وقال يمدح أبا العشائر: الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان العدوي التغلبي وهي أول شعر في بني حمدان:
أتراها لكثرة العشاق تحسب الدمع خلقةً في المآقي
المآقي: طرف العين مما يلي الأنف.
يقول لصاحبه: أحسبت هذه المرأة أنها لكثرة ما ترى من الدموع في عيون عشاقها أنه خلقة في عيونهم؟ فلهذا لا ترحمهم!
كيف ترثي التي ترى كل جفنٍ راءها غير جفنها غير راق
راءها: مقلوب رآها. وغير: الأولى نصب على الاستثناء، والثانية: على تفسير البيت الأول.
يقول: كيف ترحم هذه المرأة للباكين بسببها، لأنها ترى كل عين باكية غير راقية الدمع عنها، فهي تحسب أن ذلك خلقة، لأنها لم تر إلا باكيًا سائل الدمع، واستثنى جفنها، فبين أن كل عين كذلك إلا عينها؛ لأنها لم تعشق أحدًا فلا تجزع للفراق! وقال ابن جنى: إنها لا تبكي، لأنها لم تهجر نفسها.
وهذا البيت من بدائع أبي الطيب المتنبي.
أنت منا فتنت نفسك لكن ك عوفيت من ضنىً واشتياق
يقول: أنت منا أي من جملة العشاق، لكنك قد فتنت نفسك كما فتنا بحسنك! أي أنت عاشقة لنفسك كما نعشقك؛ لأن كل أحد يحب نفسك، غير أنك سلمت من ألم الوجد وطول المرض والاشتياق؛ لأن الإنسان لا يشتاق إلى نفسه فلا يتألم من حبها
حلت دون المزار، فاليوم لو زر ت لحال النحول دون العناق
حلت: أي منعت. والمزار: الزيارة.
يقول: منعتنا من الزيارة فنحلنا لذلك! وذابت أجسامنا، فلو أردت الآن وصلنا منع النحول من معانقتك.
إن لحظًا أدمته وأدمنا كان عمدًا لنا وحتف اتفاق
يقول: نظر كل واحد منا إلى صاحبه عن تعمد منا، فاتفق في ذلك حتفي من غير قصد! وهذا من قولهم: رب حتفٍ في لحظة طرفٍ.
لو عدا عنك غير هجرك بعدٌ لأرار الرسيم مخ المناقي
عدا عنك: أي صرف. وبعدٌ: فاعله. وقوله أرار أي أذاب. والرسيم: هو سير شديد من سير الإبل. والمناق: جمع منقية: وهي السمينة التي في عظامها مخ.
يقول: إنما صرفنا عنك هجرك، ولو حال بيننا بعدٌ سوى الهجر لواصلنا السير إليك وهزلنا النوق بالسير، حتى يذوب بالسير مخ عظامها.
وقوله: لأرار الرسيم: أي لأذاب السير الشديد مخ المناق.
ولسرنا ولو وصلنا عليها مثل أنفاسنا على الأرماق
الأرماق: جمع الرمق، وهو بقية الحياة.
[ ١ / ١٩٧ ]
يقول: لو كان بيننا بعدٌ غير الهجر، لسرنا إليك ولواصلنا السير حتى تذوب أبداننا وتهزل رواحلنا فتكون في الخفة كأنفاسنا وتصير إبلنا مهزولةً وهذا من قول أبي الشيص.
أكل الوجيف لحومهم ولحومنا فأتوك أنقاضًا على أنقاض
ومثله قول الآخر
أنضاء شوق على أنضاء أسفارٍ
ما بنا من هوى العيون اللواتي لون أشفارهن لون الحداق؟
ما بمعنى التعظيم، أي: أي شيء؟ بنا من هذه العيون التي لون أشفارها في السواد، مثل لون أحداقها.
وهذا نهاية في الحسن كما ترى.
قصرت مدة الليالي المواضي فأطالت بها الليالي البواقي
قصرت: فعل المحبوبة. وقيل: فعل العين.
يقول: قصرت هذه المرأة علي مدة الليالي المواضي بالوصال الذي كان منها، وأطالت الآن لما هجرتني، الليالي البواقي.
وقوله: أطالت بها: أي قابلت قصر الليالي المواضي بطول الليالي البواقي فحصل طول هذه مكافأةً على قصر تلك.
وقيل: أراد طالت الليالي البواقي بسبب قصرها في المواضي، أي أن قصرها صار سببًا لطولها.
كاثرت نائل الأمير من الما ل بما نولت من الإيراق
الإيراق: هو الإسهار. يقال: أرقه يؤرقه إيراقًا. مثل: أرقه يؤرقه توريقًا.
يقول: هذه المرأة تكاثر نائل الأمير؛ في إعطائها لنا السهر فتناهت في ذلك، كما أنه تناهي في إعطاء المال.
وقيل الإيراق: مصدر أورق الصائد إذا خاب. ومعناه: أنها تكاثرت في المنع، فمنعها مثل جوده.
ليس إلا أبا العشائر خلقٌ ساد هذا الأنام باستحقاق
طاعن الطعنة التي تطعن الفي لق بالذعر والدم المهراق
يقول: إنه يطعن الطعنة فتملأ هذه الطعنة قلوب الجيش، خوفًا ورعبًا فكأنه طعن الفيلق وأرقا دمآءهم.
وقوله: ليس في البيت الأول مبتدأ وأبا العشائر خبره.
ذات فرغٍ كأنها في حشا المخ بر عنها من شدة الإطراق
ذات فرغ: جر لأنه بدل من الطعنة. وقد روي بالنصب: على الحال. والمخبر: بفتح الباء الذي أخبرته بخبر. وفرغ الدلو: مصب الماء منه. شبه الطعنة بالدلو لسعتها، أي أن الدم يسيل منها كما يسيل الماء من فرغ الدلو، ثم قال: لو أخبر مخبر إنسانًا بصفتها لملأ قلبه ذعرًا، حتى أطرق رأسه استعظامًا لها، حتى كأن الطعنة في حشا السامع بها.
ضارب الهام في الغبار وما ير هب أن يشرب الذي هو ساق
ما للنفي. يقول: إذا هاجت الحرب وارتفع الغبار يضرب رءوس الشجعان، ولا يخاف أن يشرب كأس الموت الذي يسقيه الشجعان.
فوق شقاء للأشق مجالٌ بين أرساغها وبين الصفاق
الشقاء: الفرس الطويلة القوائم، والذكر: أشق والأرساغ: جمع الرسغ، وهو موصل الكف في الذراع، والقدم في الساق. والصفاق: الجلد الرقيق تحت الجلد الظاهر من البطن في الإنسان والدابة.
واختلفوا في الأشق هاهنا.
ومعناه: أن يضرب الهام راكبًا فرسًا شقاء يجول تحت بطنها كما يجول المهر تحت بطن أمه. وقيل. أراد بالأشق: والد هذه الشقاء. ومعناه: أنه فوق فرس شقاء، لوالدها مشابة بها، وهو معنى المجال في أرساغها وصفاقها، أي قوية الأرساغ وسائر الأعضاء، كما كان والدها كذلك.
وقيل: أراد بالأشق الرمح، أي أنه فوق هذه الفرس، وللرمح مجال ومضطربٌ بين جلد بطنها وأرساغها. وقيل. الأشق من المشقة: والمراد به المصروع من الشجعان الذي يكون على أشق الحال، ومعناه أنه على هذه الفرس يطأ الشجعان بقوائمها، فيكون لهم مجال بين أرساغها وصفاقها.
وقيل: أراد أشق الممدوح. إما لأنه طويل القامة، أو أنه أشق الناس على أعدائه من المشقة، فيكون له مجال فوقها بالامتداد والانثناء لحذقه بالطعن.
همه في ذوي الأسنةلافي ها وأطرافها له كالنطاق
يقول: لا يبالي بالأسنة التي تحيط به من جوانبه كالنطاق، ولا يكون له بها همة ولا يحذر منها، بل يكون همه مصروفًا إلى أرباب الأسنة ليطعنهم ويأسرهم ومثله لأبي تمام:
إن الليوث ليوث الغاب شأنهم يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
ما رآها مكذب الرسل إلا صدق القول في صفات البراق
هذا البيت زائد.
يقول: ما رأى هذه الفرس الشقاء، من يكذب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا صدق ما يذكر في أمر البراق، من السرعة في السير.
[ ١ / ١٩٨ ]
ثاقب العقل ثابت الحلم لا يق در أمرٌ له على إقلاق
ثاقب: قيل معناه: عقله صادق من الجهل منير، يرى به الأمور على حقائقها.
وقيل: بين العقل. وقيل: نافذ العقل ثابت الحلم أي أنه متمكن من حلمه لا يطيش ولا يزعجه شيء ولا يقلقه أمر، لثبات عقله وزيادة حلمه.
يا بني الحارث بن لقمان لا تع دمكم في الوغى متون العتاق
يقول لقومهم: لا عدمتكم ظهور الخيل في الحرب. وخص ذلك في حال الحرب؛ دلالة على شجاعتهم. لأن ملازمة ركوب الدواب عادة الرائضين.
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي فكأن القتال قبل التلاقي
يقول: ملئوا قلوب أعاديهم من الخوف، فانهزموا منهم قبل ملاقاتهم وقتالهم، فكان القتال والحرب قبل الالتقاء.
وتكاد الظبي لما عودوها تنتضي نفسها إلى الأعناق
الظبي: جمع ظبية وهي حد السيف. والتأنيث عائد إليها.
