صحة المقابلات
وهي أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض، أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشرط شروطًا، ويعدد أحوالًا في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالف بأضداد ذلك، كما قال بعضهم:
فواعَجبًا كيف اتفقْنا فناصحٌ وفيٌّ، ومطويٌّ على الغلّ غادرُ
فقد أتى بإزاء كل ما وصفه من نفسه بما يضاده على الحقيقة ممن عاتبه، حيث قال بإزاء ناصح: مطوى على الغل وبإزاء وفي: غادر.
ومثل قول الآخر:
تقاصرنَ واحلولين لي ثمَّ إنهُ أتتْ بعدُ أيامٌ طوالٌ أمرتِ
فقابل القصر والحلاوة: بالطول والمرارة.
ومثله قول الآخر:
وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئبْ وإذا حديثٌ سرني لم آشرِ
فقد جعل بإزاء سرني: ساءني، وبإزاء الاكتئاب: الأشر، وهذه المعاني في غاية صحة التقابل، ومثل قول عقيل بن حجاج:
تستنُّ في حيثُ لمْ تبعدْ مصعدةً ولمْ تصوبْ إلى أدنَى مهاويها
فجعل بإزاء قوله: تبعد مصعدة: أدنى مهاويها، ولو جعل بإزاء الإبعاد في الصعود:
[ ٤٧ ]
الهوى، من غير أن يقول: أدنى المهاوي لكانت المقابلة ناقصة، لكن لما قال: تبعد قال: أدنى، ولو لم يقل: تبعد لقنع منه بأن يقول: تهوى فقط، من غير أن يأتي بالدنو.
وللطرماح بن حكيم:
أسرناهمْ وأنعمنَا عليهمْ وأسقيْنا دماءهمُ الترابَا
فما صبرُوا لبأسٍ عندَ حربٍ ولا أدوْا لحسنِ يدٍ ثوابَا
فجعل بإزاء أن أسقوا دماءهم التراب وقاتلوهم: أن يصبروا، وبإزاء أن أنعموا عليهم: أن يثيبوا، ولآخر:
جَزى الله عنَّا ذاتَ بعلٍ تصدقتْ على عزبٍ حتَّى يكونَ له أهلُ
فإنَّا سنجزيَها كما فعلتْ بنَا إذا ما تزوجنا وليسَ لها بعلُ
فقد أجاد هذا الشاعر، حيث وضع مقابل أن تكون المرأة ذات بعل، وهو لا زوج له: أن يكون ذا زوج في وقت عزب المرأة، وقابل حاجته وهو عزب: بحاجتها وهي عزبة، من غير أن يغادر شرطًا، ولا أن يزيد شيئًا.
ومن أنواع المعاني