وليس هؤلاء الرواة -فيما يبدو لنا- طبقة خاصة قائمة بذاتها. فلم يكن من بين الرواة من نصب نفسه لإصلاح الشعر واختص بهذا الأمر واقتصر عليه.
فقد يكون هؤلاء الرواة المصلحون للشعر: من الشعراء الرواة، أو من رواة القبيلة، أو من رواة الشاعر -وقد تحدثنا عنهم جميعًا- وقد يكونون من الرواة العلماء الذين سنتحدث عنهم بعد قليل. غير أن إصلاح الشعر موضوع قائم بذاته، ومن هنا كان إفرادنا إياه في طبقة خاصة توضيحًا للأمر وتفصيلًا لأقسامه.
وأول ما استرعى انتباهنا أننا رأينا رواة في القرن الأول يصلحون بعض الشعر الأموي؛ فمن ذلك أن شيخًا من هذيل -كان خالًا للفرزدق- دخل على رواة الفرزدق فوجدهم "يعدلون ما انحرف من شعره"، ولما جاء رواة جرير وجدهم
[ ٢٤١ ]
كذلك "يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد"١.
ووجدنا الرواة يقولون٢: أخطأ ذو الرمة حيث يقول:
قلائص ما تنفك إلا مناخة على الخسف أو نرمى بها بلدًا قفرًا
ومن أجل ذلك غيره بعض الرواة "ممن يريد أن يحسن قوله" فجعلوه: آلًا مناخة. وقالوا: إنما قاله ذو الرمة على هذا. وكان إسحاق الموصلي ينشده: آلًا، ويقول: نحتال لصوابه٣.
وقال الأصمعي٤: قرأت على خلف شعر جرير فلما بلغت قوله:
فيا لك يومًا خيره قبل شره تغيب واشيه وأقصر عاذله
فقال خلف: ويله، وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقال الأصمعي له: هكذا قرأته على أبي عمرو. فقال: صدقت وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع. فقال الأصمعي: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال: فيا لك يومًا خيره دون شره. فاروه هكذا، فقد كانت الرواة قديمًا تصلح من أشعار القدماء. فقال له الأصمعي: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا.
فخلف إذن يعلم أن الرواة كانوا قديمًا يصلحون من أشعار القدماء! وهو في أثناء حديثه يسوغ هذا الإصلاح إذا كان الشاعر "قليل التنقيح مشرد الألفاظ".
ومن هنا كان من العسير على الرواة، فيما يبدو، أن يجدوا في شعر شاعر يتروى في شعره، وينقحه ويهذبه، كزهير مثلًا، ما يصلحونه له. ولذلك نرى من
_________________
(١) ١ الأغاني ٤: ٢٥٨. ٢ الموشح: ١٨٤. ٣ الموشح: ١٨٢. ٤ الموشح: ١٢٥، وانظر أيضًا العمدة ٢: ١٩٢-١٩٣ ورد ابن رشيق على هذا التصحيح.
[ ٢٤٢ ]
الأمثلة التي سنوردها أنها تدور على إصلاح شعر امرئ القيس وعدي ولبيد.
فقد قال امرؤ القيس١:
فلو أنها نفس تموت سويةً ولكنها نفس تساقط أنفسَا
وقد وجد الرواة أن "سوية" لا تقابل "تساقط أنفسَا" ومن هنا أرادوا أن يعدلوا عن هذا العيب، عيب فساد المقابلات، فغيروه، وأبدلوا مكان "سوية" "جميعةً" لأنها في مقابلة "تساقط أنفسا" أليق من "سوية".
وكذلك قال امرؤ القيس٢:
فاليوم أشرب غير مستحقب إثمًا من الله ولا واغل
فقالوا: "قد حذف الشاعر الإعراب، وليس بالحسن". وذهبوا إلى أنه يريد "أشرب" فحذف الضمة؛ ولذلك غيروه، فجعله بعضهم "فاليوم فاشرب" بصيغة الأمر.
وقال امرؤ القيس أيضًا ينوح على أبيه٣:
رب رامٍ من بني ثعل مخرج زنديه من ستره٤.
فلما أنشد الأصمعي البيت قال: أما علم أن الصائد أشد ختلًا من أن يظهر شيئًا منه؟ ثم قال "فكفيه" -إن كان لا بد- أصلح. قال المازني: فالأصمعي أصلحه: كفيه.
وقال عدي بن زيد العبادي٥:
_________________
(١) ١ المرزباني، الموشح: ٨٥. ٢ المصدر السابق: ٩٥. ٣ المصدر السابق: ٢٨. ٤ في رواية: متلج كفيه؛ أي: مدخل. ٥ المصدر السابق: ٢٢.
[ ٢٤٣ ]
ففاجأها وقد جمعت جموعًا على أبواب حصنٍ مصلتينا١
فقدمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبًا ومينا
وهذه هي الرواية الأولى، ولكن في قوله "مينًا" سنادًا، ولذلك أراد المفضل الضبي أن يفر من هذا السناد فغيرها وجعلها "كذبًا مبينًا".
وقال لبيد٢:
أو مذهب جدد على ألواحه ألناطق المبروز والمختوم
والكلمة الأولى من عجز البيت ألفها ألف وصل، ولكنها في هذه الرواية قطعت "فعدل عن ذلك بعض الرواة استيحاشًا من قطع ألف الوصل"، فغيروه، وجعلوه:
" على ألواحه ن الناطق"
وقال ابن مقبل٣: "إني لأرسل البيوت عوجًا فتأتي الرواة بها قد أقامتها".
_________________
(١) ١ يذكر خبر الزباء وغدرها بجذيمة الأبرش. الأديم: النطع. راهشيه: عرق جذيمة الأبرش. ٢ لسان العرب "ذهب". ٣ مجالس ثعلب: ٤٨١.
[ ٢٤٤ ]