السحاب والمطر نظمًا ونثرًا
إذا لبست الجو جلبابها، فلتلبس الأحباب أحبابها. إذا انحل عقد السماءِ، فلينتظم عقد الندماء. إذا انقطع ساريات الغمام، فليتصل أحوال المدام. قد استعار السحاب، أكف الجواد، وجفون العشاق. سحاب يحكي المحب انسكاب دموعه، والتهاب النار بين
[ ٢٩ ]
ضلوعه.
ومن أحسن ملح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلى أخيه يستدعيه:
أما ترى اليومَ قد رقتْ حواشيهِ وقد دعاك إلى اللذاتِ داعيهِ
وجاد بالقطرِ حتى خلتَ أن له إلفًا نآهُ فما ينفكُّ يبكيهِ
فاركبْ إلينا ولا تبطىءْ فتقلقَنا حتى توفيَ ما كنا نُوَفِّيه
ومن مطربات الكلام قول كشاجم:
غيمٌ أتانا مؤذنٌ بخفضِ
كالجيشِ يتلو بعضَه ببعض
يضحكُ من برقٍ خفيِّ النبضِ
كالكفِّ في انبساطِها والقبضِ
دنَا فخلناهُ دوينَ الأرضِ
إلفًا إلى إلفٍ بِسِرٍّ يُفضي
ثم مضى كاللؤلؤ المرفَضِّ
وقول السّرّي:
ساريةٌ في غَسَقِ الظلامِ
دانيةٌ من قللِ الآكامِ
جاءت مجيءَ الجحفلِ اللهامِ
واقتربتْ كالإِبلِ السوامِ
كأنها والبرقُ في ابتسامِ
ثم بكتْ بكاءَ مستهامِ
[ ٣٠ ]
فبشرتْ بسابغِ الإنعامِ
وثروةٍ تحكم في الأعدامِ
كتيبةً مُذْهبةُ الأعلامِ
دنتْ من الأرضِ بلا احتشامِ
ولله در ابن المعتز في قوله:
ومزنةٍ جادَ من أجفانِها المطرُ فالروضُ منتظمٌ والوردُ منتثرُ
ترى مواقعَه في الأرض لائحةً مثلَ الدراهمِ تبدو ثم تَسْتَتِرُ
ما زال يلطمُ خدَّ الأرض وابلُها حتى وقتْ خَدَّها الغدرانُ والخُضَرُ
فصل