نظر إِلَى سَائل يبكى، فَقَالَ: لَو أنّ الدُّنْيَا فِي يَد هَذَا، ثمَّ سَقَطت مِنْهُ مَا كَانَ ينبغى أَن يبكى عَلَيْهَا.
[ ١ / ٢٣١ ]
وَسُئِلَ ﵁: لم أوتم النبى - ﷺ - من أَبَوَيْهِ؟ قَالَ: لِئَلَّا يُوجب عَلَيْهِ حقّ لمخلوقٍ. وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآن: يأيّها الَّذين آمنُوا، إِلَّا وَهِي فِي التَّوْرَاة: يأيّها الْمَسَاكِين. وَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بنى. إياك ومعاداة الرِّجَال، فَإِنَّهُ لن يعدمك مكر حَلِيم، أَو مفاجأة لئيمٍ. وَكَانَ ﵁ إِذا تَوَضَّأ للصَّلَاة احمرّ واصفرّ وتلوّن ألوانًا، فَإِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رجفت أضلاعه؛ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك؛ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ بَين يَدي من أَنا قَائِم؟ . وَسقط ابْن لَهُ فِي بِئْر، فَفَزعَ أهل الْمَدِينَة لذَلِك حَتَّى أَخْرجُوهُ - وَكَانَ قَائِما يصلّى، فَمَا زَالَ عَن محرابه - فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: مَا شَعرت، إنى كنت أناجى ربّا عَظِيما. وَكَانَ لَهُ ابْن عَم يَأْتِيهِ بِاللَّيْلِ متنكرا، فيناوله شَيْئا " من الدَّنَانِير، فَيَقُول: لَكِن عَليّ بن الْحُسَيْن مايصلني، لَا جزاه الله عني خيرا، فَيسمع ذَلِك فيحتمله، ويصبر عَلَيْهِ وليعررفه نَفسه، فَلَمَّا ماتى عَليّ رضيى الله عَنهُ فقدها، فحينئذِ علما أَنه هُوَ كَانَ، فجَاء إِلَى قَبره وَبكى عَلَيْهِ. وَكَانَ يُقَال لَهُ ابْن الخيرتين، لقَوْل رَسُول الله ﷺ: " إِن لله من عباده خيرنين؛ فخيرته من الْعَرَب قُرَيْش وَمن الْعَجم فَارس "، وَكَانَت امهِ ابْنة كسْرَى. وبلغه عَلَيْهِ الرَّحْمَة - قَول نَافِع بن جُبَير فِي مُعَاوِيَة حَيْثُ قَالَ: كَانَ يسكته الْحلم، وينطقه الْعلم، فَقَالَ: كذب، بل كَانَ يسكته الْحصْر، وينطقه البطر.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وَقيل لَهُ: من أعظم النَّاس خطرًاِ؟ قَالَ: من لم ير الدُّنْيَا خطرًا لنَفسِهِ. وتزوجة امة لَهُ اعتقها، فلامه عبد الْملك بن مَرْوَان على ذَلِك وَكتب اليه: اما بعد فانه قد بَلغنِي عنكا انكا اعتقتا امتك وتزوجتها وَقد كَانَ لَك فِي اكفائك من قُرَيْش ماتستكرم بِهِ فِي الصهر وتستنجد بِهِ فِي الْوَلَد، فَلم تنظر لنَفسك ولالولدك ونكحت فِي اللؤم. فَكتب اليه. اما بعد فني اعتقتها بِكِتَاب الله، وارتجعتها بِسنة رَسُول الله ﷺ وانه وَالله مافوق رَسُول الله مرتقى لأحد فِي مجد ان الله قد رفع بِالْإِسْلَامِ الخسيسة، وَأتم النقيصة وَأكْرم بِهِ من اللؤم فَلَا عَار على مُسلم. هَذَا رَسُول الله - ﷺ - قد تزوج امته وَامْرَأَة عَبده. فَقَالَ عبد الْملك: إِن على بن الْحُسَيْن يشرف من حَيْثُ يتضع النَّاس وروى لنا الصاحب - رَحْمَة الله - عَن أَبى محمدالجعفرى عَن أَبِيه عَن عَمه عَن جَعْفَر قَالَ: رجل لعلى بن الْحُسَيْن: مَا أَشد بغض قُرَيْش لأَبِيك! قَالَ لِأَنَّهُ اورد اولهم النَّار وألزم اخرهم الْعَار. قَالَ: ثمَّ جرى ذكر المعاصى فَقَالَ: أعجب لمن يحتمى من الطَّعَام لمضرته وليحتمى من الذَّنب لمعرته. وَقيل لَهُ: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: أَصْبَحْنَا خَائِفين برَسُول الله، وَأصْبح جَمِيع أهل الْإِسْلَام آمِنين بِهِ. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: لما وَجه يزِيد بن مُعَاوِيَة عسكره لاستجابة أهل الْمَدِينَة ضم على بن الْحُسَيْن - ﵁ - أَرْبَعمِائَة منا فِيمَن يعلونه إِلَى أَن يعلوهن إِلَى أَن انقرض جَيش مُسلم بنة عقبَة، فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ: مَا عِشْت وَالله بَين أبوى بِمثل ذَلِك التتريف. وَقد حكى عَنهُ مثل ذَلِك عِنْد إِخْرَاج ابْن الزبير ابْن أُميَّة من الْحجاز. كتب الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى صَالح بن عبد الله المرى عَامله على الْمَدِينَة: أبرز الْحسن بن الْحسن بن عَليّ - وَكَانَ مَحْبُوسًا - فَاضْرِبْهُ فِي مَسْجِد
[ ١ / ٢٣٣ ]
رَسُول الله ﷺ - خَمْسمِائَة سَوط. فَأخْرجهُ إِلَى الْمَسْجِد، وَاجْتمعَ النَّاس وَصعد صالحٌ ليقْرَأ عَلَيْهِم الْكتاب ثمَّ ينزل فيأمر بضربه، فبنا هُوَ يقْرَأ الْكتاب إِذْ جَاءَ عَليّ بن الْحُسَيْن - ﵁ - فأفرج لَهُ النَّاس حَتَّى انْتهى إِلَى الْحسن، فَقَالَ: يَا بن عَم، مَالك؟ ادْع الله بِدُعَاء الكرب يفرج الله عَنْك، فَقَالَ: مَا هُوَ يَا بن عَم؟ قَالَ: قل لَا إِنَّه إِلَّا الله الْعلي الْعَظِيم، سُبْحَانَ رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين. قَالَ: وَانْصَرف عَليّ بن الْحُسَيْن، وَأَقْبل الْحسن يكررها، فَلَمَّا فرغ صالحٌ من قِرَاءَة الْكتاب وَنزل، قَالَ: أرى سجنه. رجلٌ مظلومٌ، أخروا أمره وَأَنا أراجع أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أمره؛ فأخروه ثمَّ أطلق بعد أَيَّام. قَالَ عَليّ - ﵁ - وَقد قيل لَهُ: مَا بالك إِذا سَافَرت كتمت نسبك أهل الرّفْقَة؟ قَالَ: أكره أَن آخذ برَسُول الله ﷺ - ملا أعْطى مثله. قَالَ رجل لرجل من آل الزبير كلَاما أقذع فِيهِ، فَأَعْرض الزبيرِي عَنهُ وَلم يجبهُ، ثمَّ دَار كلامٌ، فسب الزبيرِي على بن الْحسن - ﵁ - فَأَعْرض عَنهُ وَلم يجبهُ، فَقَالَ لَهُ الزبيرِي: مَا يمنعك من جوابي؟ قَالَ عَليّ: مَا يمنعك من جَوَاب الرجل. وَمَات لَهُ ابنٌ فَلم ير مِنْهُ جزعٌ، فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: أمرٌ كُنَّا نتوقعه، فَلَمَّا وَقع لم ننكره. قَالَ طَاوس: رَأَيْت رجلا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تَحت الْمِيزَاب وَيَدْعُو ويبكي فِي دعئه، فتبعته حِين فرغ من صلَاته، فَإِذا هُوَ على بن الْحُسَيْن ﵄، فَقلت لَهُ: يَا بن رَسُول الله، رَأَيْتُك على حَالَة كَذَا، وَلَك ثلاثةٌ أَرْجُو أَن تؤمنك من الْخَوْف أَحدهمَا: أَنَّك ابْن رَسُول الله ﷺ، وَالثَّانيَِة شَفَاعَة جدك، وَالثَّالِثَة رَحْمَة الله. فَقَالَ: يَا طَاوس؛ أما أَنِّي ابْن رَسُول الله
[ ١ / ٢٣٤ ]
ﷺ - فَلَا تؤمنني، وَقد سَمِعت الله يَقُول: " فَلَا أَنْسَاب بَينهم يومئذٍ " وَأما شَفَاعَة جدي فَلَا تؤمنني؛ لِأَن الله يَقُول: " وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى ". وَأما رَحْمَة الله، فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: إِنَّهَا " قريبٌ من الْمُحْسِنِينَ " وَلَا أعلم أَنِّي محسنٌ. وَسمع ﵁ رجلا كَانَ يَغْشَاهُ يذكر رجلا بسوءٍ، فَقَالَ: إياك والغيبة؛ فَإِنَّهَا إدام كلاب النَّاس. وَقَالَ: الْكَرِيم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بِملكه. وَقَالَ: كل عينٍ ساهرة يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا ثَلَاثًا: عين سهرت فِي سَبِيل الله وَعين غضت عَن محارم الله، وعينٌ فاضت من خشيَة الله.