكذا المقطوع بالنسبة إلى المصلوب على الجذوع. ولتكن هذه القواعد مستمرة العوائد ليعلم أن مصائب قوم عند قوم فوائد وليعلموا أن الملك الجليل على الرعية من أشرف خليل فإن الله يوكله وعن ما يحكمه بسهله فهو كما قيل:
قسمت يداه عفوه وعقابه قسمين ذاوبلا وذاك وبيلا
ثم إن هذه القواعد المتضمنة للفوائد استمرت مستعملة غير ملقاة ولا مهملة من زمان ذلك السلطان وإلى هذا الأوان. وإنما أوردت هذه المثلة وأطلت النفس في شأن هذه الأحوال لتأخذ منها حظك وتكرره وتعيه وتودعه حفظك وتجري بها ليلا ونهارا لفظك حتى تصلح لمنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من هو من حساد مرتبتك وترضى بأي مقام أقامك فيه وتعلم أنه أعلى مقام يرتضيه.
قال الذكر: لقد أوضحت إذ نصحت وزينت بما بينت فجزاك الله خيرا وكفاك ضيرا فحقيق علي أن أقتدي بآثارك وأهتدي بأنوارك فما أرجح ميزانه برهانه وأعز حسنه وإحسانه لقد جمعت من فصاحة النقل ورجاحة العقل ومزجت روح اللطافة ببذل الطرافة وجلوت صورة النصيحة في خلوة اللطافة ثم إنهما تهيئا للذهاب وتوكلا على العزيز الوهاب وتوجها قاصدين حضرة العقاب فأوصلا السير بالسرى واستبدلا النوم
[ ٢٠٥ ]
بالسهر المستمر لوم يزالا في سير مكد وسهر مجد ما بين مازح وماجن إلى أن وصلا إلى جبل قارن فوصلا وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب يسمى يؤيؤ وهو أحسن منظرا من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته محمودة وبين الطير مشكور الأحوال مشهور الخير والدلال وفيه من المعرفة والدين والعقل الرزين والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين وعنده من الوقوف على دقائق الأمور ما فاق به الجمهور وسار به على جميع الطيور وكان صيته قد اشتهر حتى مل البدو والحضر فنزل الذكر في مكان ليعرض عليه ما عن له من شأن فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من بابه فحين دخل عليه قبل الأرض بين يديه وتمثل لديه فاقبل اليؤيؤ عليه وأشار بتقريبه إليه وأزال الدهشة والوحشة عن حضرته وأقبل عليه بكليته وزاد في إكرامه وتحيته وسلامه وسأله عن محتده وجرثومه وما سبب سفره وقدومه ومن أين شد ركابه وما قصده وطلابه فأجابه:
لقد قص ريشي الدهر عن كل مطلب وألهمني بأنك راشي
ففي سمري مد كهجرك مفرط وفي قصتي طول كصدرك فاشي
ثم إعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في مكان من جبال الإيمان يضاهي الحنان ومن كثرة الروح والريحان يباهي روضة رضوان أنزه من عصر الشباب وافكه من معاقدة الأتراب ومنادمة الأحباب على رفيق الشراب، نشأت فيه مع قرينة جميلة صبية أمينة فقضيت فيه عمري ورجوت فيه بقية دهري قانعا بما تيسر من الرزق فارغا عن الاشتغال بما في أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد نعمة ذاكرا قول من بالتدريس اشتغل ومن بحار العلوم أغترف وتكمل ثلاثة تحسم: العقل والنفس الزوجة
[ ٢٠٦ ]
الجميلة والأخ المؤانس والاكتفاء من الرزق فكنت قصرت على هذه الثلاثة دهري وقضيت بها غالب عمري ولكن كان مأوانا وصيفنا وشتانا على الحوادث وممرا لكل عابث ومعبرا لمصايد الصيد وموردا لمواطئ عمرو وزيد وكنا كلما ولدنا مولود وتجدد لنا بالبهجة عهود وحصل للعين قرة وللقلب مسرة فنقول هذا يبقى ذكرنا بعدنا ويحيي آثارنا عند حلولنا لحدنا. فلم يكن أسرع من هجوم خاطفة أو هبوب ريح عاصفة فيخطفه من بيننا ويجذبه قسرًا من قلبنا وعيننا فإن سلم من تلك المصايد وتخلص من سهم المكايد حطمت عساكر الملك كل سنة فلا يخلو منها موطئ قدم من تلك الأمكنة فتذهب منا قرة العين وتتهشم غلظًا تحت الرجلين وهذا البلاء التام والكرب العام ولابد منه في كل عام فكان أيها المخدوم في شأننا موجب الهموم وأنشد:
يا ابن آدم لا يغررك عافية عليك شاملة فالعمر معدود
وما أنت إلا كزرع عند حضرته بكل شيء من الآفات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعها فأنت عند كمال الأمر محصود
فضاق مني لهذا العطن فلم أر أوفق من فراق الوطن فعرضت على الزوجة هذا الحال وأشرت عليها بالارتحال فأبت لا من حيث يولد ونفرت وعصت فقلت لها: المرء من حيث يوجد لا من حيث يولد فما زلنا نتحاور ونتراءى ونتشاور ويرمي كل منا سهم آرائه عن قوس فكره ومرائه حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن سلم ما في الحسبة ثم أعطت القوس باريها وأدركت من مقاصدي معانيها وسمحت غصبًا بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا من شقة بعيدة وقاسينا مشقة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مسملًا على اللطف والكرم وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صايد وفطمنا أنفسنا عن شباك
[ ٢٠٧ ]
الطمع وتجرعنا من كاسات المخاوف جرعًا بعد جرع فوصلنا بحمد الله تعالى إلى جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لنا بكل خير ضمين فحمدنا السرى وأنشدنا الشعرا مبشرًا ونعم البشارة والتصريح والإشارة وأنشد:
وجدنا من الدنيا كريمًا نؤمه لدفع ملم أو لنيل جزيل
وإن لم تكن بيننا سوابق خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه من أن ذاتك الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة تغني قاصد صدقاتك عن واسطة جميلة وأني لواثق بإسدائك المعاريف الجليلة وأن ظني بوفاء مكارمك يا خير من له في ملك صادق فاسأل إحسانك يا ذا الخير إيصالي إلى خير من ملك ملك الطير وإن كانت رفعته مكانه في العيوق ودون الوصول إليه بيض النوق لكن بواسطة الوسيلة يحصل الشرف والفضيلة ولا زالت الأكابر تأخذ بيد الغرباء الأصاغر ولربك العلو والشرف والسمو والعطف والحنو. فاهتز اليؤيؤ بهذا الكلام وارتاح وظهر في وجهه تأثير المسرة والارتياح وأنشد يقول بلسان ذلول:
قدمت بأنواع المسرة والهنا على خير منزول وأيمن طائر
فأهلًا وسهلًا ثم أهلًا ومرحبًا وبشرًا ويسرًا بالعلا والبصائر
أعلم أن قدومك قدوم صدق ومرافقتك سبب للرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح ونظرتك غذاء للقلب والروح أبشرا بكما تؤمل وتختار ذهب العثار وجاء الأمن واليسار والبشر والاستبشار وأصبت مرامك وأرحت مقامك وآنست منزلك ونلت مأملك فطيب خاطرك وبشر أهلك وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك، لقد قادك الرأي السديد والأمر الرشيد والفأل السعيد إلى أن لوبت إلى ركن شديد ملك عظيم خلقه كريم وفضله جسيم وجوده عظيم
[ ٢٠٨ ]
ونظيره عديم وبرعيته رؤوف رحيم لا يخيب قاصده ولا يرد سائله ولا يقطع واصله ولا يمنع حاصله لقد أنبتت مساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك في رياض السعادة عيون النرجس وشقائق النعمان. أعلم أن هذا الملك ذو جناب عالٍ عزيز المثال جامع لصفتي الجمال والجلال وإن كان مأواه في رؤوس الجبال وطبعه لا يخلو من جسارة وقلبه لا يخلو من قساوة وغذاؤه من اللحوم والحيوانات مشربه والمطعوم، لكن إذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعيف أو كسير أو قصده مضطر أو محتاج أو سلك إلى باب مرضاته منهاج فلا يكون ألطف منه ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمله ولا أرفق كما قيل:
بيض القطا بحضينه هو أجدر مخاليبه كالأسد إذ كن مسنه
منقاره ينسل سل السيو ف على كل من خادعته