يقول: إنهم عودوا سيوفهم إخراجها من الأغماد، وضرب أعناق الأعداء بها، فهي تكاد تخرج نفسها من أغمادها، وتتوصل إلى الأعناق قبل أن يسلوها منها ويضربوا بها.
وإذا أشفق الفوارس من وق ع القنا أشفقوا من الإشفاق
يقول: إذا اشتدت الحرب وخاف الفرسان من الطعن، خاف هؤلاء من الخوف، فلا يقدمون في الحرب.
كل ذمرٍ يزيد في الموت حسنًا كبدور تمامها في المحاق
الذمر: الشجعان يقتحمون المعركة. وقوله: تمامها في المحاق إن أراد بذلك استكمال ضوئها، ففي الظاهر تناقض.
وتأويله: أن كل واحد منهم إذا مات زاد حسنه، لأنه لا يموت إلا قتلًا. فكأنه يقول: هم في الحسن بدور، وإذا قتلوا زاد حسنهم بما يظهر من صبرهم وإقدامهم فكأنهم بدور، تمامها في المحاق على سبيل التقدير: أي لو وجدت بدور إتمامها في محاقها لكانوا مشبهين بها.
وذلك من تعليق الجائز بالمحال.
وقيل: أراد بالتمام غاية ما يفضى إليه أمر البدور وهو المحاق. ومعناه: أن هؤلاء تمام أمرهم في قتلهم. كبدور يفضي أمرها بالمحاق فكذلك يفضي أمر هؤلاء إلى القتل، ولا يموت أحد منهم إلا حتف أنفه.
جاعلٍ درعه منيته إن لم يكن دونها من العار واق
الهاء في دونها للمنية.
يقول: كل واحد منهم إذا لم يمكن دفع العار عن نفسه إلا بتدرع الموت، يجعل المنية درعه حتى يقي بها عن نفسه.
كرمٌ خشن الجوانب منهم فهو كالماء في الشفار الرقاق
يقول: فيه كرم يحمله على خشونة جوانبه على الأعداء، ففيه لين من حيث الكرم، وخشونة من حيث البأس والامتناع من الأنفة، فهو كالسيف إذا سقي صلبت شفرته وألبسها خشونة مع ما فيه من الرقة والصفاء.
وهذا من بدائع المتنبي.
ومعالٍ إذا ادعاها سواهم لزمته جناية السراق
يقول: لهم معالٍ مشهورة لا يمكن لأحد أن يدعيها لنفسه، فإن ادعى مدع ذلك لزمه ما يلزم السارق من قطع اليد.
يابن من كلما بدوت بدا لي غائب الشخص حاضر الأخلاق
نصب غائب وحاضر على الحال. وبدا فعل من وأراد به الأب.
يقول: إذا رأيناك كأنا رأينا أباك، لأن أخلاقه موجودة فيك فلم تفتقد منه إلا شخصه.
لو تنكرت في المكر لقومٍ حلفوا أنك ابنه بالطلاق
يقول: إنك تشبه أباك في إقدامه وشجاعته، فلو تنكرت: أي أخفيت نفسك. في المكر: أي في الحرب. لحلفوا بالطلاق أنك ابنه. وخص المكر: إشارة إلى أنه في الإقدام والشجاعة لا يشبه إلا أباه، إذ مثل ذلك لا يوجد إلا منه، أو من أبيه، أو لأن هذا الموقف أشرف المواقف وأفخرها والشبه هنا أقوى الأشياء وأنفسها.
كيف يقوى بكفك الزند والآ فاق فيها كالكف في الآفاق
الهاء في فيها للكف.
يقول: كيف يطيق زندك حمل كفك؟ مع أن كفك قد أحاطت بنواحي الأرض! حتى صارت الآفاق في كفك بمنزلة كف الإنسان في الآفاق قلة وحضارة. وأراد بذلك سعة عطائه، وأنه يريد منافع العالم.
وقيل: معناه كيف يوري الزند النار ولا ينكسر من قوتك؟! وكفك يحيط بالآفاق إحاطة الآفاق بكف غيرك.
قل نفع الحديد فيك فما يل قاك إلا من سيفه من نفاق
يقول: الحديد لا يعمل فيك، فعجز أعداؤك عن المجاهرة بعداوتك وأعادوا السيوف والرماح واختاروا مواراتك والنفاق في حبك، فأظهروا الحب والانقياد. ولطوا على العماوة والشقاق.
[ ١ / ١٩٩ ]
وقيل على الثاني: استعمال الحديد معك لا ينفع ولا حاجة إلى الزند، مع أنك توري، ولذلك لا يلقاك أحد إلا من جعل سيفه من نفاق، وتصنع الاستماح منك دون المجاهرة بعداوتك.
إلف هذا الهواء أوقع في الأن فس أن الحمام مر المذاق
يقول: هؤلاء الذين يداجونك بالعداوة، ألفوا هذه الدنيا وتنسم هذا الهواء، ومن ألف الدنيا واستطاب حياتها، فهو يختار ما يؤدي إلى القيام بأمرها، فإلفهم لها أوقع في أنفسهم: أن الموت مر المذاق.
والأسى قبل فرقة الروح عجزٌ والأسى لا يكون بعد الفراق
يؤكد المعنى الذي ذكره. يقول: الجزع من الموت قبل حلوله عجز وجبن، فلا معنى له والروح بعد لم تفارق، فإذا فارقت الروح بطل الجسم وزالت حياته وبطل حسه، فإذا ليس للجزع من الموت وجه.
كم ثراءٍ فرجت بالرمح عنه كان من بخل أهله في وثاق
الثراء والثروة: المال. والوثاق: بالفتح ما يوثق به. يقول: كم مالٍ كان في بيت بخيل قتلته واحتويت عليه وفرقته إلى أهله، وكان عندهم في وثاق البخل، ففرجت عنه وفككته من وثاقه.
والغنى في يد اللئيم قبيحٌ قدر قبح الكريم في الإملاق
الإملاق: الفقر.
يقول: الغنى لا يحسن في يد البخيل إذ لا يفرح أحد به ولا يظهر عليه، فهو في القبح في اللئيم، كالفقر بالكريم.
ليس قولي في شمس فعلك كالشم س ولكن في الشمس كالإشراق
يقول: ليس ثنائي عليك. وضع لشمس فعلك كالشمس، لكنه دليل على فعلك، وإذاعة له وتسيير له في البلاد، كالإشراق للشمس إذ لولاه ما كانت الشمس تشمل العالم بضوئها، فكذلك لولا ثنائي لكاد لا ينشر ذكره.
وقيل: معناه إن قولي ليس نظيرًا لفعلك، ولكنه صادر عنه، كانتشار الضوء عن الشمس، ففعلك شمس وثنائي إشراقها.
شاعر المجد خدنه شاعر اللف ظ كلانا رب المعاني الدقاق
الخدن: الصديق، واراد به نفسه. وجعله خدنًا تخصصًا به وتحققًا بمودته. وفيه ضرب من الكير وتطاول العنق! يقول: هو شاعر المجد يبدي فيه البدائع والغرائب، وأنا شاعر اللفظ، فكل واحد منا بديع في فنه، ويغرب في شعره، ويأتي بدقائق المعاني التي يعجز عنها غيره، فالملوك عجزوا عن مجده، والشعراء عجزوا عن شعري وهذا من قول البحتري:
غربت خلائقه وأغرب شاعرٌ فيه فأبدع مغربٌ في مغرب
لم تزل تسمع المديح ولكن صهال الجياد غير النهاق
يقول: كنت أبدًا تسمع المديح، ولكن لم يمدحك أحد مثلي، فشعري كصهيل الفرس الجواد، وشعر غيري كنهيق الحمار!
ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأد هر أو رزقه من الأرزاق
أي: ليت حظي من السعادة مثل حظ هذا الدهر الذي أنت فيه في الأدهر، وليتني رزقت مثل ما رزق هذا الدهر.
أنت فيه وكان كل زمانٍ يشتهي بعض ذا على الخلاق
معناه: أنت في هذا الزمان، فكل زمان مضى قبله يشتهي أن يكون حصل له بعض ما حصل لهذا الزمان، لكونك فيه ومثله لمسلم:
الدهر يغبط أولاه أواخره إذا لم يكن كان في أعصاره الأول
ودخل عليه يومًا وهو على الشراب وبيده بطيخة من ند في غشاء من خيرزان، على رأسها قلادة لؤلؤ، فحياه بها وقال: أي شيء تشبه هذه فقال:
وبنيةٍ من خيزرانٍ ضمنت بطيخةً نبتت بنارٍ في يد
كل ما يبني: فهو بنية وبناء.
يقول: هذه بنية من خيزران، جعلت فيها بطيخة نبتت من نار في يد صانعها فنباتها من النار يخالف سائر البطيخ.
نظم الأمير لها قلادة لؤلؤٍ كفعاله وكلامه في المشهد
يقول: نظم الأمير في هذه البطيخة قلادة من لؤلؤ، وتشبه هذه القلادة فعله وكلامه في المجلس.
كالكأس باشرها المزاج فأبرزت زبدًا يدور على شرابٍ أسود
شبه هذه البطيخة بكأس فيه شراب أسود، والقلادة التي عليها بالزبد. الذي يعلو الشراب إذا مزج.
وقال فيها أيضًا ارتجالًا يصف البطيخة:
وسوداء منظومٌ عليها لآلىٌ لها صورة البطيخ وهي من الند
كأن بقايا عنبرٍ فوق رأسها طلوع رواعي الشيب في الشعر الجعد
الواو بمعنى رب. يقول: إنها في صورة البطيخ، لكنها من الند! وقوله: رواعي: جمع راعية، وهي أول شعرة تبيض وقيل: ما انتشر منه في الرأس. وقيل: مقلوبة من رائعة، لأنها تروع.
