أكثر العلماء والأدباء والشعراء من وصف العيد، وما يجري فيه، وتعددت مذاهبهم في ذلك
_________________
(١) . «سبل السلام» (٢/ ٥٠٢).
(٢) . «شرح صحيح مسلم» للنووي (٦/ ١٨٥)
[ ٩ ]
والعيد معنى جميل في يوم، وليس اليوم ذاته مجردًا، بدليل أن عيد الفطر قد يختلف من بلد إلى بلد حسب الرؤية. و«الفطر يوم يفطر الناس». (١)
قال الرافعي - ﵀ -: «العيد هو المعنى الذي يكون في اليوم، لا اليوم نفسه». (٢)
وقال الطنطاوي - ﵀ -: «العيد في حقيقته عيد القلب، فإن لم تملأ القلوبَ المسرَّةُ، ولم يترعها الرضا، ولم تعمها الفرحة، كان العيد مجرد رقم على التقويم». (٣)
فالقصد في العيد مع مشاعر الفرح: تنقية النفوس مما اعتراها من الكدر، والعلاقات وما تلبس بها من القذى والقطيعة، «فنَقَاءُ الضمائر، وسيادة الوحدة في الصف والجمع الإسلامي؛ من أعظم أهداف المظهر
_________________
(١) . من أجمل الكتب عن العيد، رسالة جامعية مطبوعة بعنوان: «الأعياد وأثرها على المسلمين» د. سليمان بن سالم السحيمي، ط. عمادة البحث العلمي في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، مجلد فيه (٥٥٠ صفحة)، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.
(٢) . «وحي القلم» (١/ ٦٤).
(٣) . «صور وخواطر» (ص ٣٦٤).
[ ١٠ ]
الإسلامي الذي تجلى به العيد». (١)» ومن أراد معرفة أخلاق الأمم فليراقبها في أعيادها؛ إذْ تنطلق السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقتها؛ والمجتمع السعيد هو الذي تسمو أخلاقه الاجتماعية في العيد إلى أعلى ذروة». (٢)
تَعرف المجتمعَ بعِيدها واجتماعاتها، «فأعياد الأمم هي الأيام التي تستعلن فيها خصائص الشعوب وذخائرها وأخلاقها الأدبية والعقلية والنفسية والسياسية، هي الأيام المبتهجة التي تنبض بالحياة وأسبابها في الأمة » (٣)
قال الرافعي: يومُ العيد، زمن قصير ضاحك، هو يوم السلام والبِشر والضحك والوفاء والإخاء، وقول الإنسان: وأنتم بخير
يومُ الزينة، يوم تقديم الحلوى إلى كلَّ فمٍ لتحلوَ الكلماتُ فيه
يومٌ تعُمُّ فيه الناسَ ألفاظُ الدعاء والتهنئةِ مرتفعةً، فوقَ منازَعاتِ
_________________
(١) . «الموزون والمخزون» لأبي تراب (ص ٢٠٥).
(٢) . «أخلاقنا الاجتماعية» للسباعي (ص ١٧١).
(٣) . «جمهرة مقالات محمود شاكر» (١/ ١٤٩).
[ ١١ ]
الحياة (١)
وقال الرافعي أيضًا: ليس العيدُ للأمة إلا يومًا تعرض فيه جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يومَ الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ألسنة الجميع
وقال:
ليسَ العيدُ إلا تعليمَ الأمَّةِ كيف تتَّسع روحُ الجِوار وتَمتَدُّ، حتى يرجع البلدُ العظيمُ وكأنَّه لأهلهِ دارٌ واحدةٌ، يتَحقَّقُ فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلةُ الإخلاصِ مُستعلنةً للجميع، ويُهدِي الناسُ بعضُهم إلى بعض هدايا القلوبِ المخلصةِ المحبة، وكأنما العيدُ هو إطلاقُ رُوح الأسرةِ الواحدةِ في الأمَّةِ كُلِّها.
وقال:
وليس العيدُ إلا التقاءَ الكبارِ والصغارِ في معنى الفرح بالحياة الناجِحَةِ المتقدِّمَةِ في طريقها، وتَرْكَ الصغارِ يُلقون درسَهم الطبيعيِّ في حماسة الفرح والبَهجة، ويُعلِّمون كبارَهم كيف تُوضَع المعاني في بعض
_________________
(١) . «وحي القلم» - ط. دار القلم - (١/ ٥٩) - بتصرف ـ.