يسل ممطرها على أعدائه وعلى الآذنين حلو كالعسل وسبب ذلك أن ضميره المنير خالٍ عن المكر والتزوير لا يعرف حيلًا ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا كذبًا ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا في ضميره سوء اعتقاده ولا يعرف غير الحق ولا يقول غير الصدق، وذلك لبعده عن مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي وسواس خناس. فقد اتفق العالم على أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم هائل فإن دأبهم المكر والتلبيس والخداع والتلبيس وحسبك قول شاعرهم في شرح ضمائرهم وبيان أحوال سرهم وسرائرهم:
بنو آدم إن رمت من خيرهم طنًا فأحلى الذي تجنيه عن وصلهم صبر
مكارمهم مكر ورؤيتهم ريا وودهم مود وجبرهم كسر
وقال غيره:
خذ عن الناس جانبًا كي يظنوك راهبا
[ ٢٠٩ ]
قلب الناس كيف شئت تجدهم عقاربا
وإن كان فيهم صالح أفسدوه وإلى سبيل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام الزال يكاد أن يبلغ حد الضلال فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار لا تحتاج إلى دليل فانهض الآن فقد آن التوجه إلى السلطان فما كان زمان يحصل فيه هذا الإمكان فإن الاجتماع به في كل وقت مشكل فتتوكل على الله بأحسن متوكل فإذا دخلت عليه وتمثلت بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ماذا يناسب الحال ويقتضيه المقام من فعل وكمال وكلام فاسلك طريقته وراعي مزاجه وحقيقته وادخل معه من ذلك الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع لطف الملوك من العنف وأقرب مباعدهم إذا استعطفوا من العطف وأصحبهم باللطف والأمانة وحدة الفهم والفطانة ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في شأن الملوك والسلاطين من شعر:
إن الملوك بلاء أينما حلوا فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا
وإن مدحتهم ظنوك تخدعهم واستثقلوك كما يستثقل الكل
فاستغن بالله عن أبوابهم كرما إن الوقوف على أبوابهم ذل
وقال سيد الأنام طرًا جاوره ملكًا أو بحرًا فإن رضوا رفعوا فوق الأفلاك وإن غضبوا والعياذ بالله تعالى فهو الهلاك، وأعلم أن هذا الملك له شمائل وصفات وخصائل يستدل بظاهرها على باطنها ويستدل بظهورها على حركات كامنها فإياك أن تغفل عن مراقبها وتهمل مآل عواقبها بل اجعل شواهدها نصب عينيك وتقرب من جنبك بجناحيك فإذا رأيته قد رجع من الاصطياد وقد ظفر منه بالمراد وقد اقتنصه وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي في صفحات نيران البطش مؤثره حتى نراه جلس
[ ٢١٠ ]
في مجالس السرور السارة وبسط جبهته للكرام جناح الحبور والبشارة وضم عن مطامح الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤوس المملكة الأنيس الصافي والجليس الوافي ودعا من الأطياب البلبل والهزار وكل من رقص بدفوف الأزهار وصفق من ذوي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق جلساؤه ما بين صميت وحاكٍ فتلك أوقات النشاط وساعات الفرح والانبساط فاعمل فيها ما بدا لك واطنب مقالك وكرر جوابك وسؤالك واهدر في بغبغتك وسجع في نعنعتك والعب بإبطيك وصفق بجناحيك، فإن السعد ناظر إليك والوقت لك لا عليك. وإذا رأيته جالسًا صامتًا وإلى الأرض باهتًا أو محمرة عيونه أو مضطربًا سكونه أو أفعاله على غير استوا أو أقواله دائرة مع الهوا فإياك والدخول عليه والوقوف بين يديه فإنه إذ ذاك يجعل ريان جسمك من روحك بلاقع ولو أنك النسر الطائر أو الواقع فتصير في مخالب البلا واقع من عير شك ولا دافع، وعلى كل حال فليكن عندك لكل مقام من هذه المقامات أبواب الكلام واقفله ولا تفتح فكثيرًا ما يخلص الساكت من الورطات وأفلح كما قيل:
فإن لم تصب في القول فاسكت فإنما سكوتك عن هذا الصواب صواب
