سُئِلَ: لم صَار النَّاس يكلبون أَيَّام الغلاء على الطَّعَام، وَيزِيد جوعهم على الْعَادة فِي الرُّخص؟ قَالَ: لأَنهم بَنو الأَرْض، فَإِذا قحطت قحطوا وَإِذا أخصبت أخصبوا.
[ ١ / ٢٤١ ]
وشكا إِلَيْهِ رجل جَاره، فَقَالَ: اصبر عَلَيْهِ، فَقَالَ: ينسبنى النَّاس إِلَى الذلّ فَقَالَ: إِنَّمَا الذَّلِيل من ظلم، إِنَّمَا الذَّلِيل من ظلم. وَقَالَ ﵀: أَرْبَعَة أَشْيَاء الْقَلِيل مِنْهَا كثير: النَّار، والعداوة، والفقر، وَالْمَرَض. وَسُئِلَ: لم سميت الْكَعْبَة الْبَيْت الْعَتِيق؟ قَالَ: لِأَن الله أعْتقهَا من الطوفان يَوْم الْغَرق. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور: إنّى قد عزمت على أَن أخرب الْمَدِينَة، وَلَا أدع بهَا نافخ ضرمة، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَا أجد بدًّا من النّصاحة لَك، فأقبلها إِن شِئْت أَولا. قَالَ: إِنَّه قد مضى لَك ثَلَاثَة أسلاف؛ أَيُّوب ابتلى فَصَبر، وسلمان أعْطى فَشكر، ويوسف قدر فغفر، فاقتد بِأَيِّهِمْ شِئْت، قَالَ: قد غفرت. وروى أَنه قَالَ - وَقد قيل بِحَضْرَتِهِ: جاور ملكا أَو بحرًا -: هَذَا كلامٌ محَال، وَالصَّوَاب: لاتجاور ملكا أَو بحرا؛ لِأَن الْملك بؤذيك وَالْبَحْر لايرويك. وَسُئِلَ عَن فَضِيلَة لأمير الْمُؤمنِينَ علىٍّ - ﵁ - لم يشركهُ فِيهَا غَيره، فَقَالَ: فضل الْأَقْرَبين بِالسَّبقِ، وَفضل الأبعدين بِالْقَرَابَةِ. وَعنهُ ﵁: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم " تيجان السّور. وَقَالَ ﵁: صُحْبَة عشْرين يَوْمًا قرَابَة. وقف أهل الْمَدِينَة وَأهل مَكَّة بِبَاب أَبى جَعْفَر؛ فَأذن الرّبيع لأهل مَكَّة قبل أهل الْمَدِينَة، فَقَالَ جَعْفَر: عشّ وَالله طَار خِيَاره، وبقى شرارة. وَقيل لَهُ: لم حرّم الله الرِّبَا؟ قَالَ: لِئَلَّا يتمانع النَّاس الْمَعْرُوف
[ ١ / ٢٤٢ ]
وَقيل لَهُ: إِن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور لَا يلبس مُنْذُ صَارَت إِلَيْهِ الْخلَافَة إِلَّا الخشن، وَلَا يَأْكُل إِلَّا الجشب، فَقَالَ: لم يَا ويحه؟ مَعَ مَا قد مكن الله لَهُ من السُّلْطَان وجبى إِلَيْهِ من الْأَمْوَال، فَقيل لَهُ: إِنَّمَا يفعل ذَلِك بخلا وجمعًا، فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي حرمه من دُنْيَاهُ؛ مَا لَهُ ترك دينه؟ . لما قَالَ الْحَكِيم بن عَيَّاش الكلبى: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلةٍ وَلم أر مهديًاّ على الْجذع يصلب وقستم بعثمان عليًاّ سفاهةً وَعُثْمَان خيرٌ من علىٍّ وَأطيب بلغ قَوْله أَبَا عبد الله - ﵁ - فَرفع يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء وهما ترعشان، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ عنْدك كَاذِبًا فَسلط عَلَيْهِ كلبك، فيعثه بَنو أُميَّة إِلَى الْكُوفَة فافترسه الْأسد، واتصل خَبره بالصادق - ﵁ - فَخر لله سَاجِدا ثمَّ قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أنجزنا مَا وعدنا. وَقَالَ لأبي ولاد الْكَاهِلِي: أَرَأَيْت عمي زيدا؟ قَالَ: نعم، رَأَيْته مصلوبًا وَرَأَيْت النَّاس فِيهِ بَين شامتٍ حنق، وَبَين محزونٍ محترقٍ؛ فَقَالَ: أما الباكي فمعه فِي الْجنَّة، وَأما الشامت فشريكٌ فِي دَمه. وَقَالَ: إِذا أَقبلت الدُّنْيَا على الْمَرْء أَعطَتْهُ محَاسِن غَيره، وَإِذا أَدْبَرت عَنهُ سلبته محَاسِن نَفسه. وَمر بِهِ رجل وَهُوَ يتغذى فَلم يسلم، فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَام، فَقيل لَهُ: السّنة أَن يسلم ثمَّ يدعى، وَقد ترك السَّلَام على عمدٍ، فَقَالَ: هَذَا فقهٌ عراقيٌ فِيهِ بخل. وَقَالَ: الْقُرْآن ظَاهره أنيقٌ وباطنه عميقٌ. وَقَالَ: من أنصف من نَفسه رَضِي حكما لغيره. وَقَالَ: أكْرمُوا الْخبز؛ فَإِن الله تَعَالَى أنزل لَهُ كَرَامَة. قيل: وَمَا كرامته.
