يجب أن نذكر أولًا معنى التشبيه، ثم نشرع في وصفه، فنقول: إنه من الأمور المعلومة أن الشيء لا يشبه ولا بغيره من كل الجهات، إذ كان الشيئان إذا تشابها من جميع الوجوه ولم يقع بينهما تغاير البتة اتحدا، فصار
[ ٣٦ ]
الاثنان واحدًا، فبقي أن يكون التشبيه إنما يقع بين شيئين بينهما اشتراك في معان تعمهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه بصفتها، وإذا كان الأمر كذلك، فأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد.
ومما جاء من التشبيهات الحسان قول يزيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل قراه اللبن:
فعبَّ دخالًا جرعُه متواترٌ كوقْع السحابِ بالطراف الممددِ
فهذا المشبه نما شبه صوت الجرع بصوت المطر على الخباء الذي من أدم، ومن جودته أنه لما كانت الأصوات تختلف، وكان اختلافها إنما هو بحسب الأجسام التي تحدث الأصوات اصطكاكها، فليس يدفع أ، اللبن وعصب المرئ اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت الجرع قريب الشبه من الأديم الموتر والماء اللذين حدث عن اصطكاكهما صوت المطر.
وعند سلوك هذه السبيل في تعرف جودة التشبيه يستجاد قول جبهاء الأشجعي في تشبيه صوت حلب عنز بصوت الكير إذا نفخ:
كأنَّ أجيجَ الكيرِ إرزامُ شخبها إذا امتاحهَا في محلبِ الحيِّ مائحُ
وقد قال أوس بن حجر يشبه ارتفاع أصواتهم في الحرب تارة، وهمودها وانقطاعها تارة، بصوت التي تجاهد أمر الولادة:
لنا صرخةٌ ثم إسكاتةٌ كما طرقتْ بنفاسٍ بكرْ
ولم يرد المشتبه في هذا الموضع نفس الصوت، وإنما أراد حاله في أزمان مقاطع الصرخات، وإذا نظر في ذلك وجد السبب الذي وفق بين الصوتين واحدًا، وهو مجاهدة المشقة والاستعانة على الألم بالتمديد في الصرخة.
ومن جيد التشبيه قول الشماخ يذكر لواذ الثعلب من العقاب:
تلوذُ ثعالبُ الشرفينِ منها كما لاذ الغريمُ من التبِيع
وقد يختلف اللوذان بحسب اختلاف اللائذين، فأما التبيع فهو ملح في طلب الغريم لفائدة يرومها منه، والغريم بحسب ذلك مجتهد في الروغان واللواذ خوفًا من
[ ٣٧ ]
مكروه يلحقه، وكذلك الثعلب والعقاب سواء، لأن العقاب ترجو شبعها، والثعلب يخاف موته.
وقال الشماخ:
كأنَّ على أوراكِها من لُعابه وخيفةَ خطمىٍّ بماءِ مرجرجِ
فشبه لعاب الفحل إذا ظهر على أوراك الأتن عند كدمه إياها بالخطمى، وهو شبيه به في قوام الثخن وفي الرغوة وفي اللون أيضًا، وذلك أن الحمار إنما يكثر كدمه الأتن في الربيع عند خضمه الرطب وأشره في ذلك الوقت.
وقد أحسن الشماخ أيضًا في قوله حين شبه أضلاع الناقة وبرى السير إياها بالقسي الموترة:
وقربتُ مبراةً كأنَّ ضلوعَها من الماسخياتِ القسيِّ الموتَّرا
فقد أحسن الشماخ في هذا التشبيه من قبل اجتماع الأضلاع والقسي الموترة في الشكل والتوتر بالأعصاب والأوتار، ولم يرد إلا الشكل فقط، وقد أتى على ما فيه.
ولابن أحمر الباهلي يذكر قلب الفرس عند الحركة السريعة:
حتَّى صبحْنا طاوِيًا ذا شرةٍ وفؤادُه زجلٌ كعزف الهدهدِ
فتواتر نبض قلب الفرس إذا تحرك قريب الشبه من تواتر حركة عزف الهدهد.
وللمرار:
لها قلاصُ نعامٍ يرتعين بها كأنهنَّ سبيٌّ لابسُو الهدمِ
فما أحسن ما شبه انسدال فواضل ريش النعام بانسدال الأطمار الرثة على اللابس لها، ولا سيما السبي، فإن في مشيهم أعجمية تشبه مشي النعام، وفي ألوان ثيابهم قتمة من الدرن تشبه قتمة ريش النعام، ففي الشيئين اشتراك في معان كثيرة.
وقد يقع في التشبيه تصرف إلى وجوه تستحسن، فمنها: أن تجمع تشبيهات كثيرة في بيت واحد وألفاظ يسيرة، كما قال امرؤ القيس:
له أيطَلا ظبيٍ وساقًا نعامةٍ وإرخاءُ سرحانِ وتقريبُ تتفلِ
فأتى بأربعة أشياء مشبهة بأربعة أشياء، وذلك أن مخرج قوله: له أيطلا ظبي، إنما هو على أن له أيطلين كأيطلي ظبي، وكذا ساقين كساقي نعامة، وإرخاء
[ ٣٨ ]
كإرخاء السرحان، وتقريب كتقريب التنفل.
ومنها: أن يشبه شيء بأشياء في بيت أو لفظ قصير، وذلك كما قال امرؤ القيس:
وتَعْطو برخصٍ غيرِ شثنِ كأنَّه أساريعُ ظبيٍ أو مساويكُ إسحلِ
ومنها: أن يشبه شيء في تصرف أحواله بأشياء تشبهه في تلك الأحوال، كما قال امرؤ القيس يصف الدرع في حال طيها:
ومشدودةَ السكِّ موضونةً تضاءلُ في الطيِّ كالمبردِ
ثم وصفها في حال النشر في هذه الأبيات فقال:
تفيضُ على المرءِ أردانُها كفيضِ الآتيِّ على الجدجدِ
وكما قال يزيد بن الطثرية يشبه رأسه في حال كون الجمة عليه وبعد حلق ثور أخيه إياها:
فأصبحَ رأسِي كالصخيرةِ أشرفتْ علَيها عقابٌ ثم طارتُ عقابُها
فقد أحسن يزيد في هذا البيت، حيث تصرف فيه في التشبيه، وأحسن أيضًا في تشبيه رأسه بعد الحلق بالصخرة، وذلك أنه قريب منها في الضخامة والملامسة واللون المائل إلى الخضرة.
وقد قال بعضهم في مثل ذلك:
جلاميدُ أملاءُ الأكفِّ كأنَّها رؤوسُ رجالٍ حلقتْ في المواسمِ
وقال الحسين بن مطير الأسدي، يشبه أفعال رجل مات وكان جوادًا:
فتىً عيشَ في معروفِه بعدَ موتِه كما كانَ بعدَ السيْل مجرَاه مرتَعا