وقال الشمردل بن شريك اليربوعي:
بانَ الخليطُ فأدلجوا بسوادِ وأجدَّ بينهمُ على ميعادِ
لما بدا وهجُ السمومِ وعارضت هيفُ الجنوبِ أوائلَ الأورادِ
وتصوبت سورُ الإخاذِ وذكرت بالعدِّ من هو بالتنوفةِ بادِ
وجرى السرابُ على الأماعزِ بعدما خبَّ السفا بظواهرِ الأسنادِ
كرهوا الرواحَ فقوضوا بأصيلةٍ ودعا برائحةِ الجمالُ منادي
بجوازيءٍ كصفا الأسيلِ تربعت مستنَّ أوليةٍ وصوبَ عهادِ
في سامقٍ غردِ الذبابِ ترى لهُ صحنًا بكلِّ قرارةٍ ووهادِ
حتى إذا عفتِ السحوجُ وغمها نيُّ الكلي ومواضعُ الأقتادِ
طارت عقايقها وقد علقَ السفا خدمًا بجلتها من الأقيادِ
وسعى القطينُ فصافحت برؤوسها خدرُ الأزمةِ أيديَ الأوغادِ
وعرفنَ عادتهنَّ ثمَّ منعنها من كبرياءِ بهنَّ غير شرادِ
جنى إذا علقت أزمتها البرى راجعنَ دلَّ نجابةٍ وقيادِ
غلبُ الرقابِ كأنَّ هامُ رؤوسها من فوقِ أعينها مقابرُ عادِ
من كلِّ مختلفِ الشؤونِ مفرجٍ صعقِ الشباةِ يهمُّ بالإيعادِ
وكسينَ من ربذِ الأشلةِ زينةً حينَ استبانَ من الصباحِ هوادي
ثمَّ استقلَّ منعماتٌ كالدمى شمسُ العتابِ قليلةُ الأحقادِ
كذبُ المواعدِ لا يزالُ أخو الصبا منهنَّ بينَ مودةٍ وبعادِ
حتى ينالَ حبالهنَّ تخلبًا عقلَ الشريدِ وهنَّ غيرُ شرادِ
والحبُّ يعطفُ بعدَ هجرٍ بيننا وبهيجُ مغتبطًا لغيرِ تعادِ
كالحائماتِ يرينَ شربًا دونهُ رصدُ الشريعةِ والقلوبُ صوادي
ولقد نظرتَ وردَّ نظرتك الهوى بكثيبِ تلعةَ والقلوبُ صوادي
والآلُ يتضعُ الحدابَ وتغتلي بزلُ الجمالِ إذا تشنعَ حادي
كالزنبريِّ تقاذفتهُ لجةٌ يصدعنها بكلاكلٍ وهوادي
في موجِ ذي حدبٍ كأنَّ سفينهُ دونَ السماءِ على ذرى أطوادِ
إنا لننفعُ من أردنا نفعهُ ويخافُ صولتنا الذين نعادي
والموتُ يولعُ كلَّ يومِ وقيعةٍ منا بأهلِ سماحةٍ وذيادِ
أمثالِ عقبةَ والعلاءِ وعامرٍ والسجفِ غير مغمرَّ وزيادِ
كانوا إذا نهلَ القنا بأكفهم سلبوا السيوفَ أعالي الأغمادِ
فتيانُ مكرمةٍ وشيبٌ سادةٌ مثرونَ ليسَ بحورهم بثمادِ
وهمُ الحماةُ إذا النساءُ استعبرتِ والمطعمونَ عشيةَ الصرادِ
ولقد علمتُ ولو مضوا لسبيلهم وأطالَ ذكرهمُ ضميرُ فؤادي
إنَّ المصابَ وإن تلبثَ بعدهُ كرواحِ مرتحلٍ وآخرَ غادي
وقال أيضًا:
طربتُ وذو الحلمِ قدِ يطربُ وليسَ لعهدِ الصبا مطلبُ
خلا واسطٌ وكأن لم يكن بهِ منزلُ الحيَّ والربربُ
قيامًا تفادينَ فوقَ الكثيب تداعى بهِ بدنٌ كعبُ
ثقالُ الروادفِ نجلُ العيونِ لهنَّ فؤادك مستصحبُ
وأسرعَ في البينِ قيلُ الوشاةِ ولا يعدمُ الناسَ من يشغبُ
ولا يلبثُ الدهرُ ذا سلوةٍ تراوحهُ الشرقُ والمغربُ
ومرُّ الليالي وأيامها وبدءُ الحوادثِ والعقبُ
وكم من نعيمٍ ومن عبرةٍ تقضى إلى أجلٍ يكتبُ
فإن يكُ صحبكَ لم يربعوا وقالوا ترحلنا أصوبُ
[ ١٢٠ ]
فودع سليمةَ إنَّ الفؤادَ غدًا عن زيارتها أجنبُ
وما رحتُ حتى تولى النهارُ وقال صحابي ألا تركبُ
فرحتُ وفي الصدرِ من بينها كصدعِ الزجاجةٍ لا يشعبُ
فويلُ امها خلةً لو تدومُ على ما تقولُ ولا تكذبُ
ولكنَّ أكثرَ موعودها كبرقٍ ألاحَ بهِ الخلبُ
من البيضِ لم توذِ جاراتها ولم يك فيهم لنا نيربُ
ولم يفزعِ الحيُّ من صوتها أمامَ بيوتهم تصخبُ
قطوفٌ تهادى إذا أعنقت كما يطأُ الموعثَ المتعبُ
كأنَّ علالةَ أنيابها شمولٌ بماءِ الصفا تقطبُ
كميتٌ لسورتها نفحةٌ كرائحةِ المسكِ أو أطيبُ
تزيدُ الجوادَ إلى جوده ويفترُ عنها وما ينصبُ
وتصعدُ لذتها في العظامِ إذا خالطت عقلَ من يشربُ
وقد جلبت لكَ من أرضها سليمةُ والوصلُ قد يجلبُ
على حينَ ولى مراحُ الشبابِ وكادت صبابتهُ تذهبُ
فلما رأت أنَّ في صدرهِ من الوجدِ فوقَ الذي يحسبُ
أدلت لتقتلهُ بالعتابِ فكادَ على عقلهِ يغلبُ
ونحنُ على نزواتِ العتابِ كلانا بصاحبهِ معجبُ
إذا جئتُ قالت تجنبننا وكيفَ زيادةُ من يرقبُ
بهجرِ سليمة مرَّ السنيحُ فلم تدرِ ما قالَ إذ ينعبُ
وماذا عليكَ إذا فارقت أصاحَ الغرابُ أمِ الثعلبُ
فيا حاجةَ القلب لما استوى ظلامًا بأحداجها المنقبُ
وأدلجتِ الشمسُ يحدُ القطينُ بها ليلةَ اندفعَ الموكبُ
يضيءُ سناها رقاقَ الثيابِ فلا الوجهُ أحوى ولا مغربُ
سرت بالسعودِ إلى أن بدا لها القاعُ فالحزمُ فالمذنبُ
فما درةٌ تتوافى التجارُ إلى غايصٍ عندهُ تطلبُ
رمى صدفيها بأجرامهِ كما انقضَّ بازلهُ مرقبُ
بأحسنَ منها ولا مغزلٌ أطاعَ لها المكرُ والحلبُ
بسفحٍ مجودٍ ولاهُ الخريفُ منَ الدلوِ ساريةٌ تهضبُ
وظلماءَ جشمتنا سيرها ولم يبدُ فيها لنا كوكبُ
وهاجرةٍ صادقٍ حرها تكادُ الثيابُ بها تلهبُ
كأنَّ الحرابيَّ من شمسها تلوحُ بالنارِ أو تصلبُ
ورقاصةِ الآلِ فوقَ الحدابِ يظلُّ السرابُ بها يلعبُ
