اعلم أن الانعطاف بالكلام من جهة إلى أخرى أو غرض إلى آخر لا يخلو من أن يكون مقصودا أولا، فيذكر الغرض الأول لأن يستدرج منه إلى الثاني وتجعل مآخذ الكلام في الغرض الأول صالحة مهيأة لأن يقع بعدها الغرض الثاني موقعا لطيفا وينتقل من أحدهما إلى الآخر انتقالا مستطرفا، لذكر الغرض الثاني ولا توطئة للصيرورة إليه والاستدراج إلى ذكره بل لا ينوي الغرض الثاني في أول الكلام، وإنما يسنح للخاطر سنوحا بديهيا ويلاحظه الفكر المتصرف بالتفاتاته إلى كل جهة ومنحى من أنحاء الكلام.
فما كان من قبيل هذا القسم الثاني فإنه الذي يعرف بالالتفات. وأما القسم الأول فإن منه ما يكون بصورة الالتفات، ومنه ما لا يكون بتلك الصورة. وفي ما لا يبنى الكلام عليه أيضًا من أول ما لا يكون بصورة الالتفات.
١- إضاءة: والصورة الالتفاتية: هي أن يجمع بين حاشيتي كلامين متباعدي المآخذ والأغراض، وأن ينعطف من إحداهما إلى الأخرى انعطافا لطيفا من غير واسطة، تكون توطئة للصيرورة من أحدهما إلى الآخر على جهة من التحول.
والانعطاف غير الالتفاتي يكون بواسطة، بين المنعطف منه والمنعطف إليه، يوجد الكلام بها مهيئا للخروج من جهة إلى أخرى، وسبب يجعل سبيلا إلى ذلك يشعر به قبل الانتهاء إليه.
٢- تنوير: وأصناف الالتفاتات كثيرة. وأكثر ما يعني المتكلمون في البديع، من ضروبه، ثلاثة أصناف: ١- مما أوهم ظاهره أنه كريه وهو مستحب في الحقيقة فيلتفت الشاعر إلى ذكر ما يزيل ذلك؛ نحو قول عرف بن محلم: (السريع -ق- المترادف)
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
٢- الثاني أن يلتفت الشاعر عند ذكر شيء إلى ما له في نفسه من غرض جميل أو غير ذلك، فيصرف للكلام إلى جهة ذلك الغرض، نحو قول جرير: (الكامل -ق- المتدار)
طرب الحمام بذي الأراك فهاجني لا زلت في غلل وأيك ناضر
[ ١٠١ ]
٣- الثالث أن يلتفت إلى نقض خفي داخل عله في مقصد كلامه أو يخشى تطرق النقض إليه، فيحتال في ما يرفع النقض ويزيل التطرق، ويشير إلى ذلك ملتفتا كقول طافة: (الكامل -ق- الترادف)
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي
وقول ابن المعتز: (الطويل -ق- المتدارك)
صببنا عليها، ظالمين، سياطنا فطارت بها أيد سراع وأرجل
٣- إضاءة: وإذ قد تبين أن ما قصد به الاستدراج أولا، أو سنح فيه الالتفات آخرا، كلاهما منه ما يترامى فيه من الغرض الأول إلى الثاني من بعد على سبيل التدرج، ومنه ما يخلص فيه إلى الشيء مما يليه من الكلام بغير تدرج، فلنذكر الآن مآخذ الشعراء فيما يتدرجون إلى مدحه أو ذمه، أو يخلصون إليه خلوصا التفاتيا على جهة الاستطراد، أو لا يتدرجون إليه ولا يستطردون بل يهجمون على المدح أو الذم هجوما.
وأهل البديع يسمون ما كان الخروج فيه بتدرج تخلصا، وما لم يكن بتدرج ولا هجوم ولكن بانعطاف طارئ على جهة من الالتفات استطرادا، ومثله قول حسان: (الرجز -ق- المترادف)
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحرث بن هشام
وربما اجتمع التخلص والاستطراد، كقول مسلم: (الطويل -ق- المتدارك)
أجدك لا تدرين أن رب ليلة كأن دجاها من قرونك تنشر
أرقت لها حتى تجلت بغرة كغرة يحي حين يذكر جعفر
فتخلص إلى مدح يحي واستطرد منه إلى ذكر جعفر.