[ ١ / ٢٤٣ ]
قَالَ: أَلا يقطع وَلَا يُوطأ، وَإِذا حضر لم ينْتَظر بِهِ غَيره. وَقَالَ: حفظ الرجل أَخَاهُ بعد وَفَاته فِي تركته كرم. وَقَالَ: مَا من شيءٍ أسر إِلَى من يدٍ أتبعتها الْأُخْرَى؛ لِأَن منع الْأَوَاخِر يقطع لِسَان شكر الْأَوَائِل. وَقَالَ: إِنِّي لأملق فأتاجر الله بِالصَّدَقَةِ. وَقَالَ: لَا يزَال الْعِزّ قلقًا حَتَّى يَأْتِي دَارا قد استشعر أَهلهَا الْيَأْس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس فيوطنها. وَقَالَ: إِذا دخلت إِلَى منزل أَخِيك فاقبل الْكَرَامَة كلهَا مَا خلا الْجُلُوس فِي الصَّدْر. وَقَالَ: كَفَّارَة عمل السُّلْطَان الْإِحْسَان إِلَى الإخوان. واشتكى مرّة فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أدبًا لَا غَضبا. وَقَالَ: الْبَنَات حَسَنَات والبنون نعمٌ. والحسنات يثابٌ عَلَيْهَا، وَالنعَم مسئولٌ عَنْهَا، وَقَالَ: إياك وسقطة الاسترسال فَإِنَّهَا لَا تستقال. وَسُئِلَ: مَا طعم المَاء؟ فَقَالَ: طعم الْحَيَاة. وَقَالَ: إِنِّي لأسارع فِي حَاجَة عدوي خوفًا أَن أرده فيستغني عني. وَكَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنَّك بِمَا أَنْت أهلٌ لَهُ من الْعَفو أولى مني بِمَا أَنا أهلٌ لَهُ من الْعقُوبَة. وَقَالَ: من أكرمك فَأكْرمه، وَمن استخف بك فَأكْرم نَفسك عَنهُ. وَأَتَاهُ أَعْرَابِي - وَقيل بل أَتَى أَبَاهُ الباقر ﵄ - فَقَالَ: أَرَأَيْت الله حِين عبدته؟ فَقَالَ: مَا كنت لأعبد شَيْئا لم أره. قَالَ: كَيفَ رَأَيْته؟ قَالَ: لم تره الْأَبْصَار مُشَاهدَة العيان، وَلَكِن رَأَتْهُ الْقُلُوب بحقائق الْإِيمَان، لَا يدْرك بالحواس، وَلَا يُقَاس بِالنَّاسِ، مَعْرُوف بِالْآيَاتِ منعوتٌ بالعلامات. هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. فَقَالَ الْأَعرَابِي: الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وَقَالَ: لَا يكون الْمَعْرُوف مَعْرُوفا إِلَّا باستصغاره وتعجيله وكتمانه. وَقَالَ: يهْلك الله سِتا بست؛ الْأُمَرَاء بالجور، وَالْعرب بالعصبية، والدهاقين بِالْكبرِ، والتجار بالخيانة، وَأهل الرستاق بالجهلن والفهاء بِالْحَسَدِ. وَقَالَ: المسترسل موقى والمحترس ملقى. وَقَالَ: منع الْمَوْجُود سوء ظن بالمعبود. وَقَالَ: صلَة الْأَرْحَام منسأة فِي الْأَعْمَار، وَحسن الْجوَار عمارةٌ للديار، وَصدقَة السِّرّ مثراةٌ لِلْمَالِ. وَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَر: أَلا تعذرني من عبد الله بن حسن وَولده، سبثون الدعاة، ويثيرون الْفِتْنَة. قَالَ: قد عرفت الْأَمر بيني وَبينهمْ، وَإِن أقنعك مني آيَة من كتاب الله تلوتها عَلَيْك، قَالَ: هَات. قَالَ: " لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم وَلَئِن قوتلوا لَا ينصرونهم وَلَئِن نصروهم ليولن الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ ". قَالَ: كفاني بَين عَيْنَيْهِ. وَقَالَ لرجل: أحدث سفرا يحدث الله لَك مِنْهُ رزقا، والزم مَا عودت مِنْهُ الْخَيْر. وَقَالَ: دَعَا الله النَّاس فِي الدُّنْيَا بآبائهم ليتعارفوا وَفِي الْآخِرَة باعمالهم ليجازوا، فَقَالَ: " يَا أَيهَا الَّذين ءامنوا " " ياأيها الَّذين كفرُوا ". وَقَالَ: من أيقظ فتْنَة فَهُوَ أكلهَا. وَقَالَ: إِن عِيَال الرجل أسراؤه، فَمن أنعم الله عَلَيْهِ نعْمَة فليوسع على أسرائه، فَإِن لم يفعل أوشك أَن تَزُول تِلْكَ النِّعْمَة. وَكَانَ يَقُول: السريرة إِذا أصلحت قويت الْعَلَانِيَة. وَقَالَ: مَا يصنع العَبْد أَن يظْهر حسنا وَيسر سَيِّئًا. أَلَيْسَ يرجع إِلَى نَفسه فَيعلم أَن لَيْسَ كَذَلِك، وَالله ﷿ يَقُول: " بل الْإِنْسَان على نَفسه بصيرةٌ ".
[ ١ / ٢٤٥ ]
وَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة: يَا أَبَا عبد الله، مَا أصبرك علىالصلاة! فَقَالَ: يَا نعما، أما علمت أَن الصَّلَاة قرْبَان كل تَقِيّ، وَأَن الْحَج جِهَاد كل ضعيفٍ، وَلكُل شيءٍ زكاةٌ، وَزَكَاة الْبدن الصيان، وَأفضل الْأَعْمَال انْتِظَار الْفرج من الله، والداعي بِلَا عملٍ كالرامي بِلَا وترٍ، فاحفظ هَذِه الْكَلِمَات: يَا نعْمَان، استنزلوا الرزق بِالصَّدَقَةِ، وحصنوا الْأَمْوَال بِالزَّكَاةِ، وَمَا عَال امْرُؤ اقتصد، وَالتَّقْدِير نصف العيس، والتؤدة نصف الْعقل، والهم نصف الْهَرم، وَقلة الْعِيَال أحد اليسارين، وَمن أَحْزَن وَالِديهِ فقد عقهما، وَمن ضرب بيدَيْهِ على فَخذيهِ عِنْد الْمُصِيبَة أحبط أجره، والصنيعة لَا تكون صَنِيعَة إِلَّا عِنْد ذى حسبٍ ودينٍ، وَالله ينزل الرزق على قدر المئونة، وَينزل الصَّبْر على قدر الْمُصِيبَة، وَمن أَيقَن بالخلف جاد بِالْعَطِيَّةِ، وَلَو أَرَادَ الله بالنملة خيرا مَا أنبت لَهَا جناحين. وَقيل لَهُ: مَا بلغ من حبك لمُوسَى؟ قَالَ: وددت أَن لَيْسَ لي ولدٌ غَيره كَيْلا يشركهُ فِي حبي أحد. وَقَالَ: ثَلَاثَة أَقسَام بِاللَّه إِنَّهَا لحق، مَا نقص مالٌ من صدقةٍ وَلَا زَكَاة، وَلَا ظلم أحدٌ بظلامةٍ فَقدر أَن يُكَافِئ بهَا وكظمها إِلَّا أبدله الله مَكَانهَا عزا، وَلَا فتح عبدٌ على نَفسه بَاب مسألةٍ إِلَّا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقرٍ. وَقَالَ: ثلاثةٌ لَا يزِيد الله الْمَرْء الْمُسلم بهَا إِلَّا عزا: الصفح عَمَّن ظلمه، والإعطاء لمن حرمه، والصلة لمن قطعه.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وَقَالَ: الطبائع أَربع: البلغم وَهُوَ خصمٌ جدلٌ، إِن سددته من جانبٍ انفجر من جَانب؛ وَالرِّيح وَهُوَ ملكٌ يدارى، وَالدَّم وَهُوَ عبدٌ، وَرُبمَا قتل العَبْد سَيّده، والمرة - وهيهات - تلكم الرض إِذا رجفت رجف ماعليها. وَقَالَ: من الْيَقِين أَلا ترْضى النَّاس بِمَا يسْخط الله، وَلَا تذمهم على مَا لم يؤتك الله، وَلَا تحمدهم على رزق الله، فَإِن الرزق لَا يَسُوقهُ حرص حريصٍن وَلَا يصرفهُ كره كارهٍ؛ وَلَو أَن أحدكُم فر من رزقه كَمَا يفر من الْمَوْت لأدركه الرزق كَمَا يُدْرِكهُ الْمَوْت. وَقَالَ: مُرُوءَة الرجل فِي نَفسه نسبٌ لعقبه وقبيلته. وَقَالَ: من صدق لِسَانه زكا عمله، وَمن حسنت نِيَّته زيد فِي رزقه، وَمن حسن بره بِأَهْل بَيته زيد فِي عمره. وَقَالَ: خُذ من حسن الظَّن بطرفٍ تروح بِهِ قَلْبك وتروج بِهِ أَمرك. وَقَالَ: الْمُؤمن الَّذِي إِذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه عَن حق، وَإِذا رضى لم يدْخلهُ رِضَاهُ فِي باطلٍ، ولاذي إِذا قدر لم يَأْخُذ أَكثر مِمَّا لَهُ.