وتحتَ قتوديَ زيافةٌ خنوفٌ إذا صخبَ الجندبُ
جماليةُ الخلقِ مضبورةٌ على مثلها يقطعُ السبسبُ
وخودٌ إذا القومُ قالوا ارفعوا ضربنَ وجالت وما تضربُ
كأنَّ قتودي وأنساعها تضمنهنَّ وأي أحقبُ
مرنٌّ يحاذرُ روعاتهِ سماحيجُ مثلُ القنا شزبُ
إذا امتنعت بعدَ أطهارها فلا الطوعَ تعطي ولا تغضبُ
رعى ورعينَ حديقَ الرياضِ إلى أن تجرمتِ العقربُ
وهاجت بوارحُ ذكرنهُ مناهلَ كانَ بها يشربُ
فظلت إلى الشمسِ خوصَ العيونِ تناجي أيخفضُ أمِ يقربُ
فبيتنَ عينًا من الجمجمانِ تنازعها طرقٌ نيسبُ
بها ساهرُ الليلِ عاري العظامِ عرى لحمهُ أنهُ يدأبُ
قليلُ السوامِ سوى نبلهِ وقوسٌ لها وترٌ مجذبُ
فلما شرعنَ رمى واتقى بسهمٍ ثنى حدهُ الأثأبُ
فحصنَ فثارَ على رأسهِ من القاعِ معتبطٌ أصهبُ
فكادَ بحسرةِ ما فاتهُ يجنُّ من الوجدِ أو يكلبُ
فإن يكُ لوني علاهُ الشحوبَ فإنَّ أخا الهمِّ من يشحبُ
وقد عجمتني شدادُ الأمورِ فلا أستكينُ إذا أنكبُ
لئن أبدتِ الحربُ أنيابها وقامَ لها ذائدٌ مرهبُ
وما زالَ عندي ذو هيئةِ حسامٌ أصولُ بهِ مقضبُ
من القلعياتِ لا محدثٌ كليلٌ ولا طبعٌ أجربُ
تلذُّ اليمينُ انتضاءً بهِ إذا الغمدُ عن متنهِ يسلبُ
أعاذلَ إني رأيتُ الفتى إذا ماتَ بالبخلِ لا يندبُ
ولو كنتُ قطبةَ أو مثلهُ ذممتُ ولم يبقَ ما أكسبُ
تراهُ يحارشُ أصحابهُ قيامًا كما احترشَ الأكلبُ
على معظمٍ أيهم نالهُ فذلكِ فيهم هو المتربُ
[ ١٢١ ]
وقال الشمردل أيضًا يرثى أخاه وائلًا:
لعمري لإن غالت أخي دارُ فرقةٍ وآبَ إلينا سيفهُ ورواحلهْ
وحلت بهِ أثقالنا الأرضُ وانتهى بمثواهُ منها وهو عفٌّ منازلهْ
لقد ضمنت جلدَ التقى كان يتقى بهِ جانبُ الثغرِ المخوفِ زلازلهْ
وصولٌ إذا استغنى وإن كانَ مقترًا من المالِ لم يحفِ الصديقَ مسايلهْ
هضومٌ لأيتامِ الشتاءِ كأنما يراهُ الحيا أيتامهُ وأراملهْ
رخيصُ نضيج القدرِ يغلي بنيئهِ إذا بردت عندَ الصلاءِ أناملهْ
أقولُ وقد رجمتُ عنهُ وأسرعت إليَّ بأخبارِ اليقين محاصلهْ
إلى اللهِ أشكو لا إلى الناسِ فقدهُ ولوعةَ حزنٍ أوجعَ القلبَ داخلهْ
وتحقيقَ رؤيا في المنامِ رأيتها فكانَ أخي رمحي ترفضَ عاملهْ
سقى جدثًا أعرافُ غمرةَ دونهُ بهضبةَ كتمانِ الربيعِ ووابلهْ
بمثوى غريبٍ ليسَ منا مزارهُ بدانٍ ولاذو الودِّ منا يواصلهْ
