قد تقدم الكلام في أن التخييل هو قوام المعاني الشعرية والإقناع هو قوام المعاني الخطابية. واستعمال الإقناعات في الأقاويل الشعرية سائغ، إذا كان ذلك على جهة الإلماع في الموضع بعد الموضع. كما أن التخاييل سائغ استعمالها في الأقاويل الخطابية في الموضع بعد الموضع. وإنما ساغ لكليهما أن يستعمل يسيرا فيما تتقوم به الأخرى، لأن الغرض في الصناعتين واحد، وهو إعمال الحيلة في إلقاء الكلام من النفوس بمحل القبول لتتأثر لمقتضاه. فكانت الصناعتان متؤاخيتين لأجل اتفاق المقصد والغرض فيهما. فلذلك ساغ للشاعر أن يخطب لكن في الأقل من كلامه، وللخطيب أن يشعر لكن في الأقل من كلامه.
١- إضاءة: ولما كانت النفوس تحب الافتنان في مذاهب الكلام، وترتاح للنقلة من بعض ذلك إلى بعض، ليتجدد نشاطها بتجدد الكلام عليها، وكانت معاونة الشيء على تحصيل الغاية المقصودة به بما يجدي في ذلك جدواه أدعى إلى تحصيلها من ترك المعاونة، كانت المراوحة بين المعاني الشعرية والمعاني الخطابية أعود براحة النفس، وأعون على تحصيل الغرض المقصود. فوجب أن يكون الشعر المراوح بين معانيه أفضل من الشعر الذي لا مراوحة فيه، وأن تكون الخطبة التي وقعت المراوحة بين معانيها أفضل من التي لا مراوحة فيها. ولتواخي الصناعتين وتداخل أقاويل كلتيهما على الأخرى قال القائل: (الطويل -ق- المتدارك)
وما الشعر إلا خطبة من مؤلف يجيء بحق أو يجيء بباطل
٢- تنوير: وينبغي أن تكون الأقاويل المقنعة، الواقعة في الشعر، تابعة لأقاويل مخيلة، مؤكدة لمعانيها، مناسبة لها في ما قصد بها من الأغراض، وأن تكون المخيلة هي العمدة. وكذلك الخطابة ينبغي أن تكون الأقاويل المخيلة الواقعة فيها تابعة لأقاويل مقنعة مناسبة لها مؤكدة لمعانيها، وأن تكون الأقاويل المقنعة هي العمدة.
[ ١١٥ ]