ويُسمّى التفويف والترصيعُ في اللغةِ التركيب، ومنه تاجٌ مرصعٌ بالجوهرِ، وسيفٌ مرصّعٌ أي محلّى بالرصائِعِ، وهي حلَقٌ يُحلى بها، الواحدة رَصيعة، والبيت المرصَّعُ الذي تتتالى فيه القرائنُ كما يُرَصَّعُ التاجُ بالجوهرِ. ومن الترصيع في القرآن المجيد قولُه تعالى: " وما لَكم ألاّ تأكلوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه وقدْ فصّلَ لكم ما حُرِّمَ عليكم إلا ما اضطررتُم إليه "، وقولُه تعالى: " أو لَمْ يهْدِ للذينَ يرِثون الأرضَ من بعدِ أهلِها أن لو نشاء أصَبْناهُم بذنوبهم ونطْبَعُ على قلوبهم ". ومن حسَنِ الترصيع قول الخنساء:
الحمدُ خُلَّتُهُ، والجودُ عِلَّتُهُ، والصِدْقُ حوْزَتُه، إنْ قِرْنُهُ هابا
سدّادُ أوْهِبَةٍ، شهّادُ أندِيةٍ، قطّاعُ أوديةٍ، للوِتْرِ طَلاّبا
حمّالُ ألويةٍ، ضرّابُ أبنية، وَرّادُ مُسنيةٍ، في الحَرْبِ غَصّابا
سُمُّ العُداةِ، وفكّاكُ العُناةِ، إذا لاقى الوغَى لم يكُنْ للموت هُيّابا
الخيرُ يفعلهُ، والقولُ يَفْضُلُه، والمالُ يُنْهبُهُ في الحقِّ إنهابا
يهدي الرعيلَ إذا جارَ السبيلُ بهم نهْدُ التليلِ لزُرْقِ السُّمرِ ركّابا
وقالت أيضًا:
آبي الهَضيمة، حمّالُ العظيمةِ، متلافُ الكريمةِ، لا سِقْطٌ ولا وانِ
حامي الحقيقةِ، نسّالُ الوديقةِ، مِعْتاقُ الوسيقةِ، جَلْدٌ غيرُ ثُنْيانِ
هبّاطُ أوديةٍ، حمّالُ ألويةٍ شهّادُ أنديةٍ، سِرْحانُ فِتيانِ
وقالت أيضًا:
حَديدُ السِّنانِ، ذَليقُ اللّسانِ يُجازي المُقارِضَ أمثالَها
وقالت أيضًا:
حَمّالُ مُثقِلَةٍ، ركّابُ معضِلَةٍ وهّابُ مفضِلَةٍ، للعَظْمِ جبّارُ
وقالت أيضًا:
حامي الحقيقةِ، محمودُ الطريقة شلاّلُ الوَسيقةِ، نفاعٌ وضَرّارُ
وقال امرؤ القيس:
الماءُ مُنْهَمِرٌ، والشّدُّ مُنْحَدِرٌ والقُصْبُ مُضْطَمِرٌ، والمتْنُ ملْحوبُ
وقال زياد:
سُودٌ ذوائِبُها بيضٌ ترائِبُها دُرْمٌ مرافِقُها في خَلقِها غَمَمُ
فيه مع الترصيع طِباقٌ، وقال ذو الرّمّة:
بيضاءُ في دَعَجٍ صفراءُ في نَعَجٍ كأنّها فضّةٌ قد مسّها ذهَبُ
[ ٢١ ]
هذا بيت قد جمعَ المُطابَقةَ والترصيعَ والتشبيه.
وقال بَشامةُ النّهشَلي وتُروَى لغيره:
بيضٌ مفارِقُنا تَغْلي مراجِلُنا نأسُو بأموالِنا آثارَ أيدينا
رأيتُ بخطّ الشيخ أبي زكريا التبريزي كتابًا قد خرّجَ فيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب ما يُوفي على مِئَتي وجْهٍ في قوله بيضٌ مفارِقُنا حسْبُ، وقد شيّد بناء تلك المعاني بأشعار عربية وألفاظ مقبولة. وقال آخر:
طويلُ النِّجادِ، رفيعُ العِمادِ كثيرُ الرّمادِ، والليلُ قُرّ
وقال الحارثي:
ألمّتْ فحيّتْ ثمّ قامَت فودَّعتْ فلما تولّتْ كادتِ النفسُ تزْهَقُ
والترصيعُ في الشِّعرِ أكثرُ من عدَد القطْرِ. ومنه: