لما ولاه أَبُو بكر وعزله عمر قَالَ: إِن أَبَا بكر ولدنَا فرق لنا رقة الْوَالِد، وَإِن عمر ولدناه فعقنا عقوق الْوَلَد. وَقَالَ فِي مَرضه: لقد لقِيت كَذَا وَكَذَا زحفًا، وَمَا فِي جَسَدِي مَوضِع شبر إِلَّا وَفِيه ضَرْبَة أَو طعنة أَو رمية، ثمَّ هاأنذا أَمُوت على فِرَاشِي حتف أنفي كَمَا يَمُوت العير، فَلَا نَامَتْ أعين الْجُبَنَاء! وخطب النَّاس فَقَالَ: إِن عمر استعملني على الشَّام وَهُوَ لَهُ مُهِمّ، فَلَمَّا ألْقى الشَّام بوانيه وَصَارَ بثنية وَعَسَلًا عزلني، وَاسْتعْمل غَيْرِي. فَقَالَ رجل: هَذَا وَالله هُوَ الْفِتْنَة. قَالَ خَالِد: أما وَابْن الْخطاب حَيّ فَلَا، وَلَكِن ذَاك إِذا كَانَ النَّاس بِذِي بلّيّ وَذي بلّي. وَانْصَرف عَمْرو بن الْعَاصِ من الْحَبَشَة يُرِيد سَوَّلَ الله ﷺ فَلَقِيَهُ خَالِد وَهُوَ مقبل من مَكَّة، فَقَالَ: أَيْن يَا أَبَا سُلَيْمَان؟ فَقَالَ: وَالله لقد استقام المنسم، وَإِن الرجل لنَبِيّ. أذهب فَأسلم. وَكَانَ بَينه وَبَين عبد الرَّحْمَن كَلَام، فَقَالَ خَالِد: أتستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بهَا؟ . وَقَالَ: كَانَ بيني وَبَين عمار بعض مَا يكون بَين النَّاس، فعدمته، فَشَكَانِي إِلَى رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: من يبغض عمارًا يبغضه الله. وَلما بُويِعَ أَبُو بكر قَامَ خَالِد بن الْوَلِيد خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّا رمينَا فِي بَدْء هَذَا الْأَمر بِأَمْر ثقل علينا حمله، وصعب علينا مرتقاه، ثمَّ مَا لبثنا أَن خفّ علينا
[ ٢ / ٧٩ ]
محمله، وذل لنا مصعبه، وعجبنا مِمَّن شكّ فِيهِ، بعد أَن عجبنا مِمَّن آمن بِهِ، وَمَا سبقنَا إِلَيْهِ بالعقول وَلكنه التَّوْفِيق. أَلا وَإِن الْوَحْي لم يَنْقَطِع حَتَّى أكمل، وَلم يذهب النَّبِي ﷺ حَتَّى أعذر، فلسنا نَنْتَظِر بعد النَّبِي نَبيا، وَلَا بعد الْوَحْي وَحيا وَنحن الْيَوْم أَكثر منا أمس، وَنحن أمس خير منا الْيَوْم. من دخل هَذَا الدّين كَانَ من ثَوَابه على حسب عمله، وَمن تَركه رددناه إِلَيْهِ. إِنَّه وَالله مَا صَاحب هَذَا الْأَمر بالمسؤول عَنهُ، وَلَا متخلف فِيهِ، وَلَا الْخَفي الشَّخْص وَلَا المغموز الْقَنَاة. وَكَانَ خَالِد يَقُول: مَا لَيْلَة أسر إليّ من لَيْلَة تهدى إليّ فِيهَا عروس إِلَّا لَيْلَة أغدو فِي صبيحتها إِلَى قتال عَدو. قَامَ أَبُو بكر خَطِيبًا يحض على الْجِهَاد فتثاقل النَّاس عَنهُ، فَقَامَ عمر فَقَالَ: " لَو كَانَ عرضا قَرِيبا وسفرًا قَاصِدا لاتبعوك " فَقَامَ خَالِد، وَيُقَال: بل كَانَ خَالِد بن سعيد، وَهُوَ أشبه، فَقَالَ: ألنا تضرب أَمْثَال الْمُنَافِقين يَا عمر؟ وَالله لقد أسلمت وَإِن لبني عدي صنمًا من تمر إِذا جَاعُوا أكلوه، وَإِذا شَبِعُوا استأنفوه. وَكَانَ خَالِد بن سعيد قديم الْإِسْلَام والصحبة. غزا مَنْظُور بن زبان، مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد ايام الرِّدَّة، فَقتل مَنْظُور رجلا وَقَالَ: بؤ بورد بن حُذَيْفَة، فَقَالَ لَهُ خَالِد: اغضب لله يَا مَنْظُور، فَقَالَ: حَتَّى أقضى حزابة فِي نَفسِي.