[ ١ / ٢٠٠ ]
شبه العنبر الذي كان فوق رأسها ببياض الشعر، في الشعر الجعد، لأن البطيخة كانت سوداء والعنبر ما ضرب إلى الشيبة، وخص الجعد؛ لأنه مع السواد في الأغلب. وقيل أتى به لأجل القافية.
وقال أيضًا يصف هذه البطيخة
ما أنا والخمر وبطيخةٌ سوداء في قشرٍ من الخيزران؟!
رفع الخمر وبطيخة عطفًا على ما. أي: ما أنا والخمر، وما بطيخة. ويجوز نصبه على معنى الفعل، وتكون الواو بمعنى مع.
يقول: أي شيء أنا، أي ما لي وملابسة الخمر وهذه البطيخة السوداء التي قشرها من الخيزران، عن الشغل بالحرب في طلب الذكر والصيت.
يشغلني عنها وعن غيرها توطئتي النفس ليوم الطعان
روى: توطئتي من وطأت الشيء: أي لينته. وروى: توطيني بها النفس من وطنت النفس على الشيء. والمعنى واحد.
يقول: يشغلني عن هذه البطيخة وغيرها من الطيب، استماع قصر نفسي على الحروب والمطاعنة فيها.
وكل نجلاء لها صائكٌ يخضب ما بين يدي والسنان
وكل عطف على توطئتي النفس. وهو رفع، ويجوز جره عطفًا على قوله: ليوم الطعان. وقوله: صائك أي دم يابس يلصق بالرمح.
يقول: يشغلني عما ذكرت، كل طعنة واسعة يخرج منها دم كثير حتى يخضب به الرمح واليد.
فقال أبو العشائر لجلسائه: لو أراد أن يقول فيها ألف بيت لفعل.
وكبس أنطاكية جيش السلطان وقصد دار أبي العشائر، وهو يومئذ يلي حربها، وكان قد بكر إلى الميدان، فلما رجع وقد تفرق الناس عنه، لقي أوائل الخيل فهزمها من السوق إلى باب فارس، فأصابه سهم في خده فأضربه. وضرب رجلًا منهم على رأسه فقتله، وكثر الناس عليه، فرجع حتى خرج من باب مسلمه وما تبعه أحد، ومضى إلى حلب، وعاد بعد ذلك إلى أنطاكية، واتصل خبر عودته بأبي الطيب وهو بالرملة، فسار إلى طرابلس فعاقه ابن كيغلغ على ما تقدم ذكره ثم سار إلى أنطاكية فقال يمدح أبا العشائر:
مبيتي من دمشق على فراش حشاه لي بحر حشاي حاش
حشاه: فعل ماض. وفاعله: حاش، وحشاي اسم. والجمع: أحشاء.
يقول: كأنني من شدة الحزن وبعد النوم عني، على فراش قد حشي بما أجده من حرارة الشوق، فكأن حرارة حشاي نقلت إلى فراشي، وحشي بحرارتها.
شبه حرارة الفراش بحرارة أحشائه.
لقى ليلٍ كعين الظبي لونًا وهم كالحميا في المشاش
اللقى: الملقى. والحميا: الخمرة. وقيل: سورة الخمر. والمشاش: جمع مشاشة، وهي عظم رخو يمكن أكلها، ولونًا: نصب على التمييز.
يقول: أنا مطروح أو كالمطروح على فراشي، في ليل كأن سواده عين ظبي وأنا مطروح وهو يدب في عظامي كما يدب الخمر.
وشوقٍ كالتوقد في فؤادٍ كجمرٍ، في جوانح كالمحاش
المحاش والمحاش: لغتان، وهو ما أحرقته النار وقيل: هي خشبة يحرك بها التنور من خشب النار لتقد، فأصله الإدغام، غير أنه خفف.
يقول: إنا لفي شوق، كأنه في التوقد، في فؤاد هو كالجمر، وذلك الفؤاد في جوانح وهي الأضلاع كأنها المحاش: وهو ما أحرقته النار.٠ شبه الشوق بالتوقد، والفؤاد بالجمر، والجوانح بشيء أحرقته النار.
سقى الدم كل نصلٍ غير نابٍ وروى كل رمحس غير راش
النابي: الكليل. يقال نبا السيف ينبو نبوًا: إذا ضربت به فلم يقطع، ورمح راشٍ: أي غير ضعيف.
يدعو للرمح والسيف وبالسقيا فيقول: سقى الدم الذي هو كالماء كل سيف حاد غير نابي الضربة، وروى الدم أيضًا كل رمح غير ضعيف. فكأنه قال لا زالت السيوف والرماح تقتل الأعداء.
فإن الفارس المنعوت خفت لمنصله الفوارس كالرياش
المنعوت: أي الموصوف بالشجاعة المعروفة.
روى المبغوت وهي رواية ابن جنى أي الذي يؤتى على بغتة ولم يعلم هو والرياش: جمع ريش. والريش جمع ريشة.
يقول: إنما دعوت للسيف، لأن الممدوح لما فاجأته الخيل فرقها بسيفه، فصارت الفوارس لسيفه في الخفة بمنزلة الرايش.
فقد أضحى أبا الغمرات يكنى كأن أبا العشائر غير فاش
الغمرات: الشدائد. واسم أضحى ضمير الفارس المنعوت، ويكنى موضع الخبر، وأبا الغمرات: المفعول الثاني من يكنى، والأول ضمير الفارس، وهو في موضع الرفع. يقال: كنيت الرجل: أبا عبد الله. فإذا أسند إلى المفعول قيل: كنى الرجل أبا عبد الله، ويعدى بحرف الجر أيضًا فيقال: كنيت الرجل بأبي عبد الله. وكنو الرجل لغة.
[ ١ / ٢٠١ ]
يقول: إن أبا العشائر لكثرة ملابسته الحروب والشدائد صارت كنيته أبا الغمرات حتى كأن كنيته المعروفة التي هي أبو العشائر غير ظاهرة ولا معلومة.
وقد نسي الحسين بما يسمى ردى الأبطال أو غيث العطاش
يقول: إنه كثر منه البأس والجود. فكل أحد يسميه. إما: ردى الأبطال. وإما: غيث العطاش. ونسي اسمه الذي سماه به أبواه المعروف المشهور.
لقوه حاسرًا في درع ضربٍ دقيق النسج ملتهب الحواشي
كأن على الجماجم منه نارًا وأيدي القوم أجنحة الفراش
الفراش: جمع فراشة وهي دويبة تدور حول السراج فتسقط فيه، والهاء في منه للممدوح أو القرب، وقيل: للسيف. فأضمره وإن لم يجر له ذكر.
يقول: من شدة ضربة الجماجم صار كأن عليها نارًا، وكأن أيدي القوم المتطايرة بالسيف عند ضربه إياها كالفراشات التي تطير حول النار، فإن كانت الهاء للسيف فمعناه: كأن السيف على رءوسهم مثل النار وأيدي القوم حول هذه، كأجنحة الفراش حول النار، فكأن هذه الأيدي تجيء لتأخذ السيف فيقطعها، ومثله لحارث ابن أبي شمر:
والبيض تختلس النفوس كأنما يوقدن في حلقٍ المفاوز نارا
كأن جواري المهجات ماءٌ يعاودها المهند من عطاش
أراد بالمهجات ها هنا: الدماء. والعطاش: داء يأخذ الإبل فلا تروى من الماء. وقيل هو لفظ العطش. والهاء في يعاودها للمهجات ويروى: يعاوده فيكون للماء.
يقول: كأن الدماء الجارية في قلوب الأعداء وجسومهم ماء، وكأن السيف به عطاش فهو يعاوده ولا يروى منه.
فولوا بين ذي روحٍ مفاتٍ وذي رمقٍ، وذي عقلٍ مطاش
مفات: جر لأنه نعت لروح، ومطاش: جر لأنه نعت لعقل. يقال: طاش السهم أو طاشه غيره.
يقول: أدبروا من بين يديه، وهم ثلاثة أقسام.
منهم قتيل قد فارق روحه، ومنهم من لم يبق له إلا بقية رمقه، ومنهم من طاش عقله وزال من شدة الخوف. واستوفى الأقسام في بيت واحد.
ومنعفرٍ، لنصف السيف فيه تواري الضب، خاف من احتراش
المنعفر: الساقط على العفر، وهو التراب. والاحتراش: الاصطياد، يقال احترشت الضب وحرشته، وذلك أن يأتي الرجل باب جحر الضب فيمر بيده عليه فيظن الضب أنه حية، فيخرج ذنبه ليضربها به، فيأخذه الرجل. وروى لنصل السيف. ومنعفر قيل: عطف على الأقسام المتقدمة أي وذي منعفر.
وقيل: معناه ورب عدوٍّ منعفر قد غاب نصف السيف فيه أو نصله مثل ما يغيب الضب في الجحر إذا خاف الاحتراش به، أي الاصطياد.
يدمي بعض أيدي الخيل بعضًا وما بعجايةٍ أثر ارتهاش
العجاية: عصب فوق الحافر. والارتهاش: أن يصطك عرقوباه فتقرح رواهشه وهو باطن الذراع.
المعنى: أن الخيل انهزمت من بين يديه وازدحمت في الهزيمة، وقصت حوافر بعضها بعضًا، حتى دميت أيديها، ولم يكن ارتهاش.
ورائعها وحيدٌ لم يرعه تباعد جيشه والمستجاش
رائعها: أي مفزعها. والمستجاش: من يطلب منه الجيش، وأراد به سيف الدولة، وقيل أراد العسكر: أي المستجاش فيه.
