بِحَمْد الله نستفتح أقوالنا وأعمالنا، وبذكره نستنجح طلباتنا وآمالنا، إِيَّاه نستخير وبعدله نستجير، وبحبله نعتصم، ولأمره نستسلم وَإِلَيْهِ نجأر، وفضله نشكر، وعفوه نرجو، وسطوه نرهب، وعقابه نخشى، وثوابه نأمل، وإياه نستعين، عَلَيْهِ نتوكل، وبنبيه مُحَمَّد ﷺ نتوسل. لَهُ الْحَمد على مواهبه الَّتِي لَا نحصيها عددا، وَلَا نَعْرِف لَهَا أمدًا، حمدًا نبلغ بِهِ رِضَاهُ، ونستدر بِهِ نعماه. وَله الشُّكْر على منائحه الَّتِي أولاها ابْتِدَاء، ووعد على شكرها جَزَاء، شكرا نبلغ بِهِ من جهدنا عذرا، ونرتهن بِهِ ذخْرا وَأَجرا، ونستديم بِهِ من نعْمَة الرَّاتِب الرَّاهِن، ونستدنى بِهِ الشاحط الشاطن، ونستجر بِهِ وعده بالمزيد، " وَمَا رَبك بظلامٍ للعبيد " اللَّهُمَّ كَمَا علمتنا بالقلم، وأنطقتنا بالسان الْأَفْصَح، وأريتنا لفم الطَّرِيق الأوضح، وهديتنا لصراطك الْمُسْتَقيم، وفقهتنا فِي الدّين، وعلمتنا من تأولي الْأَحَادِيث، فأوزعنا إِن نطلب الزلفى لديك، بِالْحَمْد لَك وَالثنَاء عَلَيْك، ووفقنا لارتباط آلَائِكَ بشكرها، وأعذنا من أَن يحل عقالها بكفرها، وأيدينا بأيدك، وأجرنا من كيدك، وسددنا لقَضَاء حَقك وَأَدَاء فرضك، وشكر نِعْمَتك، وَلُزُوم محجتك، والتزام حجتك، والاستضاءة بنورك الَّذِي لَا يضل من جعله معلما لدينِهِ، وعلمًا يتلقاه بِيَمِينِهِ. اللَّهُمَّ أَنْت المأمول، وعدلك الْمَأْمُون، وفضلك المرجو. بإحسانك الملاذ، وَبِك من سخطك العياذ. أعوذ بك من الخطل فِي
[ ١ / ٢١ ]
القَوْل، كَمَا أعوذ بك من الْخَطَإِ فِي الْعَمَل. أعوذ بك من زلل اللِّسَان والقلم كَمَا أعوذ بك من ذلل الْقدَم، وَأَعُوذ بك من النُّطْق الفاضح، كَمَا أعوذ بك من العي الفادح. فَاجْعَلْ نطقنا ثَنَاء على عزتك، وصمتًا فكرًا فِي قدرتك. وجنبنا فِي جَمِيع أحوالنا ومختلفات أقوالنا وأفعالنا مَا نستجلب بِهِ غضبك، ونحتقب بِهِ الشّرك بك، تَشْبِيها لَك بخلقك وتصويرًا وتظليما لَك فِي فعلك، وتجويرا وعدولا فِي دينك عَن الجدد، وتنكبا للسنن الأرشد، الَّذِي هدَانَا إِلَيْهِ نبيّك مُحَمَّد ﷺ، بوحيك الَّذِي أوحيته إِلَيْهِ، وكلامك الَّذِي أنزلته عَلَيْهِ، مبلغا لرسالتك، نَادِيًا إِلَى عبادتك، صادعا بِالدُّعَاءِ إِلَى توحيدك، مُعْلنا بتعظيمك وتمجيدك. ناصحًا لأمته وعبيدك. صلى الله عَلَيْهِ صلاتًا نامية زاكية وَسلم سَلاما طيبا كثيرا وعَلى أَصْحَابه وَأهل بَيته الَّذين أذهب عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِير. وَبعد فَإِنِّي رَأَيْتُك - أمتع الله بأدبك، وأمتع الْأَدَب وَأَهله بك - حِين سَمِعت بالمجموع الْكَبِير الَّذِي سميته " نزهة الأديب، ظننتني قصدت بِهِ قصد من يؤلف كتابا، فيصنفه أصنافًا ويبوبه أبوابًا، حَتَّى يتَمَيَّز فِيهِ النشر عَن النّظم، وَالْجد عَن الْهزْل، والسمين عَن الغث، والبارع عَن الرذل، وتكثر فِيهِ الأشكال والنظائر، وتتشابه مِنْهُ الْأَوَائِل والأواخر، وَلم تعلم أَنه جرى مجْرى التَّعْلِيق، الَّذِي يحتوي على الْجَلِيل والدقيق، ويقرن بَين الْقَرِيب والسحيق، وَيكون كَاتبه كحاطب اللَّيْل يجمع نبعا وقتادا، وجارف السَّيْل يجمل مَنَافِع وأزبادا، وَيكون قارئه كغائص الْبَحْر يغوص مرّة على الدرة الثمينة، وَأُخْرَى على الصدفة المهينة، حَتَّى يخرج من الْجد الشريف إِلَى المزح السخيف، وَمن الجذل البديع إِلَى الْهزْل الشنيع، وَمن فصيح الْمقَال إِلَى العى الْمحَال وَمن الموعظة الَّتِي تدنى إِلَى الرب إِلَى النادرة الَّتِي تغرى بالذنب. وَرَأَيْت ميلك من جَمِيع ذَلِك إِلَى
[ ١ / ٢٢ ]
الْكَلَام الموجز، وَاللَّفْظ الْمُخْتَصر، واليسير المستغرب، والنادر المستطرف دون الْكثير المبتذل، والشائع المشتهر، وَإِلَى الْخطب الْقصار دون الإسهاب والإكثار، وَإِلَى القرحة الواقفة من النثر دون الْغرَّة السائلة من الشّعْر، وتصورت إيثارك لِأَن يجمع كل شكل إِلَى شكله، ويقرن كل فصل إِلَى مثله حَتَّى يَأْخُذ بعض الْكَلَام برقاب كُله، ويتسق آخر الْبَاب على أَوله، فصنفت لَك هَذَا الْكتاب محتذيا لتمثيلك، مهتديا بدليلك. واقتصرت فِيمَا أوردته فِيهِ على الْفقر الفصيحة، والنوادر المليحة، والمواعظ الرقيقة، والألفاظ الرشيقة. . وأخليته من الْأَشْعَار، وَمن الْأَخْبَار الطوَال الَّتِي تجْرِي مجْرى الْأَسْمَاء. وسميته " نثر الدّرّ ". فَلَا يعثر فِيهِ من النّظم إِلَّا بِالْبَيْتِ الشارد، والمصراع الْوَاحِد الَّذِي يرد فِي أدراج الْكَلَام يتم بِهِ مقطعه، وأثناء خطاب يحسن مِنْهُ موقعه. وَهُوَ كتاب ينْتَفع بِهِ الأديب الْمُتَقَدّم، كَمَا ينْتَفع بِهِ الشادي المتعلم، ويأنس بِهِ الزَّاهِد المتنسك، كَمَا يأنس بِهِ الخليع المتهتك، وَيحْتَاج إِلَيْهِ الْملك فِي سياسة ممالكه، كَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمَمْلُوك فِي خدمَة مَالِكه، وَهُوَ نعم العون لِلْكَاتِبِ فِي رسائله وَكتبه، وللخطيب فِي محاوراته وخطبه، وللواعظ فِي إنذاره وتحذيره، وللقاضي فِي إذكاره وتبصيره، وللزاهد فِي قناعته وتسليه، وللمتبتل فِي نزاهته وتخليه. فَأَما النديم فَغير مستغنٍ عَنهُ فِي مسامرة رئيسه، وَأما الملهى فمضطر إِلَيْهِ عِنْد مضاحكته وتأنيسه. وَقد جعلته سَبْعَة فُصُول، يشْتَمل كل فصل على أَبْوَاب يتشابه مَا فِيهَا، وتتقارب مَعَانِيهَا، وَذكرت أَبْوَاب الْفُصُول فِي أوائلها، ليقرب الْأَمر فِيهِ على متناولها. الْفَصْل الأول وَهَذَا هُوَ " الْفَصْل الأول ". ويشتمل على خَمْسَة أَبْوَاب. الْبَاب الأول: يشْتَمل على آيَات من كتاب الله ﷿ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه، بِأَلْفَاظ متشابهة، ونظائر متشاكلة، يحْتَاج الْكَاتِب إِلَيْهَا ليوشح بهَا كَلَامه، ويزين برونقها أَلْفَاظه، وَيحسن بإيرادها - فِي أثْنَاء كتبه ومقاطع فصوله - بلاغته، بل يسد بجمالها خلته، ويتمم بكمالها