قال الفصيح وقد أمن شر القبيح جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته وأوصل عليه فوائد الإحسان في عشيته وغلاته فما أشمل إحساناته وأسعد حركاته وسكناته وأوفى شفقته على قاصدي عتباته وهل هذا يطلب دليله كيف لا يوصل إلى الخير سبيله ويرجع حصول المرام مبيته ومقيله؟ ثم إن اليؤيؤ قطع ذلك
[ ٢١١ ]
العتاب وتوجه إلى حضرة العقاب ثم رجع على الفور ووجهه يلمع بالنور ودعا اليعثوب وتوجه وهو محسوب وشرعا في السير إلى خدمة ملك الطير فصعدا في جبل يساوي في المثل قبة الفلك أو مركز الحمل يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح سبحات المياه من وفي بحر ناديه يغرق جبين الوهن في صعود عقباته ويقصر سلم الهوى عن الوصول إلى أدنى درجاته، فلم يزالا يسيران وفي الجو يطيران حتى بلغا مقام الإمام الحجل واليؤيؤ واقف مواقف الخجل ينشد هذا الكلام ويتغنى بحسنه في مدح الهمام:
لكل أعلى إمام أسرة تقتدى به وأنت لأهل المكرمات إمام
فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المراقي والمعارج وترقيا في تلك المسالك عن دركات المهالك حتى انتهيا إلى أوج ربا الشمس في حضيضه وتركا دور الدراري في قعر مغيضه فدخلا رياضًا تلونت ومروجًا بأزهارها تحسنت وأرضًا قال لها صانع القدرة تكوني كأخلاق الكرام العطرة، فطينتها من المسك والزعفران تكونت وأخذت الأرض زخرفها وأزينت وابتهج رضوانها برضوان خازن الجنان ثم إلى جدار سلطنة العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب فوجد السلطان الطير جالسًا على السرير وقد اكتنفه من الطير كل كبير وصغير وأنواع الجوارح في الحلقات والطير في الجو صافات كل يفدي الملك ويقدم جسده وروحه ويسبح من أعطاه الملك وكل قد علم صلاته وتسبيحه ﷻ وتعالى سبحانه، فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضرة فقبل الأرض بين يدي السلطان ووقف في مكانه وقال شخص يليق في خدمة الملوك عارف بطرائق السلوك واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب طالب الدستور والإنعام بالحضور ليشمله النظر الشريف ويغنم بحظ
[ ٢١٢ ]
وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال لنعمته فعطف بالقبول وأذن له بالقول وسمح له بالمسؤول وبلوغ المأمول فتوجه اليؤيؤ على عجل إلى دعوة الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة متعثر وعليه الحلة الكافورية تحت الخلعة السابورية كأنه شيخ الصوفية أو طائفة السادة الشاذلية ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بها وما وقف:
ولو أن يعفور أو كسرى وتبعًا رأوك لخروا بين أيديك سجدا
وما إن وفوا حقًا لديك وإنما على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا
فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ ونادى الحجل يريد إزالة الدهشة عنه والخجل وطلب المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب والأديب الخطيب دع وهتمك وأزل وحشتك وأفصح بكلامك عن بيان مقامك فعبارتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل، فإن كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أرباب السلوك يبين العدل من نورها طرائفه ويزين الفعل في مجاريها حقائقه وتستقيم به الأمور ويستفيد منها الجمهور، فقد أوفت تشنيف المسامع بجواهره ونثر درها على بادي الحاضرين وحاضره فإن المجال قابل وعنق الإصغاء إلى الاستماع لنصايحك مائل ومجال الحكم لذلك واسع ومحل الكريم الشريف معط بلا مانع أوان كنت وقفت على مظلمة أو تريد كشف مأثمه أو رفع بلوى أو بث شكوى أو حاجة في نفسك أو شيئًا قاسيته في يومك وأمسك فقل ولا تقف وأقبل ولا تخف فالقلوب عاطفة عليك والعيون ناظرة إليك.