[ ١٢ ]
الألفاظ التي فَرَغَتْ عندهم من معانيها، ويُبصِّرونهم كيف ينبغي أنْ تعملَ الصفاتُ الإنسانية في الجموعِ عملَ الحليفِ لحلِيفِهِ، لَا عمَلَ المنَابِذ لمنَابِذِه؛ فالعيدُ يومُ تسلُّطِ العنصرِ الحَيِّ عَلى نَفْسِيَّةِ الشَّعْبِ. (١)
وقال علي الطنطاوي: (تمر الأيام متتابعة متشابهة لايكاد يختلف يوم منها عن يوم، ثم يأتي العيد فتراه يومًا ليس كالأيام، وترى نهاره أجمل، وتحس بالمتعة أطول، وتبصر شمسه أضوأ، وتجد ليله أهنأ. وما اختلفت في الحقيقة الأيام ذاتها، ولكن اختلف نظرنا إليها؛ نسينا في العيد متاعبنا فاسرحنا، وأبعدنا عنا آلامنا فهنئنا، وابتسمنا للناس وللحياة فابتسمت لنا الحياة والناس، وقلنا لمن نلقى أطيب القول: «كل عام وأنتم بخير» فقال لنا أطيب القول: «كل عام وأنتم بخير». في الحاشية علَّقَ بقوله: إن لم يكن بد من هذا التعبير فاحذفوا واو «وأنتم» قولوا: «كلَّ عام أنتم بخير»). (٢)
وبالمناسبة: صدرت رسالة في عام ١٤٣١ هـ بعنوان «رسالة في
_________________
(١) . «وحي القلم» - ط. دار القلم - (١/ ٦٤ - ٦٥).
(٢) . «مع الناس» للطنطاوي (ص ٢٦١).
[ ١٣ ]
كل عام وأنتم بخير متضمنة مسائل نادرة في النحو والتصريف والبلاغة وأصولهن» للأستاذ المبدع النحوي الأديب: فيصل المنصور (غلاف ٩٦ صفحة). وقد انتهى إلى أن أبلغ الجُمَل: «كُلُّ عامٍ وأنتم بخير». وذكر جواز: «كلُّ عامٍ أنتم بخير» بدون الواو، و«كلَّ عامٍ وأنتم بخير» بنصب كلَّ .
وخطّأَ: «كلَّ عامٍ أنتم بخير» بنصب كل، وبدون الواو
وذكر أنَّ أبلغ العبارات هي الأولى؛ لثلاثة أوجهٍ ذكرها في (ص ٧٠).
وأقولُ: أفضلُ التهاني على الإطلاق: (تقبل الله منا ومنكم)؛ لأمرين:
١. لأنها تهنئة ودعاء، بخلاف الأولى فهي تهنئة مجردة.
٢. ولأنها تهنئة صحابة رسول الله - ﷺ - فيما بينهم - ﵃ -.
فابدأ بها، وارغب في إجابة دعوة من دعا لك بها، وأضف عليها - إن شئت - ما تعارف عليه الناس من «كلُّ عام وأنتم بخير» وغيرها من الجُمَل دون تكَلُّف وشقشقة.
[ ١٤ ]
ندب العيد! ! !
كبار السن - في كل جيل - يظنون أن العيد قد تغيَّر، والحقيقة أن غالب التغير من قِبَل أنفسهم ! !
وكأنهم انحدوا من بيت المتنبي:
عيد بأية حالٍ عدت يا عيد * بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد. (١)
كنت أظن أن العيد عند الأجداد أفضل من العيد في هذه الأيام: «عيد الرسائل النصية» و«النت» والتهنئة ب «الواتساب» و«تويتر» و «الفيسبوك»، و«الانستجرام» و«سناب شات»، والتصاميم الجاهزة «صورة» مذيَّلَةً باسم المرسِل، فيرسلها برسالة جماعية في «الواتساب» بضغطة زرٍّ واحدة، فتصل الجميع هكذا ساذجة باردة وهو يظن أنه أحسن صنعًا، أندى بها المشاعر، وقوَّى العلائق، وأدَّى صلة العيد! !
وبما أن الواتساب مجاني ميسور، لا تجد منه طيلة السنة (٣٦٠ يومًا) إلا هذه التميمة التي هي بالعقيقة أقرب.
_________________
(١) «اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي» للمعري (ص ٤٢١).
[ ١٥ ]
كنتُ أظن ذاك، وإذا بالكتبة الكبار (وبعضهم في زمن الأجداد) يتحدثون عن فقدان طعم العيد، ولم يكن قد بلغتهم ملهيات زماننا هذا