وإنما أخذ هذا اللقب من استطراد الفارس، وهو أن يريك أنه فر وإنما يريد بذلك اغترار من ينقطع في طلبه، فيسرع الكر إذ ذاك عليه.
ولا ينبغي أن يشترط في الاستطراد ألا يرجع فيه إلى وصف المستطرد من، بل كيف ما وقع الكلام المتحول فيه عن جهة إلى أخرى على النحو الذي ذكرناه مرجوعا فيه إلى وصف المستطرد منه أو غير مرجوع، مستطردا فيه من المستطرد إليه إلى غيره ومن ثان من المستطرد إليها إلى ثالث أو مقتصر على واحد من المستطرد إليها، فإنه استطراد يتنوع بحسب ما يتوجه الكلام بعده إليه.
٤- تنوير: وشعراء المحدثين أحسن مأخذا في التخلص والاستطراد من القدماء، لأن المتقدمين إنما كانت قصارهم في الخروج إلى المديح أن يقول: دع ذا، وعد القول في هذا، أو يصف ناقته ويذكر أن إعمالها إنما كان من اجل قصد الممدوح؛ وعلى أنهم كانوا معتمدين في الخروج على تعدية القول أو تعدية العيس فقد ندر لهم من التخلص ما يستحسن ومن الاستطراد ما لا ينكر الإبداع فيه. وقد كان فيا لمحدثين من يعفي خاطره في الخروج إلى المديح اقتداء بالمتقدمين فيهجهم على المديح من غير توطئة له كقول البحتري: (الرجز -ق- المتدارك)
تأبى رباه أن تجيب، ولم يكن مستخبر ليجيب حتى يفهما
ثم قال:
الله جار بني المدبر كلما ذكر الأكارم ما اعف وأكرما
٥- إضاءة: وكلا ضربي الخروج إلى المديح - متصلة بما قبله ومنقطعة - لا يخلو من أن يقفي البيت فيه باسم الممدوح أو المذموم، أو اسم الأب، أو يوضع ذلك في تضاعيف البيت ويقفى البيت بغير ذلك.
وكلما أمكن وضع الاسم في القافية كان أحسن موقعا وأبلغ في اشتهار الاسم، والناس يسمون هذا النوع الشق على الاسم، كقول البحتري: (الرجز -ق- المترادف)
ولو أنني أعطيت فيهن المنى لسقيتهن بكف إبراهيما
[ ١٠٢ ]
٦- تنوير: فالذي يجب أن يعتمد في الخروج من غرض إلى غرض أن يكون الكلام غير منفصل بعضه من بعض، وأن يحتال في ما يصل بين حاشيتي الكلام ويجمع بين طرفي القول حتى يلتقي طرفا المدح والنسيب أو غيرهما من الأغراض المتباينة التقاء محكما، فلا يختل نسق الكلام ولا يظهر التباين في أجزاء النظام؛ فإن النفوس والمسامع إذا كانت متدرجة من فن من الكلام إلى فن مشابه له، ومنتقلة من معنى إلى معنى مناسب له، ثم انتقل بها من فن إلى فن مباين له من غير جامع بينهما وملائم بين طرفيهما وجدت النفس في طباعها نفورا من ذلك ونبت عنه، كانت بمنزلة المستمر على طريق سهل، بينا هو يسير فيه عفوا إذ تعرض له في طريقه ما ينقله من سهولة المسلك إلى حزونته ومن لينه إلى خشونته. وكذلك النفوس والأسماع إذا قرعها المديح بعد النسيب دفعة من غير توطئة لذلك، فإنها تستصعبه ولا تستسهله، وتجد نبوة ما في انتقالها إليها من غير احتيال وتلطف في ما يجمع بين حاشيتي الكلام ويصل بين طرفيه الوصل الذي يوجد للكلام به استواء والتئام.