فقال الحجل: الحمد لله الذي أبرأ جراحنا وأحيى بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الخوف والضرر في
[ ٢١٣ ]
إنهماك ومرت علينا سنون ونحن في بحار الخسارة والغبون وطالما كادت نيران الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة الفواد تزدحم إلى أن انتشر في كل مكان أخبار عدلها وقد ظهر على كل لسان تكرار فضلها واشتهر لكل حيوان آثار مكارمها ونيلها فصارت أمانًا لكل مخوف وملجأ لكل ملهوف، لكن كانت عوادي الدهر تقرع تلك الدواعي وحوادث الزمان تعترض من دونها تلك المساعي تارة باكتناف المخاوف وطورًا باختطاف الخواطف وحينًا بضعف المباني وأوانًا ببعد المعاون المعاني. وأما الآن فقد زالت المهالك والمهاوي واسترحنا في ظل جناح هذا الملك العظيم من ضرر المسالك والمساوئ واضمحل الخلل والعلل إذ قد حللنا بعفوه شريعة وسدة منيعة وأمنًا شر المكايد وتركنا المصايد وتوسدنا فراش الدعاء على أسرتها المرتفعة واستظللنا جناح الأمن والسعة فقد قيل عدل السلطان خير من الجود والامتنان والسلطان الفاضل كالأب الشفيق والولد الرفيق والأخ الصديق والزاهد الصديق يحفظ الرعية من برد الماء وحر النار كما يحرس الوالد ولده من هبوب الهوا وشم الغبار، أنشد يقول:
نزلنا في ذر ملك كريم يرانا مثل أولاد الكرام
أضل نوائب الأيام عنه فلم ترنا ولا وقت المنام
ولا مطر السماء يصيب منا كأن مقامنا فوق الغمام
فقال الملك: أهلًا بك وسهلًا وناقة ورحلًا لقد حللت بساحة الاستراحة ومتاخمة للأمن هي مباحة ووجهه لبس بها الصائد وشاحه ولا لحي صحيحًا فضلًا عن مصاب الجراحة وتخلصت من حواسر الكواسر ومخاليب النواسك والنوائر وتزلت بوادي الخبر ونادي ملك الطير فأكرمت نزلك فاذهب بسلام وآت بثقلك وتخير مكانًا تختار وجارًا أحسن الجوار. فقال أيها الملك السعيد: أنا
[ ٢١٤ ]
شخص غريب فريد محتاج فقير لا إبريق ولا حصير أنشد يقول:
من رآني فقد رأى عش بيتي أنا ذلك البيت أتيت كما أنا
وقال أيضًا:
أنا لولا الحياء وخوف العار لم أكن في النوم إلا عاري
من رآني فقد رآني وبيتي ودثاري ومركبي وشعاري
غير أن لي قرينة حقيرة وهي مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء قضينا مقامًا مضرة من صباح ومساءً لم يترك لنا عقار الحوادث دارًا ولا يد العوايق عقالاص ولا عقارًا ولا مخلب العوابث ولدًا ولا قرارًا ولا ناب الكوارث جارًا ولا جوارًا، والويل كل الويل لمن كان مستقره من طوارق الدهر على طريق النيل ولما طال الكلام في ريت وريت وقضايا كيت وكيت ولم يبق في البيت سوى البيت وبلغ سيل العمر الربا وحزام الهم الصبا وما حال من رأى أولاده كبدة تتقطع وتعضعض ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخالب الجوارح تتبعض ولا يد للرافعة تمتد ولا نهضة للمانعة تشتد سوى ما ينشد الحال ولسان المقال وقد قال:
