أن تكون عذبة الحرف سلسة المخرج، وأن يقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها، فإن الفحول المجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك ولا يكادون يعدلون عنه، وربما صرعوا أبياتًا أخر من القصيدة بعد البيت الأول، وذلك يكون من اقتدار الشاعر وسعة بحره.
وأكثر من كان يستعمل ذلك امرؤ القيس، لمحله من الشعر فمنه قوله:
قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ بِسقْطِ اللَّوَى بَيْنَ الدَّخُولٍ فَحَوْمَلِ
ثم أتى بعد هذا البيت بأبيات، فقال:
أفَاطِمَ مَهْلًا بَعْضَ هذَا التَّدَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صُرْمِى فأَجْمَلِي
ثم أتى بأبيات بعد هذا البيت، فقال:
ألا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحِ وَمَا الإصباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
وقال في قصيدة أخرى أولها:
ألاَ أَنْعَمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي وَهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كَان في العُصُرِ الْخَالِي
[ ١٤ ]
وقال بعد بيتين من هذا البيت:
دِيَارٌ لِسَلْمَى عَافِيَاتٌ بذِي خَالٍ أَلَحَّ عَلَيْهَا كُلُّ أَسْحَمَ هَطَّالِ
ثم قال بعد أبيات أخر:
أَلا إِنَّني بَالِ عَلَى جَمَلٍ بَالي يَقُودُ بِنَا بَالٍ وَيَتْبَعُنَا بَالِ
وقال في قصيدة أخرى أولها:
غَشِيتُ دِيَارَ الْحَيِّ بالبَكَرَاتِ فَعَارِمَةِ فَبُرْقَةِ العِيرَاتِ
وأتى بيتين، ثم قال:
أعْنِّى عَلَى التَّهْمَامِ والذِّكِرَاتِ يَبِتْنَ عَلَى ذِي الهَمِّ مُعْتَكِرَاتِ
وقال في قصيدة أخرى أولها:
عَيْنَاكَ دَمْعُهُمَا سِجَالُ كَأَنَّ شَأْنَيْهِمَا أَوْشالُ
وقال بعد أبيات من هذا البيت:
قُلُوبَ خِزّانِ ذي أَوْرَالِ قُوتًا كَمَا يُرْزَقُ الْعِيَالُ
وقد سلك هذا السبيل غير امرئ القيس شعراء كثيرون، فمنهم أوس قال في قصيدة أولها:
وَدِّعْ لَمِيسَ وَدَاعَ الصَّارِمِ اللاحي قَدْ فَتَكَتْ فِي فَسَادٍ بَعْدَ إِصْلاحِ
ثم أتى بأبيات وقال:
إني أَرِقْتُ ولَم تأْرقْ مَعِي صَاحِ لِمُسْتَكِفٍّ بَعِيدِ النَّومِ لَوَّاحِ
ومنهم مرقش قال في قصيدة أولها:
أَمِنْ رَسْمِ دَارٍ مَاءُ عَيْنَيْكَ يَسْفَحُ غَدَا مِنْ مُقَامٍ أَهْلُهُ وَتَرَوَّحُوا
ثم أتى ببيت وقال:
أَمِنْ بنتِ عَجْلانَ الْخَيَالُ الْمُطَرَّحُ أَلَمَّ ورَحْلِي سَاقِطٌ مُتَزَحْزِحُ
وقال حسان بن ثابت من قصيدة أولها:
ألم تَسْأَل الرَّبْعَ الْجَدِيدَ التَكَلُّمَا بِمَدْفَعِ أشداَخ ٍفبُرْقَةِ أظلَمَا
وقال البيت التالي لهذا:
أبَى رسمُ دارِ الحيِّ أنْ يتكلمَا وهلْ ينطقُ المعروفَ من كانَ أبكَمَا
[ ١٥ ]
وقال الشماخ قصيدة أولها:
ألا نَادِيَا أظعانَ لَيْلَى تُعَرِّجِ فقد هَجْنَ شوقًا ليتُه لَمْ يُهَيَّج
ثم أتى بأبيات وقال:
ألا ادْلَجَتْ لَيْلاكَ من غير مُدْلِجٍ هَوَى نَفْسِها إذا أَدْلَجَتْ لم تُعَرّجِ
وقال عبيد بن الأبرص قصيدة أولها:
أقفرَ من أَهْلِهِ مَلْحُوبُ فَالقطَبِيّاتُ فَالذَّنُوبُ
ثم أتى بأبيات وقال:
أرضٌ تَوَارَثَها شَعُوب فكلُّ مَنْ حَلَّهَا مَحْرُوب
ثم أتى بأبيات وقال:
والْمَرْءُ ما عاش في تكذيبِ طُولُ الحياةِ له تعذيبٌ
وقال الراعي قصيدة أولها:
أبتْ آياتُ حُبِّى أن تُبِينَا لنا خَبَرًا فأَبْكَيْنَ الحزينَا
ومن الشعراء من ربما أغفل التصريع في البيت الأول، فأتى به في بعض الأبيات من القصيدة فيما بعد.
قال ابن أحمر الباهلي قصيدة أولها:
قد بكرتُ عاذِلتي بكرةً تزعمُ أني بالصِّبا مُشْتَهِرْ
فلم يصرع أول القصيدة، وأتى ببيتين بعد الأول، ثم قال:
بل وَدِّعيني طَفْلَ إني بَكُرْ وَقَدْ دَنَا الصُّبْحُ فما أَنْتَظِرْ
وقال ابن أحمر أيضًا من قصيدة أولها:
لعَمْرِيَ ما خلفتُ إلا لما أرى وَرَاءَ رجالٍ أسلموني لما بِيَا
فأتى بالأول غير مصرع، وقال أبياتًا بعده، ثم قال:
فأمسى جنابُ الشَّوْل أغبَرَ كابيَا وأمسى جنابُ الحيِّ أبلجَ وارِيا
وقال أمية بن حرثان بن الأسكر الكناني قصيدة أولها:
أصبحتُ هزءًا لراعِي الضأن أُعْجِبُهُ ماذا يُريبُك مِنِّي راعِيَ الضانِ
[ ١٦ ]
فلم يصرع أول بيت، وأتى بعده ببيت واحد، ثم قال:
يا ابني أميةَ إنِّي عنكما غاني وما الغِنى غيرُ أني مشعرٌ فانِي
وإنما يذهب الشعراء المطبوعون المجيدون إلى ذلك، لان بنية الشر إنما هو التسجيع والتقفية، فكلما كان الشعر أكثر اشتمالًا عليه كان أدخل له في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر.