حكي: أن ثعلبًا كان يسمى ظالمًا وكان له جحر يأوي إليه وكان مسرورًا به لا يبتغي عنه بدلا فخرج منه يومًا يبتغي ما يأكل ثم رجع فوجد فيه حية فانتظر خروجها
[ ١٨٧ ]
فلم تخرج وعلم انها قد توطنت فيه وأنه لا سبيل إلى السكون معها فذهب يبتغي لنفسه جحرًا غيره فانتهى به النظر إلى جحر حسن الظاهر حصين الموضع في مكان خصيب ذي أشجار ملتفة وماء معين فأعجبه وسأل عنه فأخبر أنه لثعلب يسمى مفوضًا وأنه ورثه من أبيه فناداه ظالم فخرج إليه ورحب به وأدخله الجحر وسأله عما قصد له فقص عليه خبره وشكا إليه ما ناله فرق له مفوض ثم قال له إن من الهمة ان تقصر عن مطالبة عدوك وأن تستفرغ جهدك في ابتغاء دفعه فرب حيلة انفع من قبيلة والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي انتزع منك غصبًا حتى أطلع عليه فلعلي أهتدي إلى وجه الحيلة فيرجع إليك مسكنك فإن أصوب الرأي ما أُسس على الروّية، فانطلقا معا إلى ذلك الجحر فتأمله مفوض وأدرك غرضه منه، ثم أقبل على ظالم فقال له قد شاهدت من مسكنك ما فتح لي باب الحيلة في خلاصه فقال له
ظالم أطلعني على ما ظهر لك، فقال مفوض إن أضعف الرأي ما رسخ في البديهة ولكن انطلق معي لتبيت عندي ليلتي هذه لأنظر رأيي فيما ظهر لي ففعلا وبات مفوض مفكرًا في ذلك وجعل ظالم يتألم مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب تربته وحصانته وكثرة مرافقه ما اشتد إعجابه به وحرصه عليه وشرع بتدبير الحيلة في غصبه وطرد مفوض منه، فلما أصبحا قال مفوض لظالم إني رأيت ذلك الجحر بموضع بعيد من الشجر والماء فاصرف نفسك عنه وهلم أعنك على حفر مسكن قريب من جحري هذا فإن هذه الأرض خصبة متيسرة المرافق فقال له ظالم إن ذلك لا يمكنني لأن نفسي تهلك لبعد الوطن حنينًا ولا تملك لفقد المسكن سكونًا. فلما سمع مفوض مقالة ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له إني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطبًا ونربط منه حزمتين فإذا أقبل الليل انطلقت أنا إلى بعض هذه الخيام فأتيت بقبس نار واحتملنا الحطب والقبس وقصدنا مسكنك فجعلنا الحزمتين على بابه وأضرمناهما نارًا فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت الجحر أهلكها الدخان فقال ظالم نعم الرأي هذا فانطلقا فاحتطبا وربطا من الحطب حزمتين بقدر ما يطيقان حمله ولما جاء الليل وأقبل أوقد أهل الخيام النار انطلق مفوض ليأخذ قبسًا فعمد ظالم إلى إحدى الحزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه، ثم جر الحزمة الأخرى إلى باب مسكن مفوض ودخله وجذبها إليه فأدخلها في الباب
[ ١٨٨ ]
فسده بها وقدر في نفسه أن مفوضًا إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته ولأن بابه مسدود بالحطب سدًا محكمًا وأكثر ما يقدر عليه أن يحاصره فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى آخر وقد كان ظالم رأى منزل مفوض أطعمة كثيرة ادخرها مفوض لنفسه فعول ظالم على الاقتيات منها في مدة الحصار وأذهله الشره والحرص على البغي عن فساد هذا الرأي وأنه متعرض لمثل ما عزم عليه أن يفعلاه بالحية، ثم إن مفوضًا جاء بالقبس فلم يجد ظالمًا ولا وجد الحطب فظن أن ظالمًا قد احتمل الحزمتين معًا تخفيفًا منه وأنه ذهب بهما إلى الجحر الذي فيه الحية فظهر له من الرأي أن يترك النار ويسرع في المشي ليدركه ويساعده في حمل الحطب فألقى النار من يده ثم خشي أن يطفئها الريح فيحتاج إلى نار أخرى فأدخلها في باب الجحر ليسترها من الريح فأصابت الحطب فأضرمته نارًا واحترق ظالم في الجحر وحاق به مكره، فلما اطلع مفوض على أمر ظالم قال ما رأيت كالبغي سلاحًا أكثر عمله في محتمله، ثم صبر حتى
طفئت النار ودخل في جحره واستخرج جيفة ظالم فألقاها واستقرّ في مأواه وفوض أمره إلى مولاه.
أوصى علي كرم الله وجهه ابنه محمد فكان من وصيته له يا ني بئس الزاد للمعاد ظلم العباد، ولله در القائل:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم آخره يأتيك بالندم
نامت عيونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
وقال حكيم إذا كانت الإساءة طبعًا لم يملك لها إنسان دفعًا، يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، من كثر تعديه كثرت أعاديه، الظلم سالب للنعم والبغي جالب للنقم، شر الناس من ينصر الظالم ويخذل المظلوم، من طلب راحة نفسه اجتنب الآثام ومن طلب راحة بنيه رحم الأيتام، من سالم الناس ربح السلامة ومن تعدى عليهم اكتسب الندامة، قال بعض الفضلاء أربعة ترفع عنهم الرحمة إذا نزل بهم الكروه من كذب طبيبه فيما يصف له من دائه، ومن تعاطى ما لا يستقل بأعبائه، ومن أضاع ماله في لذاته، ومن قدم على ما حذر من آفاته، وقال آخر العالم يعرف الجاهل لأنه كان قبل علمه جاهلًا والجاهل لا يعرف العالم إذ لم يكن قبل جهله عالمًا، وقال حكيم رم ما شئت بالإنصاف وأنا زعيم لك بالظفر به، وقال الأحنف بن قيس السؤدد ترك الظلم والهبة قبل السؤال، وقال آخر اتخذ الناس أبًا وأخًا
[ ١٨٩ ]
وابنًا، ثم برّ اباك وصل اخاك وارحم ابنك، وسئل ذو القرنين أي شيء من مملكتك أنت فيه أكثر سرورًا فقال شيئان أحدهما العدل والثاني أن أكافئ من أحسن إليّ بأكثر من إحسانه. قال حكيم أحمق الناس من أنكر من غيره ما هو مقيم عليه، قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز ﵁ كيف ترى ما نحن فيه فقال عمر: سرور لولا أنه غرور وملك لولا أنه هلك ونعيم لولا انه عديم ومحمود لولا أنه مفقود، قال حكيم: الوضيع إذا ارتفع تكبر وإذا حكم تجبر، ليس العاقل من تخلص من مكروه وقع فيه بل العاقل من لا يوقع نفسه في أمر يحتاج إلى الخلاص منه، من قابل السيئة من عدوه بالحسنة فقد انتقم منه، قال أنوشروان ما استنجحت الأمور بمثل الصبر ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر، العدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة وحسن الخلق يوجب المؤدّة وسوء الخلق يوجب المباعدة، على الرعية الانقياد وعلى الأئكة
الاجتها، قال حكيم من حكماء الهند العدل في الرعية خير من كثرة الجنود، تاج الملك عفافه وحصنه إنصافه، وقال حكيم لا يطمع سيء الأدب في الشرف ولا الملك الجائر في بقاء الملك، العدل في الأقوال أن لا تخاطب الفاضل بخطاب المفضول ولا العالم بخطاب المجهول وأن تجعل لسانك في ميزان فتحفظه من رجحان ونقصان، وسئل حكيم عن المسيء فقال هو من لا يبالي أن يراه الناس مسيئًا وقال آخر الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غيره، من علامة الدولة قلة الغفلة، اصنع الخير عند إمكانه يبقى لك حمده بعد زوال زمانه، ولله درّ من قال:
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ونال من الدنيا سرورًا وأنعما
كبان بنى بنيانه وأتمه فلما استوى ما قد بناه تهدما
المرء ابن يومه فليتنبه من نومه. قال حكيم: مخالطة الأشرار من أعظم الأخطار من لم يلزم نفسه حقك لا تلزم نفسك حقه بعيد ممن أسقط حق نفسه أن يقوم بحق غيره. كن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته إذا كانت الأشياء غير دائمة ففيم السرور بها من أشرف الأخلاق صيانة النفس عن النفاق باللطف تقتنص الأسود ويحصل كل مقصود، قال النبي ﷺ (خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق)، وقال أيضًا (شيئان لا يجتمعان في بيت الغنى والزنا).
قال العباس بن محمد للرشيد يا أمير المؤمنين إنما هو درهمك وسيفك فازرع بذلك من شكرك واحصد بهذا من
[ ١٩٠ ]
كفرك، فقال الرشيد لم أجد للملك غير هذين، وأنشد يقول:
لم أر شيئًا صادقا نفعه للمرء كالدرهم والسيف
يقضى له الدرهم حاجاته والسيف يحميه من الحيف
قال المنصور لبعض أولاده خذ عني اثنين لا تقل بغير فكر ولا تعمل بغير تدبير.
قال ﷺ (ارحموا ثلاثة، عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما بين جهال)، قال المأمون الإخوان ثلاث طبقات، طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانًا وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدًا، ومرض علي بن عبيدة فعاده الجاحظ فقال له ما تشتهي يا أبا الحسن؟ فقال ثلاثة أشياء عيون الرقباء وألسن الوشاة وأكباد الحساد، قال حكيم ثلاثة تسر العين المرأة الموافقة والولد الأديب والأخ الودود، وثلاثة تكدر
العيش جار السوء والولد العاق والمرأة الخائنة، وثلاثة تمنع المرء عن طلب المعالي قصر الهمة وقلة الحيلة وضعف الرأي، وثلاثة تحصن الملك الرأفة والعدل والجود، وقال حكيم أربعة أشياء من أعظم البلاء كثرة العيال مع قلة المال، والجار السيئ الجوار، والمرأة التي ليس لها وقار، وصحبة الفجار، وقال أنوشروان أربعة أيام لأربعة أعمال يوم الغيم للصيد ويوم الريح للنوم ويوم المطر للمنادمة ويوم الصحو للكسب، وقال عبد الملك بن مروان أربع إذا ظفرت بها لا يضرك ما فاتك بعدها: حسن خلق وصدق حديث وعفاف نفس وحفظ أمانة، وقال آخر أربعة لا تشبع من أربع عين من نظر وأذن من خبر وأنثى من ذكر وأرض من مطر، وأربعة لا يثبت معها ملك غش الوزير وسوء التدبير وخبث النية وظلم الرعية، وأربعة لا تقدم عليها حتى تسأل الخبير بها، السوق لا تقدم عليه حتى تعلم النافق والكاسد والمرأة لا تخطبها حتى تسأل عن منصبها وخلقها والطريق لا تسلكها حتى تسأل عن أمنها وخوفها والبلدة لا تستوطنها حتى تسأل عن سيرة سلطانها وأخلاق أهلها وتجنب أربعة لتخلص من أربعة تجنب الحسد لتخلص من الحزن ولا تجالس خسيسًا لتسلم من الملامة ولا ترتكب المعاصي لتسلم من النار ولا تهتم بجمع المال لتسلم من معاداة الناس.