#كفى حزنًا أني أرى من أحبه=رهين الردى يرنو إليّ بطرفه
أود بمالي لو يفدى ومهجتي=ولكن يد التقدير غلت لحتفه
فتركنا تلك الديار للأضرار وعلى ساحتك الشريفة وقع الاختيار فنظرنا إلى التحويل بين الساعات واخترنا للرحيل أحسن الأوقات ثم لما ضمتنا المها والقفار وأسرى بنا الليل والنهار فكم زغنا عن أبي الحصين ولاقينا من الكرب والبلا ما لاقى بكربلا الحسين وكم نجانا من بني زهار إلى كهف واجم وغار واحترزنا من قنافذ وحيات ذوات سم نافذ ونفرنا من أفاعي إشراك وحدنا عن أوهان شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور
[ ٢١٥ ]
كل ذلك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وفي ظلال عدلك مبيتنا ومقيلنا حتى حللنا بدار الآمال ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل خالق الورى لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى الغيا عصي التيار فقد أمنتما الدمار والبوار إذ نزلتما بجوار خير جار فتركت القريبة الغريبة في ذروة حصينة مهيبة وأقمت بجنانك الشريفة ومقامك المنيف مقرًا عظيمًا وجنابًا كريمًا ومجلسًا عاليًا وبابًا ساميًا فنوديت ونوجيت، وأنشد يقول:
هذا هو الملك الذي من يأته يعطي المخوف أمانة لزمانه
رب الورى إحسانه فكأنما أرزاقه كتبت على إحسانه
ثم إنه نهض من مكانه وقتل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزًا بأمنية حتى وصل إلى خليلته فأخبرها بما جرى بتخبير المشترى وكيف تلقى مقدمه اليؤيؤ والملك وكيف به إلى الملك سلك وكيف كان خطابه وعلى صورة حسنة جوابه فسر صدرها وانشرح وطارت بهذه البشارة من الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل لهما من الأنعام والانتساب والإحسان ما نسيا به الأوطان وسلكا في خدمة الملك مع جماعة السنة وخوطب الحجل اليعقوب أسكن أنت وزوجك الجنة. فلما استقر بهما الدار وتبدل الانكسار بالانجبار وأضيف عليهما من الصدقات والإدرارات والنفقات ما لم يخطر ببالهما ولا مر على خيالهما وحصل لهما الأمن والأمان والسلامة والإطمئنان فاستقرت خواطرهما وسرت سرائرهما، لازم الحجل الخدمة على الوجه الأحسن قائمًا بمواجب العبودية مهما أمكن متميزًا على سائر الخدم والتابعين عند الملك في الخدمة والحزم ناشرًا ألوية النصيحة ناثرًا للجواهر بالأثنية الفصيحة والعبارات المليحة والإشارات الصبيحة على ممر الأيام وسائر الشهور
[ ٢١٦ ]
والأعوام ثم ختم الكلام في هذا المقام بأعظم ختام ولله الملك العلام الحمد على التمام والشكر على الأنعام وعلى رسوله أفضل الصلاة والسلام وآله السادة الكرام وأصحابه السادة الأعلام ما فاح مسك الختام بهذا المقام.
[ ٢١٧ ]
فراغ
[ ٢١٨ ]