[ ١ / ٢٣ ]
نقيصته، فَيخرج الْكَلَام عَن أَن يكون مخدجا بِلَا نظام، وأبتر عَن غير تَمام، وكالفتى العطل من حلية الْأَدَب، أَو كالفتاة العاطل من حلى الذَّهَب. فَقدما سميت الْخطْبَة الَّتِي تَخْلُو من آيَات الْقُرْآن بتراء، ولقبت - وَإِن كَانَت رشيقة - شوهاء، وَلَا غنى عَنْهَا فِيمَا ينشأ من الْفتُوح والعهود، والمواثيق والعقود، وَكتب الْأمان وَالْإِيمَان، وَسَائِر مَا يعبر بِهِ عَن السُّلْطَان من الْأَمر بالتقوى وَالطَّاعَة، وَإِقَامَة الصَّلَوَات وَحفظ الْجَمَاعَة، واستنزال النَّصْر عِنْد الْجِهَاد، وسد الثغور بِالْعدَدِ والأعداد، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، والتسوية فِي الحكم بَين الْأَقْوَى والأضعف، والأكبر والأصغر، وَقِسْمَة الصَّدقَات والمغانم، وتوخى الْعدْل وَاجْتنَاب الْمَظَالِم، وَمَا يجانس هَذِه الْأُمُور مِمَّا يَجعله الْكَاتِب وصلَة لكَلَامه، والخطيب توصلا إِلَى أقْصَى مرامه، والواعظ إذكارا للناسي، والقاصي استلانة للقلب القاسي، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، وَمن عِنْده الْعِصْمَة، وَعَلِيهِ التكلان، وَإِلَيْهِ الْمَهْرَب والملجأ. الْبَاب الثَّانِي: يشْتَمل على أَلْفَاظ لرَسُول الله ﷺ موجزة فصيحة، وأغراض فِي تَأْدِيب الْخلف وإرشادهم صَحِيحَة، ينْتَفع بهَا الْإِنْسَان فِي معاشه ومعاده، ويستضيء بهَا عِنْد إصداره وإيراده، إِذْ كَانَت أفْصح الْكَلَام بعد الْقُرْآن الْعَظِيم، وأهداه إِلَى الطَّرِيق الْمُسْتَقيم، لقَوْله ﷺ: " أَنا أفْصح الْعَرَب بيد أَنى من قُرَيْش " الْبَاب الثَّالِث: يشْتَمل على نكت من كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇، إِذْ كَانَ صنو كَلَام الرَّسُول ﷺ وتلوه، يقتفى أَثَره، ويحذو حذوه، من ضوئه اقتبس، وَمن نوئه استمطر، وَمن سنائه استمد، وَمن سمائه استنزل، فِيهِ اقْتِدَاؤُهُ واهتداؤه، وَإِلَيْهِ انتماؤه واعتزاؤه. الْبَاب الرَّابِع: يشْتَمل على نكت من كَلَام الْأَئِمَّة من وَلَده ﵃، والأشراف من أهل بَيته الَّذين هم سلالة النُّبُوَّة، وصفوة الْخلق، وأولو
[ ١ / ٢٤ ]
الْأَمر وأرباب الْحق. فيهم محط الرسَالَة، ومقر الْإِمَامَة، ومهبط الْوَحْي، ومقتبس الْعلم، ومنار الْإِسْلَام، ومعلم الدّين، وشعار الْإِيمَان. الْبَاب الْخَامِس: يشْتَمل على نكت من كَلَام سادة بني هَاشم الَّذين هم عصبَة الرَّسُول ﵇، وَأولى الْخلق بِمد أَوْلَاده بِهِ، والمشاركون لَهُ فِي شرف منصبه، وكرم منتسبه، سوى مَا يخص بخلفائهم، فَإِن ذَلِك يُورد فِي بَاب يخْتَص بِهِ ويفرد لذكره. وَسَنذكر عِنْد ابتدائنا بِكُل فصل من فُصُول الْكتاب، تَرْجَمَة مَا يحتوي عَلَيْهِ من الْأَبْوَاب - بعون الله.
[ ١ / ٢٥ ]
صفحة فارغة
[ ١ / ٢٦ ]