يقول: إن مخوف هذه الخيل كان وحيدًا ليس معه أحد من جيشه، ولم يفزعه بعد جيشه بعد من يستمد منه الجيش.
كأن تلوي النشاب فيه تلوي الخوص في سعف العشاش
الخوص: ورق النخل. والسعف: الجريد الذي عليه الخوص، والعشاش: جمع عشة، وهي النخلة التي عطشت، فيقصر سعفها ويضعف.
يصف النشابة التي أصابته في خده، فشبهه بنخلة، وشبه النشابة بخوص سعفها قد تلوى على السعفة، وذلك لضعف الخوص ويبسه؛ لأنه إذا كان رطبًا قويًا لا يتلوى على السعف، فكأنه لقلة مبالاته بها شبهها بتلوي الخوص على سعفه.
ونهب نفوس أهل النهب أولى بأهل المجد من نهب القماش
القماش: الأثاث المجموع من كل صنف.
يقول: إن أهل المجد والهمة العالية همتهم استيلاب النفوس وقتل الأبطال، دون الاشتغال بسلب القماش والغنائم ومثله لأبي تمام:
إن الأسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
تشارك في الندام إذا نزلنا بطانٌ لاتشارك في الجحاش
الندام: المنادمة. والبطان: جمع بطين والجحاش: المجاحشة، وهي المقاتلة والمدافعة.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يعرض بقوم خذلوه ذلك الوقت فيقول: إذا كان يوم شرب ومنادمة شاركوه في الأكل والشرب ولا يشاركونه في القتال والدفاع! ومثله قول الآخر:
يفر عن الكتيبة حين يلقى ويثبت عند قائمة الخوان
ومن قبل النطاح وقبل يأتي تبين لك النعاج من الكباش
روى: يأنى أي يحين من قولهم: أنى يأنى، وروى يأتى أي يجيء. والنطاح. أصله ضرب الكباش بالقرون، ثم استعمل في كل محاربة.
المعنى: أن الشجاع يعرف من الجبان قبل المحاربة وقبل وقتها فجعل الكباش مثلًا للشجعان والنعاج مثلًا للأراذل والجبناء.
فيا بحر البحور ولا أوري ويا ملك الملوك ولا أحاشي
لا أوري: أي لا استر قولي لك يا بحر البحور، هذا ولا أحاشى أي لا أستنثي أحد من قولي لك يا ملك الملوك.
قال ابن جنى: وربما كان ينشد المتنبي ويا بدر البدور مكان قوله يا ملك الملوك.
كأنك ناظرٌ في كل قلبٍ فما يخفى عليك محل غاش
الغاشي: القاصد، يقال: غشيه يغشاه إذا قصده.
يقول: أنت عارف بمن يقصدك، ولا يخفى عليك محله، فتنزل كلًا منزلته الذي يستحقها، فكأنك مطلع على أسرار القلوب.
وقيل: أراد بالغاشي من الغش فخفف. والأول أولى أي من نزل بك فلا يخفى عليك محله.
أأصبر عنك لم تبخل بشيءٍ ولم تقبل علي كلام واش؟
كان قد وشى بالمتنبي بعض من يعاديه إلى أبي العشائر، فلم يسمع منه وأنفذ عقيب هذه الوشاية إليه مالًا فهذا هو المراد بالبيت.
وكيف وأنت في الرؤساء عندي عتيق الطير ما بين الخشاش
عتاق الطير: كرامها. والخشاش: صغارها.
يقول: كيف أصبر عنك وأنت بين الرؤساء في الفضل، كالبازي بين صغار الطير.
فما خاشيك للتكذيب راجٍ ولا راجيك للتخييب خاش
يقول: إن من يخافك حل به بأسك ووقع به سخطك، فلا يرجو تكذيبًا لما يخافه، ومن يرجوك لا يخاف أن يكذب رجاؤه، فأنت تصدق ظن من يخافك ويرجوك.
وقيل معناه: ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذبه ويخطئه في خوفه، لأن الناس كلهم يخافون منك
تطاعن كل خيلٍ سرت فيها ولو كانوا النبيط على الجحاش
النبيط: أهل السواد بالعراق. وقيل أراد به: العجم.
يقول: كل خيل سرت فيها وبينها كانت الغلبة لهم، ولو كانوا نبطًا على حميرهم؛ لأنهم يشجعون بك ويصيرون أفرس الناس وأطعنهم. والجحاش: جمع جحش وهو ولد الحمار.
أرى الناس الظلام وأنت نورٌ وإني فيهم لإليك عاش
العاشي: القاصد ليلًا.
يقول: الناس كالظلام في الليل، وأنت فيما بينهم كالنور، وأنا ناظر بين الناس إليك، وقاصد نحوك مستضيء بنورك. والأصل فيه قول الخنساء:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علمٌ في رأسه نار
بليت بهم بلاء الورد يلقى أنوفًا هن أولى بالخشاش
الخشاش: الخشبة التي تكون في أنف البعير، فإن كانت من شعر قيل له: خزام، وإن كانت من ضفرٍ فهو: برة. والضمير في بهم للناس.
يقول: تأذيت بهؤلاء الناس الذين لا يشاكلونني، كما يتأذى الورد من شمه، بأنوف الذين هم بمنزلة البهائم! وقيل معناه: إني أتأذى بهم كما يتأذى الورد بأنوف الإبل، وروى بالحشاش وهي الكنف.
عليك إذا هزلت مع الليالي وحولك حين تسمن في هراش
الهراش والتهاريش: هو مخاصمة الكلاب.
يقول: هؤلاء الناس عليك مع الليالي، أي صاروا لأعدائك مع الزمان وحوادثه، إذا هزلت: أي أصابتك نوائب الدهر. ويصيرون حولك ومعك حين تسمن. أي إذا ساعدك الزمان كانوا معك يهارش بعضهم بعضًا في طلب النفع منك. ومثله لإبراهيم بن العباس:
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما انثنى صرت حربًا عوانا
وكنت أعدك للنائبات فها أنا أطلب منك الأمانا
والمقصود وصفهم بدناءة الأصل.
أتى خبر الأمير فقيل كروا فقلت نعم ولو لحقوا بشاش
وروى: أجل والشاش: بلدة بالترك. وروى: كروا بفتح الكاف وهي رواية ابن جنى.
والمعنى: بلغنا خبر الأمير وهزيمة الخيل منه. وقيل لنا: كروا عليهم. أي عطف الأمير وأصحابه على الخيل فقلت: نعم ولو أنهم لحقوا في الهزيمة بشاش، لوثقت بعودته وكره عليهم.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وروى كروا على الأمير. والمعنى: أتى خبر الأمير بظفره بالعدو فقيل لنا يا معاشر أصحابه اللائذين به كروا فقلت نعم ولو كانوا بشاش. أي لو كان البعد بيننا وبين الأمير مثل ذلك للحقنا به، وقوله بعد ذلك وأسرجت الكميت يدل عليه.
يقودهم إلى الهيجا لجوجٌ يسن قتاله والكر ناش
اللجوج: المتمادي في الشيء، الذي لا ينثني عنه، ويبالغ فيه. ويسن: أي يبالغ فيه، حتى يعظم ويكبر من المسن والمسنة. وناش: أي ناشىء، أي في أوله: يقول: يقود العسكر إلى الحرب. لجوج: أي مبالغ في الحرب، ليسن قتاله: أي يصير إلى آخر القتال، ومع ذلك فإن كره لا يصير إلى آخره، بل ينشأ شيئًا فشيئًا يعني أن قتاله قد بلغ الغاية، وكر في أول حاله كالغلام الناشىء.
وأسرجت الكميت فناقتل بي على إعقاقها وعلى غشاش
الكميت: يستعمل في الذكر والأنثى، وناقلت بي: أي أسرعت. وقيل: أدامت السير. وقيل المناقلة: أي تضع رجلها مكان يدها، وإنما تفعل ذلك في الأرض الكثيرة الأحجار. والإعقاق: مصدر أعقت الدابة. إذا عظم بطنها من الحمل. وقيل: إذا نبت شعر الجنين الذي في بطنها. والغشاش: العجلة.
يقول: لما أتاني خبره، أسرجت فرسي وركبتها على سرعة، وهي عقوق ولم أشفق عليها.
من المتمردات أذب عنها برمحي كل طائرة الرشاش
يعني: أن الكميت من الخيل المتمردات التي لا تبالي بشيء، ولا يقدر على الوصول إليها لسرعتها وخبثها وذلك من قوله تعالى: " شيطانٍ مارد ".
يقول: إنها من الخيل المتمردات، وإني أدفع عنها برمحي، كل دم رشاش. أي أني أذب عنه بنفسي ورماحي كل من يريد عقرها، وأدفع عنها كل طائرة الرشاش: أي كل دم ينط عند الطعن ويرش وينتضح.
ولو عقرت لبلغني إليه حديثٌ عنه يحمل كل ماش
يقول: لو عقرت هذه الفرس تحتي، لبلغني إليه حسن الحديث الذي أسمعه عنه، وهذا الحديث يحملني إليه لأنه يحمل كل ماش وإن لم يكن له فرس.
إذا ذكرت مواقفه لحافٍ وشيك فما ينكس لانتقاش
شيك: أي إذا دخل في رجله شوك والتنكس: هو تنكيس الرأس. لإخراج الشوك من الرجل، والانتقاش: إخراج الشوك. ومنه: المنقاش ومعناه: إذا ذكرت مواقفه في الحروب للحافي: الذي لا حذاء له، وشيك في رجله، فإنه لا ينكس رأسه لإخراج الشوكة من رجله، لما داخله من الخوف والتحير، إذا سمع ذلك تاق ورغب في صحبته فأسرع إليه ولم يلو على شيء، كما فعلت.
وقيل: إذا ذكرت مواقفه في السخاء للإنسان وكان حاف، ودخل الشوك في رجله فإنه لا ينكس رأسه إلى أسفل لاستخراج الشوكة من رجله بل يسرع إليه، لما تقو الدواعي في الاحتياج إليه. هذا تفسير أبي الفتح.
وقيل: إن أحاديثه الحسنة تؤدي سامعها أنه إذا أصابت رجلهشوكة لم يشعر بها فلا يقطع الحديث لحسنه، ولا ينكس رأسه لإخراجها.
يزيل مخافة المصبور عنه ويلهي ذا الفياش عن الفياش
الفياش: المفاخرة، وأكثره في الباطل. روى ابن جنى قال: تلهى بمعنى تزيل على الخطاب للمدوح. وقيل: إن التاء راجع إلى المواقف، أي إن المواقف تزيل وتلهى.
يقول على الخطاب: إنك تزيل مخافة المحبوس بأن تخلصه من الأسر والحبس، وتنسي صاحب الفخر فخره؛ لأنه إذا نظر في أوصافك علم بقصوره عنك فيمتنع عن الفخار.
وعلى الخبر عن المواقف يقول: إذا سمع مواقفه: من جنس القتل وغيره، أنساه ذكرها وحسنها ما هو فيه من الخوف، فإذا سمع مفاخرة أنساه ذكر مفاخرته.
وما وجد اشتياقٌ كاشتياقي ولا عرف انكماشٌ كانكماشي
يقول: كل أحد يشتاق إلى لقائك، وينكمش نحوك. ولكن ليس لأحد شوق مثل شوقي إلى لقائك ولا اجتهاد لأحد، مثل اجتهادي في المسير إليك.
فسرت إليك في طلب المعالي وسار سواي في طلب المعاش
يقول: إنما قصدتك لأبلغ المنازل الرفيعة والمراتب السنية، وقصدك غيري لطلب المعاش، واقتناء الرياش، فلهذا صار شوقي أكثر وانكماشي أقدر.
وخرج أبو العشائر يومًا يتصيد، وخرج أبو الطيب معه، فأرسل بازيًا على حجلة فأخذها فقال أبو الطيب يصف ذلك:
وطائرةٍ تتبعها المنايا على آثارها زجل الجناح
تتبعها: أي تتبعها، فحذف إحدى التاءين. والزجل: الصوت.
يقول: رب قبجةٍ رائشها يطير، وخلفها بازٍ يريد صيدها، فكأن المنايا تطلبها.
[ ١ / ٢٠٤ ]
كأن الريش منه في سهامٍ على جسدٍ تجسم من رياح
الهاء في منه لزجل الجناح. وهو البازي، شبه ريشه بريش السهام؛ للسرعة، فيكون ريشه في نفس السهام، والسهام ظرف له.
ومعناه: كأن ريشه سهام على جسم يكون من ريح، لأن الريش سبب لقتل الطائر، كما أن السهام سبب للقتل.
وقيل في بمعنى على أي كأن ريشه على سهام كانت بهذه الصفة.
كأن رءوس أقلامٍ غلاظًا مسخن بريش جوجئه الصحاح
غلاظًا: نصب لأنه صفة لرءوس والصحاح: بمعنى الصحيح. وروى بالكسر: وهو جمع الريش. وقد يكون واحدًا وجمعًا. والصحاح: نعت للريش. شبه السواد الذي في صدر الباز بآثار مسح رءوس الأقلام الغلاظ، وهو تشبيه مصيب. ويجوز أن يكون الصحاح بالفتح: صفة الجؤجؤ.
فأقعصها بحجنٍ تحت صفرٍ لها فعل الأسنة والرماح
يقال: طعنه فأقعصه. إذا قتله مكانه، بحجنٍ: أي بمخالب معقفة، وهو جمع أحجن. وتحت صفر: وهي أصابعه ورجله.
يقول: قتلها البازي بمخالبه أي أظفاره التي تحت أصابعه، وهذه المخالب لها فعل الأسنة والرماح. وهو القتل؛ لحدتها.
فقلت: لكل حيٍّ يوم سوءٍ وإن حرص النفوس على الفلاح
الفلاح: البقاء. وقيل الفلاح: الظفر بالخير.
يقول: كل حيٍّ لابد له من يوم سوء، يوافيه أجله فيه وإن حرص الناس على البقاء، فلا سبيل لهم إليه.
فقال له أبو العشائر أفي هذه الساعة قلت هذا؟! فقال مجيبًا له على تعجب أبي العشائر لسرعة بديهته:
أتنكر ما نطقت به بديهًا وليس بمنكرٍ سبق الجواد؟!
بديهًا: مصدر في موضع الحال. يقول: لا تنكر بديهتي ولا تستبعد ارتجالي الأشعار، وأنا في ذلك بمنزلة الجواد، فإنه لا يستنكر منه سبق سائر الخيل.
أراكض معوصات القول قسرًا فأقتلها وغيري في الطراد
أراكض: أي أسابق، وأجاري. والمعوص والعواص: الصعب.
يقول: إذا حاولت معنىً عويصًا من الشعر فرغت منه، وغيري بعد في التفكير.
ودخل عليه وعنده إنسان ينشده شعرًا وصف به بركةً في داره فقال يمدح أبا العشائر:
لئن كان أحسن في وصفها لقد ترك الحسن في الوصف لك
يقول: إن كان قد أحسن في وصف هذه البركة، فقد ترك الحسن في وصفك وهو أولى من وصف البركة وأجمل.
لأنك بحرٌ وإن البحار لتأنف من حال هذي البرك
يقول: أنت بحر، والبحار تأنف من ماء هذه البركة. وهذا الوصف الذي وصفه، وهذه الأوصاف، دون الأوصاف التي أنت عليها.
كأنك سيفك لا ما ملك ت يبقى لديك ولا ما ملك
يقول: أنت مثل سيفك، إذا ملكت مالًا فرقته وأفنيته، والسيف إذا ملك مهجة أسالها وأفناها، فتبذل أنت ما ملكت، وتقتل بسيفك من وصل إليه.
فأكثر من جريها ما وهبت وأكثر من مائها ما سفك
الهاء في جريها ومائها للبرك. يقول: هباتك أكثر من مائها الجاري والدماء التي يسفكها سيفك أكثر مما فيها من الماء.
أسأت وأحسنت عن قدرةٍ ودرت على الناس دور الفلك
يقول: أسأت إلى أعدائك، وأحسنت إلى أوليائك، باختيار منك وقدرة، وأنت الدائر على الناس بالخير والشر، والإساءة والإحسان، والسعد والنحس، دور الفلك الدوار، إلا أنه لا اختيار له ولا قدرة، وأنت تفعل ما تفعله عن قدرة واختيار، فأنت الفلك الدائر في الحقيقة، وأنت أفضل منه للوجه المذكور.
وقال يمدحه ويذم قومًا من المتكسبة بالشعر:
لا تحسبوا ربعكم ولا طلله أول حيٍّ فراقكم قتله
الربع: المنزل، وجعل العمارة حياة له فسماه حيًا، لأن أضاف أول إليه، وجعل التفصيل مضافًا إليه ما هو بعض منه. وجعله قتلًا له على المجاز.
يقول لأحبابه لما فارقهم: ليس هذا الربع بأول هالك بسبب فراقكم، بل قد تلف منزلكم وعفا رسمه، ودرس أثره، فكأن فراقكم قتله، وهذا الربع ليس بأول حي قتله فراقكم. وقد بين ذلك فيما بعده بقوله:
قد تلفت قبله النفوس بكم وأكثرت في هواكم العذله
الهاء في قبله للربع. يقول: ليس هذا الربع بأول كثير العذل بسبب فراقكم، وقد أكثر العذل في حبكم، فلم يكف أحد من العشاق عن هواكم، لأجل عذل العذال. والعذلة: جمع عاذل.
خلا وفيه أهلٌ وأوحشنا وفيه صرمٌ مروحٌ إبله
[ ١ / ٢٠٥ ]
الصرم: جماعة من البيوت بمن فيها أهله والمروح: الذي يرد إبله عن المرعى في الرواح، والهاء في فيه في الموضعين للربع وفي إبله للصرم.
يقول: لما ارتحل عنه من كنت أحبه، رأيته وإن كان عامرًا بأهله موحشًا، وإن كان فيه بيوت وجماعة من الناس، ويروحون إبلهم إليه.
لو سار ذاك الحبيب عن فلكٍ ما رضي الشمس برجه بدله
برجه: فاعل رضي. ومفعوله: الشمس وهو أولى.
يقول: لو كان هذا الحبيب في فلك فسار عنه وحلت الشمس موضعه، لما رضي بها برجه الذي كان يحله، بدلًا منه.
أحبه والهوى وأدوره وكل حبٍ صبابةٌ ووله
الصبابة: شدة الشوق. والوله: ذهاب العقل.
يقول: أحب هذا الحبيب، وأحب أن أحبه! وأحب منازله لأجله، وكل حب فيه صبابة وشدة شوق وجنون وتحير.
وقيل: الواو في قوله: والهوى واو القسم. أي وحق الهوى، فيكون مجرورًا.
ينصرها الغيث وهي ظامئةٌ إلى سواه وسحبها هطله
الهاء في ينصرها للأدؤر. أي: يكسوها العشب. يقال: أرض منصورة. إذا سقيت.
يقول: الغيث يسقيها وهي عطشى. إلى سوى الغيث، وهو الحبيب الذي ارتحل عنها، وسحب هذه الديار هاطلة بالمطر ولا تحتاج إليه.