إذا ما أتى يومٌ من الدهرِ بيننا فحياكَ عنا شرقهُ وأصائلهْ
وكلُّ سنا صبحٍ أضاءَ ومغربٍ من الشمسِ وافى جنحَ ليلٍ أوائلهْ
تحيةَ من أدى الرسالةَ حييت إلينا ولم ترجع بشيءٍ رسائلهْ
أبى الصبرُ أنَّ العينَ بعدك لم يزل يخالطُ جفنيها قذى ما تزايلهْ
تبرضَ بعدَ الجهدِ من عبراتها بقيةُ دمعٍ شجوها لكَ باذلهْ
وكنتُ أعيرُ الدمعَ قبلك من بكى فأنت على من ماتَ بعدك شاغلهْ
تذكرني هيفُ الجنوبِ ومنتهى نسيم الصبا رميسًا عليهِ جنادلهْ
وهاتفةٌ فوقَ الغصونِ تفجعت لفقدِ حمامٍ أفردتها حبائلهْ
منَ الورقِ بالأصيافِ نواحةُ الضحى إذا الغرقدُ التفت عليهِ غياطلهْ
وسورةُ أيدي القومِ إذ حلتِ الحبى حبى الشيبِ واستعوى أخا الحلم جاهلهْ
فعينيَّ إذ أبكاكما الدهرُ فابكيا لمن نصرهُ قد بانَ عنا ونائلهْ
وإن ما نحت عينا حزينٍ فما نحا عليهِ لبذلٍ أو لخصمٍ يجادلهْ
أخي لا بخيلٌ في الحياةِ بمالهِ عليَّ ولا مستبطأ الفرضِ خاذلهْ
أقامَ حميدًا بينَ تثليثَ دارهُ وبيشةَ لا يبعد أخي وشمائلهْ
وتهجيرهُ بالقومِ بعدَ كلالهم إذا اجلوذَ الخمسَ البعيدَ مناهلهْ
على مثل جونيِّ العطاشِ من القطا تجاهدَ لما أفزعتهُ أجادلهْ
وشعثٍ يظنونَ الظنونَ سما بهم لنائي الصوى يثني الضعيفَ تهاولهْ
بخرقٍ من الموماةِ قودٍ رعانهُ يكادُ إذا أضحى تجولُ مواثلهْ
تشبهُ حسراهُ القراقيرَ يرتمي بها ذو حدابٍ يضربُ البيدَ ساحلهْ
إذا النشزُ فوقَ الآلِ ظل كأنهُ قرى فرسٍ يغشى الآجلة كاهلهْ
وسدمٍ سقى منها الخوامسَ بعدما ضرحنَ الحصى حتى توقدَ جائلهْ
إذا استعبرت عوذُ النساءِ وشمرت مآزرَ يومٍ لا توارى خلاخلهْ
وثقنَ بهِ عندَ الحفيظةِ فارعوى إلى صوتهِ جاراتهُ وحلائلهْ
إلى ذائدٍ في الحربِ لم يكُ خاملًا إذا عاذَ بالسيفِ المجردِ حاملهْ
كما ذادَ عن عريسةِ الغيلِ مخدرٌ يخافُ الردى ركبانهُ وأراجلهْ
فما كنتُ أرى لامرئٍ عندَ موطنٍ أخًا بأخي لو كانَ حيًا أبادلهْ
وكنتُ بهِ أخشى القتالَ فعزني عليهِ من المقدارِ ما لا أقاتلهْ
لعمركَ إنَّ الموتَ منا لمولعٌ بمن كان يرجى نفعهُ ونوافلهْ
فما البعدُ إلاَّ أننا بعدَ صحبةٍ كأن لم نبايت وائلًا ونقابلهْ
سقى الضفراتِ الغيثُ ما كانَ ثاويًا بهنَّ وجادت تستهلُّ هواطلهْ
وما بي حبَّ الأرضِ إلاَّ جوارها صداهُ وقولٌ ظنَّ أني قائلهْ
وقال الشمردل أيضًا:
إنَّ الخليطَ أجدَّ منكَ بكورا وترى المحاذرَ بالفراقِ جديرا
صرموا حبالكَ فاتضعتِ لحاجةٍ تبكي الحزينَ وتترحُ المحبورا
بالقنفذين غداةَ لو كلمتنا دهقانُ ما كتمَ الفؤادُ ضميرا
لما تخايلَ غدوةً أترابها رفعنَ فوقَ ذرى الجمالِ خدورا
[ ١٢٢ ]
رحلت هوادجهنَّ كلُّ ربحلةٍ قامت تهاونُ خلقها الممكورا
صمتُ الخلاخل في رواءِ خدلةٍ بيضٍ تقلُّ روادفًا وخصورا
سلمنَ قبلَ وداعهنَّ لغربةٍ ورعى الهوى بقرًا أوانسَ حورا
دارَ الجميع بروضةِ الخيلِ اسلمي وسقيتِ مرتجزَ العشيِّ مطيرا
ولقد أرى بك حاضرًا ذا غبطةٍ إذ لا أخافُ على الشقاقِ أميرا
يا أمَّ نجدةَ لو رأيتِ مطينا بعدَ الكرى ومناخهنَّ هجيرا
لرأيتِ جائلةَ الغروضِ وفتيةً وقعت كلاكلها بهم تغويرا
من كلِّ يعملةِ النجاءِ شملةٍ قوداءَ يملأ نحرها التصديرا
ترمي النجادَ بمقلتي متوجسٍ لهقٍ تروحَ ناشطًا مذعورا
أمسى بمحنيةٍ يحكُّ بروقهِ حقفًا يهيلُ ترابهُ المحدورا
من صوبِ ساريةٍ كأنَّ بمتنهِ منها الجمانُ ولؤلؤًا منشورا
طالت عليهِ وباتَ من نفحِ الصبا وجلًا يوقرُ جأشهُ توفيرا
حتى غدا حبقًا وحققَ ذعرهُ عاري الأشاجع ما يزالُ ضريرا
يشلي قوانصَ من كلابِ محاربٍ طلسًا يجلنَ إذا سمعنَ صفيرا
حاذرنَ شدةَ محصفٍ ذي شرةٍ حاضرنهُ فوجدنهُ محضيرا
حتى ارعوى لحميةٍ لحقتِ بهِ والكبرياءُ يشيعُ المكثورا
ينهسنَ كاذتهُ ويمنعُ لحمهُ طعنٌ يصيبُ فرائصًا ونحورا
قالت حبابةُ ما لجسمكَ ناحلًا وكساكَ منزلةِ الشبابِ قتيرا
والجفنُ ينحلُ ثمَّ يوجدُ نصلهُ عندَ الضريبةِ صارمًا مأثورا
هلاَّ سألتِ إذا اللقاحُ تروحت هدجًا وراحَ قريعها مقرورا
ألاَّ أحفَّ على الدخانِ ولا أرى سبلَ السماحةِ يا حبابَ وعورا
إني لأبذلُ للبخيلِ إذا اعترى مالي وأتركُ مالهُ موفورا
وإذا طلبتُ ثوابَ ما آتيتهُ فكفى بذاكَ لسائلي تذكيرا
فذرا عتابي كلما صبحتما عذالتي لتقصدا وتجورا
وإذا رشادُ الأمرِ صارَ إليكما فتربصا بي أن أقولَ أشيرا
وقال أيضًا:
بانَ الخليطُ بحبلِ الودِّ فانطلقوا وزيلَ البينُ من تهوى ومن تمقُ
ليتَ المقيمُ مكانَ الظاعنين وقد تدنو الظنونَ وينأى من بهِ تثقُ
وما استحالوا عن الدارِ التي تركوا عني كأنَّ فؤادي طائرٌ علقُ
وفي الخدورِ مهًا لما رأينَ لنا نحوًا سوى نحوهنَّ أغرورقَ الحدقُ
