من أحسن ما أحفظ في عامة الرياحين قول ابن
[ ٣٢ ]
المعتز في مزدوجة ولا مزيد على حسنه:
أما ترى البستانَ كيف نَوَّرا
ونشرَ المنثورُ بُرْدًا أصفرا
وضحكَ الوردُ إلى الشقائقِ
واعتنقَ القطرَ اعتناقَ الوامق
في روضةٍ كحلَّةِ العروسِ
وخُرَّمٍ كهامةِ الطاووس
وياسمينِ في ذرى الأغصانِ
منتظمٍ كقطعِ المرجانِ
والسروُ مثلُ قضبِ الزبرجدِ
قد استَمدَّ الماءَ من تربٍ ندي
والسَّوسنُ الآزرُ منشورُ الحللْ
كَقُطَنٍ قد مَسَّه بعضُ البللْ
وحَلَق البهارُ فوقَ الآسِ
جمجمةً كهامةِ الشماسِ
وجلنارٌ مثلُ جمر الخَدِّ
أو مثلُ أعرافِ ديوكِ الهندِ
والأقحوانُ كالثنايا الغُرِّ
قد صُقِلَتْ أَنوارُه بالقطرِ
ومن الشعر المطرب في النرجس قول ابن طباطبا:
يا من يحاصرُ وجدَه في نفسِه ويحاذر الرقباءَ أن يتنفسا
زفراتُ همك قد أصابتْ فرصةً فخرجن لما أنْ شممنا النرجسا
[ ٣٣ ]
وقول أبي العلاء السروي:
حَيِّ الربيعَ فقد حيا بباكورِ من نرجسٍ ببهاءِ الحسنِ مذكورِ
كأنما جفنُه بالغنجِ مفتتحًا كأسٌ من التِّبرِ في منديل كافورِ
وقول جحظة البرمكي في الورد:
ألا فاسقنيها قهوةً بابليةً تحاكي شعاعَ الشمسِ بل هِيَ أفضلُ
فقد نطقَ الدراجُ بعد سكوتِه ووافى كتابُ الورد أني مقبلُ
وقول أبي سعيد الأصفهاني:
الوردُ في حللٍ وحَلي لم يَرُحْ في مثلِها إلا الكَعابُ الرودُ
والوردُ فيه كأنما أوراقهُ نُزِعَتْ ورُدّ مكانَهن خدودُ
وقول السري:
لو رحَّبتْ كأسٌ بذي زورةٍ لرحَّبتْ بالوردِ إذْ زارها
جاءَ فخلناهُ بدورًا بدتْ مُضرِمةً من خجلٍ نارَها
[ ٣٤ ]
وعَطَّرَ الدنيا وطابتْ به لا عدمتْ دنياهُ عطَّارهَا
وقول ابن حجاج ولا غاية لإِطرابه:
جنى من البستانِ لي وردةً أحسنَ من إنجازهِ وعدي
فقال والخمرة في كأسها بكفه أذكى من النِد
اشربْ هنيئًا لك يا عاشقي ريقيَ مِنْ كَفّي على خَدِّي
ومن أحسن ما قاله ابن المعتز:
سقيًا لأرضٍ إذا ما نمتُ نبهني بعد الهدوِّ بها صوتُ النواقيسِ
كأن سوسَنها في كل شارقةٍ على الميادين أذنابُ الطواويسِ
وقول أبي الفرج الببغاء:
زمنُ الوردِ أشرفُ الأزمانِ وأوانُ الربيعِ خيرُ أوانِ
أظرفُ الزهرِ جاء في أظرفِ الدهرِ فَصِلْ فيه أظرفَ الإِخوان
واندبِ الوردَ وابكه بدموعٍ من دموعِ الأقداحِ لا الأجفانِ
وقول ابن سكرة:
للورد عندي مَحَلُّ لأنه لا يُمَلُّ
كُلُّ الرياحينِ جندٌ وهْوَ الأميرُ الأجَلُّ
[ ٣٥ ]
إن زارَ عَزّوا وتاهوا حَتّى إذا غابَ ذَلُّوا
ومن أشبه ما قيل في تشبيه الورد قول الخالدي:
يا شبيهَ البدرِ حسنًا وضياءً ومِثالًا
وشبيهَ الغصن لينًا وقوامًا واعتدالًا
أنتَ مثلُ الورد لونًا ونسيمًا ودَلالا
زارنا حتّى إذا ما سَرَّنا بالقربِ زالا
ومن أحسن ما قيل في الشقائق قول بعض بني حمدان:
شقيقةٌ شَقَّتْ على وردها ما التبستْ من بهجةِ الصبغِ
كأنها وحسنَها جبهةٌ يلوحُ فيها طرفُ الصدغِ
ومن أحسن ما قيل في الشراب قول ابن لنكك:
قد شربنا على شقائقِ روضٍ شربتْ عبرةَ السحابِ السكوبِ
صُبِغَتْ من دمِ القلوبِ فما تُبْصَرُ إلا تعلقتْ بالقلوبِ
وقول عبد الله بن أحمد النحوي البلدي:
هاتِ المدامة يا شقيقي نشربْ على روضِ الشقيقِ
كأسَ العقيقِ نديرُها ما بين كاساتِ العقيقِ
[ ٣٦ ]
ومن أحسن ما قيل في الآذريون قول ابن المعتز:
سقيًا لأيامٍ لنا وللعصورِ الخاليَهْ
ما بين روضاتٍ لنا من كلِّ حُسنٍ حاليَهْ
كأنما أزهارُها من ماءِ وردٍ جاريَهْ
كأن آذريونَها تحتَ السماءِ الصافيَهْ
مداهنٌ منْ عسجدٍ فيها بقايا غاليَهْ
وقال في النرجس:
ظللنا بملهى خيرِ يومٍ وليلةٍ تدورُ علينا الكأسُ مَعْ فتيةٍ زُهْرِ
لدى نرجسٍ غَضٍّ وسروٍ كأنه قدودُ جوارٍ رحنَ في أُزُرٍ خُضْرِ
وما أحسن قول الصنوبري في النيلوفر:
حبذا يومُ أحمدِ بين روح ومنجدِ
وخليجٍ مزردِ وحمامٍ مغرِّدِ
كُلَّنا باسطُ اليد نحو نيلوفرٍ ندي
[ ٣٧ ]
كدنانيرِ عسجدِ نِصفُها منْ زبرجدِ
وأظرف منه ما وجدته بخط الأمير أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي في كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ملحقًا بشعر الخباز البلدي. وأنشدني أبو المحاسن الرئيس ابن أبي سعيد الحوالي له في النيلوفر:
تحبُّ الشمس لا تبغي سواها وتلحظُها بمقلةِ مستهامِ
إذا غربتْ تكنَّفها اشتياقٌ فنامتْ كي تراها في المنامِ
ومن أحسن ما سمعته في باقة ريحان قول بعض الكتاب:
وباقةِ ريحانٍ كعقد زبرجدٍ حوتْ منظرًا للناظرينَ أنيقا
إذا شمها المعشوقُ خلتَ اخضرارَها ووجنَته فيروزجًا وعقيقا