وقيل معناه: إن هذه الأدؤر يصيبها المطر فيكسوها العشب فتستدعي معاودة من رحل عنها، وهو الحبيب. يقال: دار بني فلان منصورة. أي عادها من كان رحل عنها، ولهذا دعت العرب لديار أحبابها بالسقيا، ليعودوا إليها.
واحربًا منك يا جدايتها مقيمةً فاعلمي ومرتحله!
روى واحربًا، واحزنًا لجداية أي وا أسفًا، واهلاكًا.
كأنه يقول: يا ظبية هذه الدار، ويلي منك! سواء كنت مقيمة أو مرتحلة؛ لأنك إن اقمت فممنوعة، وإن ارتحلت، حال البعد بيننا.
لو خلط المسك والعبير بها ولست فيها لخلتها تفله
العبير: الزعفران، عن أبي عبيدة. وقيل: أخلاط من الطيب فيه الزعفران، عن الأصمعي. والتفلة: المتغيرة الريح.
يقول: لو خلط المسلك والزعفران بتراب هذه الأدؤر، ولم تكوني فيها لظننت أنها متغيرة الريح لأن طيبها بك أنت!
أنا ابن من بعضه يفوق أبا ال باحث والنجل بعض من نجله
النجل: الولد والهاء في بعضه لمن الأولى وفي نجله لمن الثانية. ويريد بالباحث: إنسانًا كان يبحث عن أصله، ويطعن في نسبه.
يقول: أنا ابن الرجل: الذي بعض ذلك الرجل: أي نفسه. يفوق والد الباحث، الذي يبحث عن فضل أبي، فإذا كنت أفضل من أبيه فالرجل الذي أنا بعضه لاشك في انه أفضل منه بكثير؛ لأن الولد بعض من ولده.
وإنما يذكر الجدود لهم من نفروه وأنفدوا حيله
نفروه: أي غلبوه بالنفر. يقال: نافرته. أي فاخرته بكثرة النفر فغلبته. يقول: أنا غني بفضلي عن الافتخار بجدودي، وإنما يفخر بالجدود من ليس يفضل في نفسه. فغلبه المفاخرون وأنفدوا حيله، فحينئذ يفتخر بآبائه وفضلهم.
فخرًا لعضبٍ أروح مشتمله وسمهريٍّ أروح معتقله
مشتملة: أي مقلدة. يقول: لأفخر بالسيف فخر، حيث أتقلد به. والرمح حيث أمسكه بيدي؛ لأني إذا استعملتها كفاني فخرًا وشرفًا.
وليفخر الفخر إذا غدوت به مرتديًا خيره ومنتعله
الهاء في خيره وفي به للفخر وفي منتعله لخير.
يقول: كل شيء يفتخر بي، حتى الفخر يفتخر بأن ألبسه، فأرتدي به وأنتعله؛ لأني أعلى من الفخر.
أنا الذي بين الإله به الأق دار والمرء حيثما جعله
يقول: أنا الذي جعلني الله تعالى من الفضل والكمال، فقدر كل إنسان يتبين إذا قدر بفضلي، وفيس محله إلى محلي.
وقيل معناه: إن أقدار الناس تتبين بمدحي أو بهجوي، فمن مدحته رفعت قدره، ومن هجوته وضعت قدره وأخملت ذكره، والهاء في جعله قيل: ترجع إلى اسم الله تعالى، وقيل: إلى المرء. أي حيثما جعل نفسه. قلت: ويجوز أن يكون راجعًا إلى الضمير الذي في أنا الذي بين الإله به أي المرء حيثما جعله هذا الرجل الذي بين الله به الأقدار.
جوهرةٌ تفرح الشراف بها وغصةٌ لا تسيغها السفله
يقول: أنا جوهرة تفرح الكرام بها. يعني: إذا مدحت شريفًا يفرح بي؛ لأني أناسبه، وكل لئيم يحسدني ويراني غصة له في صدره، لقصوره عني ولازدرائي به، فنظير الأول قول الشاعر:
وكل امرىءٍ يصبوا إلى من يجانس
ونظير المصراع الثاني قول الشاعر:
[ ١ / ٢٠٦ ]
والجاهلون لأهل العلم أعداء
إن الكذاب الذي أكاد به أهون عندي من الذي نقله
الكذاب: مصدر كذب، أو كاذبني. وروى أكايده من الكيد.
يقول: إن الكذب الذي يكيدني به حسادي، لا أبالي به، وهذا الكذب أهون وأقل وزنًا من الكاذب الذي نقل هذا الكذب، ولا قدر له.
فلا مبالٍ، ولا مداجٍ، ولا وانٍ، ولا عاجزٌ ولا تكله
المدجي: الساتر للعداوة، أي لا أدري هذا الحاسد، ولا أساتره ولا أواني. أي لست بضعيف عاجز مقصر في أمري. وروى ولا فان من قولهم: شيخ فان: أي ضعيف، ميتًا في الضعف. والتكلة: الضعيف الذي يكل أمره إلى غيره.
يقول: لا أبالي بهم لقلتهم ولا أؤاخيهم لخستهم، ولا أعجز عن مكافأتهم، ولا أستعين بأحد على نكايتهم.
ودارعٍ سفته فخر لقىً في الملتقى والعجاج والعجله
العجلة: السرعة. وقيل: أراد به الطين. وفي القرآن: " خلق الإنسان من عجل ". وسفته: ضربته بسيفي.
يقول: كم دارع. أي ورب دارع ضربته بالسيف عند الملتقى في الحرب فصرعته لوجهه على الغبار في الطين بسرعة.
وسامعٍ رعته بقافيةٍ يحار فيها المنقح القوله
المنقح: المهذب. وقوله: القولة أي الكثير القول. وقيل الجيد القول.
يقول: رب سامع خوفته بقصيدة حسنةٍ يتحير فيها الشاعر الفصيح المهذب لقوله وبجيد شعره.
يصف نفسه بالفصاحة وجودة الشعر.
وربما أشهد الطعام معي من لا يساوي الخبز الذي أكله
أشهد: فعل ما لم يسم فاعله، والطعام: مفعوله الثاني. واسمه من. كأنه يعرض بأبي العشائر بأنه لم يميزه عمن دونه.
ومعناه: أني مع فضلي ربما أواكل من لا يساوي ما يأكله من الطعام، وروى: يشهد وهو مضارع أشهد واسمه الضمير المستكن والطعام مفعوله الثاني.
ومعناه على هذا: وربما يشهد الطعام معي من لا يساوي الخبز الذي يأكله ومثله لابن بابك:
لا غرو إن جمعتنا دار مفضيةٍ فالصيد يجمع بين الكلب والبازي
ويظهر الجهل بي وأعرفه والدر درٌّ برغم من جهله
فيه وجوه: أحدها: أن الذي أواكله يظهر أنه جاهل بي! وأنا أعرفه على خموله ومعناه كيف يجوز ألا يعرفني وأنا في الظهور كالشمس وهو خامل مغمور؟! والثاني: أني عارف بفعله إنه يظهر الجهل بي مع أنه يعرفني.
والثالث: أنا أعرف جهله بي. ثم قال: والدر در برغم من جهله وهذا مثلٌ. أي لا يضرني جهل من لا يعرف فضلي، كما أن الدر لا يحط قيمته جهل من لا يعرف قدره وقيمته.
مستحييًا من أبي العشائر أن أسحب في غير أرضه حلله
يقول: إني إنما أحتمل معاشرة الأردياء، وأكون مع من لا يرى فضلي مستحيًا منه أن أرتحل من بابه وأسحب حلله في غير أرضه ومحله.
أسحبها عنده لدى ملكٍ ثيابه من جليسه وجله
قول: لدى ملك بدل من عنده. يقول: أسحب هذه الحلل عند ملك ثيابه خائفة من جليسه؛ لأنه أبدًا يخلع ثيابه على من يجالسه فهي تخاف أن ينزعها ويلبسها لجليسه، لأنها لا تتشهي مفارقته تشرفًا بكونها عليه.
وبيض غلمانه كنائله أول محمود سيبه الحمله
البيض: جمع أبيض، أي غلمانه البيض من جملة نائله: أي عطائه.
يعني: أنه يهب البدور والخلع والغلمان الذين يحملونها، فالحملة لنائله أول محمول إلى المعطى له.
مالي لا أمدح الحين ولا أبذل مثل الود الذي بذله
معناه: كيف لا أمدحه ولا أوده مثل ما يودني وأحبه مثل ما يحبني!؟ وجعل الممدوح ممن يحبه تعظيمًا لنفسه ورفعًا لقدره.
أأخفت العين عنده خبرًا؟ أم بلغ الكيذبان ما أمله!
الكيذبان: الكثير الكذب.
يقول: مالي لا أمدحه؟! ثم يقول: هل الكذاب الساعي بالنميمة بلغه أحوالي، كأنها خافية عنه. وهو معنى قوله: أأخفت العين أي أخفت عينه عنده خبري في المحبة له، أم بلغ ما كان يتمناه من فساد الحال بيني وبينه.
وقيل معناه: أخفت عيني عن قلبي خبر هذا الرجل في الإحسان إلي. وقيل أراد بالعين: الرقيب، وأنثه تشبيهًا بالعين التي هي الجارحة. أي أخفى الرقيب عنده خبري في الموالاة، فأخبره بخلاف ما أنا عليه، حتى يفسد ما بيني وبينه من الموالاة والمحبة.
أم ليس ضراب كل جمجمةٍ منخوةٍ ساعة الوغى زعله
[ ١ / ٢٠٧ ]
المنخوة: المملوءة. من النخوة، وهي الكبر. وزعلة: أي مرحة بطرة.