أريننا أعينًا نجلًا مدامعها دافعنَ كلَّ دوى أمسى بهِ رمقُ
بموطنٍ يتقى بعضَ الكلامِ بهِ وبعضهُ من غشاشِ البينِ مسترقُ
ثم استمروا يشقونَ السرابَ ضحى كأنهم نخلُ شطي دجلةَ السحقُ
فما رأيتُ كما تفري الحداةُ بهم ولا كنظرةِ عينٍ جفنها غرقُ
إذا أقولُ لهم قد حانَ منزلهم وضرجَ البزلَ من أعطافها العرقُ
حثوا نجائبَ تلوي من خزايمها جذبَ الأزمةِ في أزرارها الحلقُ
من كلِّ أشحجَ نهاضٍ تخالُ بهِ جنًا يخالطهُ من سومهِ عنقُ
يغتالُ نسعي وضينِ الخدرِ محزمه مساندٌ شدَّ منهُ الدايُ والطبقُ
رحبُ الفروجِ إذا ما رجلهُ لحقت سيرًا بمائرةٍ في عضدها دفقُ
حتى إذا صحرت شمسُ النهارِ وقد أفضى الجبيلُ وزالَ الحزمُ والنسقُ
تورعوا بعدما طال الحزيزُ بهم وكادَ ضاحي ملاءِ القزِّ يحترقُ
وفيهم صورٌ ما بذها أحدٌ منَ الملوكِ وما تجري بهِ السوقُ
من كلِّ ميالةٍ خرسٍ خلاخلها لأيًا تقومُ وبعدَ اللأي تنتطقُ
تسقي البشامَ ندىً يجري على بردٍ ما في مراكزهِ جذُّ ولا ورقُ
غرثى لوشاحِ صموتِ الحجل ما انصرفت إلاَّ تضوعَ منها العنبرُ العبقُ
كالشمسِ يوم سعودٍ أو مرشحةٍ بالأسحمينِ دعاها توأمٌ خرقُ
حيِّ الديارَ التي كانت مساكننا قفرًا بها لرياحِ الصيفِ مخترقُ
وكلُّ مهتزمٍ راحَ الشمالُ بهِ تكشفَ الخيلِ في أقرابها بلقُ
فاستقبلتهُ الصبا تهدي أوائلهُ فاستكرهَ السهلَ منهُ وابلٌ بعقُ
[ ١٢٣ ]
وما توهمُ من سفعٍ بمنزلةٍ حالفنَ ملتبدًا يعرى وينسحقُ
تعيرهُ الريحُ طورًا ثمَّ ترجعهُ كما استعيرَ رداءُ اليمنةِ الخلقُ
وقد يكونُ الجميعُ الصالحونَ بها حتى إذا اصفرَّ بعدَ الخضرة الورقُ
شقَّ العصا بينهم من غيرِ نائرةٍ مستجذبٌ لم يغطهُ خافضٌ أنقُ
كأنَّ فصحَ النصارى كان موعدهم هذا مقيمٌ وهذا ظاعنٌ قلقُ
يا أمَّ حربٍ برى جسمي وشييبني مرُّ الخطوبِ التي تبري وتعترقُ
ونامَ صحبي واحتمت لعادتها بالكوفةِ العينُ حتى طالَ ذا الأرقُ
أرعى الثريا تقودُ التالياتِ معًا كما تتابعَ خلفَ الموكبِ الرفقُ
معارضاتٍ سهيلًا وهو معترضٌ كأنهُ شاةُ رملٍ مفردٍ لهقُ
قلبي ثلاثةُ أثلاثٍ لباديةٍ وحاضرٍ وأسيرٍ دونهُ غلقُ
لكلهم من فؤادي شعبةٌ قسمت فشفني الهمُّ والأحزانُ والشفقُ
إن يجمعِ اللهُ شعبًا بعدَ فرقتهِ فقد تريعُ إلى مقدارها الفرقُ
وإن يخنا زمانٌ لا نعاتبهُ فقد أرانا وما في عظمنا رققُ
يخشى العدوَّ ولا يرجو ظلامتنا إذا تفرعَ حكمُ المجلسِ الرهقُ
ونكرمُ الضيفَ يغشانا بمنزلةٍ تحتَ الجليدِ إذا ما استنشقَ المرقُ
نبيتُ نلحفهُ طورًا ونغبقهُ شحمَ القرى وقراحُ الماءِ يغتبقُ
إذ هيجت قزعًا تحدوهُ نافجةٌ كأنما الغيمُ في صرادها الخرقُ
وقد علمتُ وإن خفَّ الذي بيدي إنَّ السماحةَ مني والندى خلقُ
ولا يؤنبُ أضيافي إذا نزلوا ولا يكونُ خليلي الفاحشُ النزقُ
ولو شهدتِ مقامي بالحسامِ على رأسِ المسناةِ حيثُ استبتِ الفرقُ
إذن لسركَ إقدامي محافظةً بالسيفِ صلتًا وداجي الليلِ مطرقُ
إذ قلتُ للنفسِ عودي بعدَ ما جشأت وما ازدهاني بذاكَ الموطنِ الفرقُ
وما استكنتَ إلى ما كانَ من ألمٍ وقد يهونُ ضربَ الأذرعِ الحنقُ
حتى انجلى الروعُ في ظلماءَ داجيةٍ ما كادَ آخرها للصبحِ ينفرقُ
وقال الشمردل أيضًا:
أأنكرتَ أطلالَ الرسومِ وقد ترى بها غانياتٌ دلهنَّ وثيقُ
يقارفننا بالودِّ نحفي فريقهُ ومنهُ بأظلالِ الأراكِ فريقُ
وما أنصفت ذلفاءُ أما دنوها فهجرٌ وأما نأيها فيشوقُ
تباعدُ ممن واصلت وكأنها لآخرَ ممن لا تودُّ صديقُ
لقد علمَ المستودعُ السرَّ أنني ستورٌ لهُ صدري عليهِ شفيقُ
وأني امرؤٌ تعتادني أريحيةٌ بمالي إن حلت عليهِ حقوقُ
إذا العزبُ اجتابَ الدخانَ وأصبحت بليلًا وأمسى الغيمُ وهو رقيقُ
فإن أنجحَ الواشي وأصبحَ بيننا وبينكِ مغبرُّ الفجاجِ معيقُ
فجادكِ وسميٌّ كأنَّ ربابهُ قطارُ عباديٍّ عليهِ وسوقُ
هزيمٌ إذا حلت عزاليهُ الصبا يرى لبناتِ الماءِ فيهِ نغيقُ
وظلمةِ ليلٍ دونَ ذلفاءَ قستها إذا لم يكن للطلمساءِ فتوقُ
بأعيسَ من حرِّ المهارى يزينهُ نجارٌ كلونِ الأخدريِّ عتيقُ
لقوداءَ شملالِ السرى قاعَ فوقها بهِ من قرومِ الناعجاتِ فنيقُ
ترى الصلبَ منهُ والضلوعَ كأنها سقائفُ ساجٍ سمرهنَّ وثيقُ
لدى شعشعانٍ في الزمامِ يقودهُ خريعٌ كسبتِ الموسميِّ خفوقُ
يرنُّ الحصى من وقعهِ ثم ترتمي بهِ يسراتٌ رجعهنَّ رشيقُ
تقاذفَ قرقورِ الصراري أجملت بهِ نيرجٌ تحدو الجهامَ خريقُ
مللتُ لهُ طولَ الثواءِ وقد ثوى ثلاثَ ليالٍ في الوثاقِ يتوقُ
يردُّ الجبينُ بالجرانِ كأنهُ إذا قامَ جذعٌ من أوالَ سحوقُ
ونادى منادٍ بالأذانِ وقد غدا برحلي موارُ اليدين خليقُ
فما ذرَّ قرنُ الشمسِ حتى ارتمت بهِ منَ القورِ بينَ المكرعاتِ طريقُ