يقول: لم أمدحه كأنه غير شجاع يضرب في الحرب رءوس الأبطال المتكبرين الذين في رءوسهم النخوة وفي قلوبهم المرح والبطر. وقوله: ساعة الوغى ظرف لنخوه: أي منخوة حالة الحرب، ولو جعله ظرفًا لضراب لجاز أن يضرب ساعة الوغى زعلة.
وصاحب الجود ما يفارقه لو كان للجود منطقٌ عذله
صاحب: نصب عطفًا على قوله: ضراب كل جمجمةٍ؛ لأنه خبر ليس. يعني أنه قد بلغ في السخاء حدًا لو كان له لسان لعذله.
وراكب الهول ما يفتره لو كان للهول محزمٌ هزله
المحزم: موضع الحزام. والهاء في ما يفتره للهول الأول، وفي هزله للهول الثاني، وقيل للمحزم.
يقول: هو يركب الهول ولا يفتره أي لا ينزل عنه ساعة، فلو كان الهول مركوبًا يشد عليه الحزم لهزله وأذاب لحمه، من كثرة ركوبه إياه.
وفارس الأحمر المكلل في طيىءٍ المشرع القنا قبله
الأحمر: فرسه الذي ركبه يوم وقعته بأنطاكية، والمكلل: بكسر اللام الأولى هو الحاد الماضي، فإن جررته فهو صفة للفرس وإن نصبته فهو صفة للممدوح وإن فتحت اللام الأولى وجررته فهو صفة للفارس. أي الملك المتوج، وإن نصبته فهو صفة للفرس وهو الذي على رأسه شبه الإكليل. والقنا، وإن كان جمعًا قد ذكر حيث قال: المشرع القنا لأنه أراد به الجنس. وروى المشرع فعلى هذا يكون صفة لطيىءٍ إنه كان فارس هذا الفرس في وقت إشراع الرماح قبله.
لما رأت وجهه خيولهم أقسم بالله لا رأت كفله
الهاء في كفله للممدوح. وقيل: إنه راجع للأحمر المكلل وهو الفرس..
يقول: لما رأت خيول الأعداء وجهه أقسم هو بالله ألا يولي ولا ينهزم، فلا يروا له قفًا.
فأكبروا فعله وأصغره أكبر من فعله الذي فعله
روى: أصغر بفتح الراء على الفعل الماضي، وفاعله أبو العشائر. وأكبر على هذا خبر ابتداء محذوف. أي: هو أكبر. وقيل: إنه مبتدأ والذي خبره. والمعنى: أنهم استعظموا فعله واستصغره هو، ثم قال: هو أكبر من فعله. أي هو أعظم من فعله وإن كان عظيمًا وكل فعل عظيم ففاعله أعظم منه كما قال أبو تمام:
أعاذلتي ما أحسن الليل مركبًا وأحسن منه في الملمات راكبه
أي أصغره على المبالغة فيكون أصغر مبتدأ وما بعده خبر له. ومعناه أنهم استكبروا فعله، وأصغره ما يفعله هو أكبر من فعله الذي فعله عندهم فاستكبروه.
القاتل الواصل الكميل فلا بعض جميلٍ عن بعضه شغله
الكميل: المبالغة في الكامل.
يقول: هو يقتل أعداءه، ويصل أولياءه، وإنه كامل الفضل فيهما، فبعض فعله في الجميل لا يشغله عن بعض، بل يحسن في حال القتال وغيره.
فواهبٌ والرماح تشجره وطاعنٌ والهبات متصله
تشجره: أي تدخله. يعني أنه هو يهب أمواله، ويطاعن أعداءه في وقت واحد، فلا الحرب تشغله عن الجود ولا الجود يشغله عن الحرب.
وهذا تفسير للبيت الذي قبله.
وكلما آمن البلاد سرى وكلما خيف منزلٌ نزله
آمن: أي وجدها آمنة. وقيل معناه: كلما وافى بلدًا أمن من الحرب، وسار من هناك إلى بلد آخر يفتحه، وكلما خيف منزل: إما من الدعار، أو من الأعداء نزله فأزال الخوف عنه.
وكلما جاهر العدو ضحىً أمكن حتى كأنه ختله
الختل: الخديعة. أي إذا قصد عدوه مجاهرة أمكن منه، حتى كأنه أتاه غفلة منه، فمجاهرته تقوم مقام ختل غيره.
يحتقر البيض واللدان إذا شن عليه الدلاص أو نثله
اللدان: الرماح اللينة. الواحد لدن. وشن الدرع: إذا صبها على بدنه. والدلاص: الدرع الصافية البراقة. ونثل الدرع، وشنها، وأفرغها، وصبها: إذا لبسها. وذكر الضمير في قوله: نثله وإن عاد للدرع؛ لأن الذرع يذكر ويؤنث يقول: إذا لبس درعه لا يبالي السيوف والرماح وغيرها.
قد هذبت فهمه الفقاهة لي وهذبت شعري الفصاحة له
الفقاهة: الفطنة والعلم بغوامض الأمور.
يقول: فقاهتي في الشعر وعلمي بغوامض المعاني هذبت فهم الممدوح، وبصرته جودة الشعر من رداءته، حتى لا يستحسن شعرًا هو دون شعري، وكذلك فصاحته هذبت شعري، وحملتني على التحفظ فيه، وتنقيحة حتى جاء مهذبًا من كل عيب ومثله لأبي تمام:
ولذاك شعري فيك قد سمعوا به سحرٌ وأشعاري لهم أشعار
[ ١ / ٢٠٨ ]
فصرت كالسيف حامدًا يده ما يحمد السيف كل من حمله
يقول: لما علمت بفصاحته، تأنقت في شعري، وهذبت ألفاظه، فصارت فصاحته سببًا إلى تجويد شعري، كما كان جودة ضربه وقوة ساعده سببًا لإظهار حد سيفه، فصار سيفه حامدًا له حيث أظهر جودته، ثم قال: ما يحمد السيف كل من حمله يعني: أن السيف إذا كان في يد من لا يحسن الضرب نبا إن كان ماضيًا، وإنما يعمل في يد الحاذق بتصريفه فلا يحمد السيف دون من لا يحسن الضرب به.
وجلس معه ليلة على الشراب فنهض لينصرف وقت انصرافه، فسأله الجلوس فجلس، فخلع عليه ثيابًا نفيسة، ثم نهض لينصرف فسأله الجلوس فجلس، فأمر له بثمن جارية فحمل إليه، ونهض لينصرف، فسأله الجلوس بقود مهرة إليه، فقال له ابن الطوسي الكاتب: لا تبرحن الليلة يا أبا الطيب فأجابه:
أعن إذني تهب الريح رهوًا ويسري كلما شئت الغمام؟!
ولكن الغمام له طباعٌ تبجسه بها وكذا الكرام
يقول جوابًا لذلك: لا أنصرف استزادةً مني لهباته، ليس عن أمري ولا كان طلبي من الرجل، إن ما ترى من جود الأمير ورجوليته، كرم طبعه يدعو إليه. كما أن الغمام ليسح ماؤه لطبعه، دون أن يبعثه عليه باعث، ولا يقدر أحد أن يحبس مطره، فكذلك هذا الرجل لا يمكنه أن يمتنع عن العطاء، لأن الله تعالى فطره على ذلك وروى: تبجسه بها ولها والهاء: للطباع وفي تبجسه للغمام.
وأراد أبو العشائر سفرًا فقال أبو الطيب يودعه:
الناس ما لم يروك أشباه والدهر لفظٌ وأنت معناه
المصراع الأول له معنيان أحدهما: أن الناس إذا لم تكن فيهم متساوون ليس لواحد منهم فضل على صاحبه، فإذا حضرتهم فضلتهم فتفاوتوا بك، فصاروا المفضولين وأنت الأفضل. والثاني: أن الناس ما لم يروك فهم سواء، فإذا رأوك تفاضلوا في أقدارهم، فكل من رآك أكثر فهو أشرف، وكل من قربت منزلته منك فهو أفضل.
يريد: أن الناس إذا رأوه تعلموا أسباب الرياسة منه، واهتدوا بأفعاله إلى المكارم، فمن صحبه أكثر كان إلى السيادة أقرب.
وأما المصراع الثاني فمعناه: أن الأفعال التي تنسب إلى الدهر من إعزاز وإذلال، وإحسان وإساءة، إنما هي عبارة عنه وإنها تنسب إليه بالقول، وإلا في الحقيقة فأنت فاعلها والمعني بها، لأنك تفعل ذلك دون الدهر.
والجود عينٌ وأنت ناظرها والبأس باعٌ وفيك يمناه
يقول: قوام الجود بك، كما أن العين بناظرها. والبأس: وهي الشجاعة، قوامها بك، ووجودها بسببك، كما أن الباع بطشه وفضله في اليد اليمنى.
أفدي الذي كل مأزقٍ حرجٍ أغبر فرسانه تحاماه
أعلى قناة الحسين أوسطها فيه وأعلى الكمي رجلاه
الحرج: الضيق. المأزق: المضيق في الحرب. والأغبر: المظلم الذي عليه غبرة. وتحاماه: تجنبه. والهاء في فيه ترجع إلى المأزق. وقيل: إلى الذي وقوله: كل مأزق مبتدأ، وأغبر في موضع جر، صفة لمأزق، وإن شئت رفعته فيكون صفة لكل، وفرسان مبتدأ آخر، وتحاماه خبره، وهذه الجملة صفة لمأزق، ولكل. والهاء في فرسانه تعود إلى المأزق وكذلك في فيه.
يقول: أفدي الفارس الذي إذا حصل في مضيقٍ أغبره. يحذر منه الفرسان ويتركونه، ويكون أعلى رمحه في ذلك المأزق أوسطه؛ لأنه يكثره بكثرة الطعن حتى يصير وسطه أعلاه، أو يثنيه إذا طعن فارسًا فيصير أعلاه أسفله وكذلك ينكس الفارس الشجاع عن فرسه، فيكون رجلاه فوقه وأعلاه، أو ينتفخ بعد قتله إياه وترتفع رجلاه فوقه. وما بعد قوله: الذي إلى آخره، داخل في صفة الذي وموضعه نصب بأفدي، أي أفدي الذي هذه صفته.
تنشد أثوابنا مدائحه بألسنٍ ما لهن أفواه
يقول: إن أثوابنا تنشد مدائحه، من حي إن الناس إذا رأوها علينا علموا أنها من خلعه، حتى لو لم نشكر له لأعلنت هذه الثياب بمدحه.
والثاني: هو أن لأثوابنا التي خلعها علينا صوتًا لجدتها، فهذا الصوت كإنشادها مدائحه. ذكره ابن جنى.
إذا مررنا على الأصم بها أغنته عن مسمعيه عيناه
هذا يؤكد المعنى الذي بدأنا بذكره. يعني أن هذه الثياب إذا مررنا بها على الأصم، فمتى رآها علم أنها من خلعه، فأغنته عيناه عن أذنيه.
سبحان من خار للكواكب بال بعد ولو نلن كن جدواه
نلن: أي أدركن وهو فعل ما لم يسم فاعله.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وحكى ابن جنى عن المتنبي: أنه كان يشير إلى الضمة رفعًا للالتباس بين فعلن وفعلن وقوله خار: أي جعل لها الخيرة.
يقول: لو نيلت هذه النجوم، لكانت يده تصل إليها وتجعلها من جملة عطاياه، ولكن الله تعالى بعدها منه خيرةً لها.
لو كان ضوء الشموس في يده لضاعه جوده وأفناه
ضاعه: أي فرقه.
يقول: لو كان ضوء الشمس في يده لفرقته هباته. وروى: أضاعه جوده أي ضيعه من الضياع.
يا راحلًا كل من يودعه مودعٌ دينه ودنياه
يقول: إن الدين والدنيا معك، فإذا فارقناك فارقنا ديننا ودنيانا بفراقك.
إن كان فيما نراه من كرمٍ فيك مزيدٌ فزادك الله
روى: من كرم ومن حسن.
يقول: لا مزيد على ما نلت من كرم في عقولنا، فإن كان في الكرم مزيد خفي علينا، فبلغك الله إليه، وأنا لك مرادك منه.
فقال قوم لأبي العشائر إنه ما كناك وإنما تعرف بكنيتك فقال:
قالوا ألم تكنه؟! فقلت لهم ذلك عيٌّ إذا وصفناه
أي قالوا: لم لا تذكر كنيته؟ فقلت لهم: إذا وصفته فذكر الكنية عي؛ لأن أوصافه تغني عن ذكرها، إذ لا يوجد في غيره ما فيه من الأوصاف. وهذا مثل قوله في مرثية أخت سيف الدولة:
ومن يصفك فقد سماك للعرب
لا يتوقى أبو العشائر من ليس معاني الورى بمعناه
وروى: من لبس فيكون نكرة. يعني: لا يتوقى رجلًا لبس معناه بمعاني الخلق، فيشاركه في هذا الوصف فيحتاج إلى تكنية، ليفصل بينهما. وروى: من ليس ومعنى البيت: أن الرجل إنما يذكر باسمه وكنيته لتميزه عن غيره، ومعاني أبي العشائر مخالفة لمعاني الناس فإذا وصف تميز عن غيره ولم يخف أن يلبس به غيره، لأنه لا يشاركه أحد في أوصافه فيحتاج إلى تمييز عنه بالكنية.
أفرس من تسبح الجياد به وليس إلا الحديد أمواه
يجوز نصب الحديد للضرورة؛ لأنها معرفه واسمه: أمواه، وهي نكرة. ويجوز أن تجعل خبر ليس محذوفًا، فتنصب الحديد على الاستثناء. المقدم. كأنه قال: وليس في الأرض أمواه إلا الحديد، فلما قدمه نصبه.
يقول: هو أفرس رجل تسبح به الجياد، ولما جعلها تسبح، جعل الماء الذي تسبح فيه الحديد، وهو الدروع والسلاح.
وأخرج إليه جوشنًا حسنًا أراه إياه بميا فارقين فقال يمدحه:
به وبمثله شق الصفوف وزلت عن مباشرها الحتوف
زلت: أي زلقت. والهاء في مباشرها للصفوف، ويجوز أن يكون للحتوف أي زلت الحتوف عن مباشرها.
يقول: بهذا الجوشن وبأمثاله تشق الصفوف في الحرب، ويندفع الموت عنه عند مصادقة الأقران والشجعان.
فدعه لقىً فإنك من كرامٍ جواشنها الأسنة والسيوف
يقول: دع هذا الجوشن مطروحًا، فإنك من قوم كرام ليس لهم جواشن إلا السيوف والرماح.
وضرب لأبي العشائر مضرب بميافارقين على الطريق، فكثر غاشيه وسائله، فقال له إنسان: جعلت مضربك على الطريق؟ فقال أبو العشائر أحب يا أبا الطيب أن تذكر هذا، فأنشد أبو الطيب قائلًا:
لام أناسٌ أبا العشائر في جود يديه بالعين والورق
أي: قد لام بعض الناس أبا العشائر في بذله الدراهم والدنانير على الناس.
وإنما قيل: لم خلقت كذا؟! وخالق الخلق خالق الخلق
يقول: من لامه على جوده بمنزلة من قال: لم خلقت كذا؟! لأنه طبع عليه ولا يمكنه الانفكاك منه، والله تعالى كما خلق الإنسان خلق له خلقًا، وما كان من فعل الله تعالى فلا سؤال فيه على العبد، ولا لوم عليه إذ لا فعل له فيه.
قالوا: ألم تكفه سماحته حتى بنى بيته على الطرق؟!
أي لاموه على جوده وقالوا: ألم يكفه ما فيه من الجود والسماحة حتى ضرب بيته على الطريق ليقصده كل وارد؟! فأجاب عن ذلك بقوله:
فقلت: إن الفتى شجاعته تريه في الشح صورة الفرق
أي فقلت لهم: إن الفتى الشجاع يرى الشح كالفرق: وهو الجبن، فيجتنبه كما يجتنب الجبن؛ لأن البخيل إنما يبخل بماله خوف الفقر، فهو يقوم عليه كما يقوم على أمر مخوف، فكأنه يقول: إن السخي لتيقنه بالعوض، يسمح بما عنده فيرى البخل من الجبن.
بضرب هام الكماة تم له كسب الذي يكسبون بالملق
يقول: إن ما يكسبه أعداؤه بالملق والخديعة، يأخذه هو بسيفه؛ لأنه يضرب رءوسهم ويغير على أموالهم.
[ ١ / ٢١٠ ]
معناه: أن ما يأخذونه بالسؤال والملق حصل له بتقبيل الأيادي؛ لأن شجاعته معه، وفي أعدائه كثرة، فإن ذهب ما في يده رجع إلى أعدائه وغار عليهم واكتسب أموالهم.
وقيل: هو ملك يضرب هام الشجعان، وماله قليل، مثل مال من يكسب في الملق، لتسلط الجود عليه وتركه لادخار الأموال.
كن لجةً أيها السماح فقد آمنه سيفه من الغرق
يخاطب السماح ويقول له: كن أعظم ماشئت، فإن الممدوح لا يخشى أن يفرق ماله، لأن سيفه قد أمنه من ذلك، لأنه كلما نفذ ماله أخلف عليه سيفه مثله وأكثر منه، من مال أعدائه. والهاء في منه وسيفه للممدوح.
وانتسب له أي لأبي العشائر بعض من رماه أي المتنبي على باب سيف الدولة في الليلة التي نشرحها بعد قوله:
وأحر قلباه ممن قلبه شيم
وانتسب إلى أبي العشائر وذكر أنه هو الذي أمرهم بذلك فقال أبو الطيب:
ومنتسبٍ عندي إلى من أحبه وللنبل حولي من يديه حفيف
حفيف النبل: صوته.
يقول: رب رام قصدني سهامه، وانتسب إلى من أحبه وقت رميه، وأنا أسمع حولي حفيف نبله.
فهيج من شوقي وما من مذلةٍ حننت ولكن الكريم ألوف
يقول: لما ذكر لي أبا العشائر هيج شوقي إليه، ولم يكن حنيني إليه من ذل أو حزن، ولكني ألوفٌ، والكريم يألف إلى من أحسن إليه.
وكل ودادٍ لا يدوم على الأذى دوام ودادي للحسين ضعيف
يقول: كل وداد لا يكون دائمًا على الأذى ممن يؤذيه، كما دام ودادي لأبي العشائر، فهو ود ضعيف.
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا فأفعاله اللائي سررن ألوف
يقول: إن ساءني فعله مرة، فالذي سرني من أفعاله المواضي وأياديه السوالف، ألوف.
ونفسي له نفسي الفداء لنفسه ولكن بعض المالكين عنيف
العنيف: ضد الرفيق. يقول: نفسي له. أي أنا عبده فليصنع بي ما أحب! ثم قال: نفسي فداء له. ثم عرض به فقال: ولكن بعض المالكين عنيف أي أنه لما ملك عنف عليها، وأراد إتلافها وكان حقه أن يرفق بها.
تمت الشاميات